أقواس
قاس جدا هذا الـ"نونبر"
في "لا معنى" الموت
عبد الرحيم العطري
إهداء: إليك أمي الثانية المرحومة للا فاطمة الشافي
فادح جدا هذا ال "نونبر"، موغل في الألم و السقوط، مقتر في الفرح و الشموخ، قاتل و بارع في صناعة الرحيل، يسرق منا الأحبة، يغتال الحياة فينا و يحيل حقولنا جرداء بلا معنى..
صعب جدا هذا ال"نونبر"، قاس و بارد حد الصقيع، بل حارق حد اللهب، فيه نختبر الموت و نجرب متاهات الانتهاء، نعي الحقيقة الأخرى، و نكتشف سر الوجود و العدم…
في هذا ال"نونبر" المخادع رحلت أمي الثانية المشمولة برحمة الله للا فاطمة الشافي، بعدها بأيام رحل صديقي الشاعر و القاص النبيل ميمون الغرباني، و قبلا، في ذات ال"نونبر" رحل أيضا المبدع إدموند عمران المليح و المناضل أبراهام السرفاتي، رحل خطأ و اعتسافا في ذات الشهر القاسي، شهداء الواجب في صحرائنا المغربية.
هو الموت يفاجئنا في كل حين، يفضح هشاشتنا القصوى، يعتصر القلب التياعا، يوقظ السؤال العميق، يهدينا قلقا تلو القلق، هو الموت/ الحقيقة التي تهب المعنى، تسرق المعنى، و يغوص بنا عميقا في السؤال بعد السؤال.
لا شيء أقوى من قلب مؤمن بفكرة ما، لا شيء أقوى من الفكرة المستخرجة من دم السؤال، من ألم الرحيل و الغياب، الفكرة إياها أشبه ما تكون بنصل ينغرز في القلب الدامي، فلا شيء يعلو على حديث الجثة الهامدة، على الصمت البهيم الذي يملأ المكان بعد انتحاب الرحيل.
شيئان لا نستطيع التحديق فيهما طويلا، حسب ريجيس دوبري، إنهما الشمس و الموت، لكن لما يصير الموت رفيقا في هذا ال"نونبر"، ألا يستحق منا التحديق طويلا فيه؟ ألا يتوجب علينا الانفتاح عليه بجرأة المغامر؟ ألا يفترض فينا البحث في معناه أو لا معناه؟
الوحدة تثمر أفكارا بهية، الوحدة تقتل و تحيي، و الموت بالضبط هو موطن الوحدة، هو معناها أو لا معناها، فالموت انطلاق نحو الوحدة و الغربة و الاغتراب، إنه انتقال إلى عالم آخر، سفر ممكن باتجاه آخر، غير الذي تقترحه علينا وكالات الأسفار.
في هذي الوحدة القاتلة و القسرية يكون الألم موزعا على الجميع، فكل مار من جنائزية الرحيل، و إلا يستلم حقه المعلوم من هذا الألم، علما بأن الألم هو ما يمنحك درس الدرس في هذي الحياة، فلم يعرف كيمياء الحياة من لم يعرف فداحة المعاناة.
الموت نقيض الحياة، هذا ما تقوله أبسط المسلمات و اليقينيات التي نتلقفها بسرعة، فمن أدرانا أنه النقيض، و ليس الشبيه؟ أليس الموت حياة أخرى؟ و أليست الحياة موتا آخر؟ هنا يبدو أو لا يبدو جليا، أن الانطلاق من فخ التناقض يمكن أن يسعف في فهم حقيقة الموت.
الموت هو الموت، هو النهاية بلغة متقشفة صارمة، لكن نهاية ماذا، أو بالأحرى بداية ماذا؟ هو الحقيقة الملتبسة التي ندعي معرفتها، و نقف عرايا أمام لا حقيقتها، إنه الهلام، الزئبق، اللا معنى، العصي على القبض، العصي على الاستيعاب و الفهم.
لربما حقيقة الموت تكمن في مجابهته، في اختبار آلامه و فجائعه، هنا نصير وجها وجها مع جثة هامدة، تستفزنا، تستدعي مخيالنا، إرثنا، تمثلاتنا، ذاكرتنا المنشرخة، تتقاذف الصور في الأعماق، و نتذكر جيدا ما قاله سارتر ذات يوم بأننا قذفنا إلى ه

























