مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


هل الجحود صناعة صحافية مغربية؟

هل الجحود صناعة صحافية مغربية؟

                                                                    عبد الرحيم العطري

                                                                     كاتب و باحث سوسيولوجي

تبدأ الحكاية دوما بمكالمة أو رسالة عبر البريد الإلكتروني، تبدأ الحكاية دوما بعبارات الإطراء و الانتصار لما قد تكون مدمنه من حرف و سؤال، و كما كل الحكايات المغربية، يكون البدء في العمر الميت من الاشتغال، يأتيك الصحافي طالبا "خدمة" غير مدفوعة الأجر طبعا،  و ما عليك إلا أن تجيب على وجه السرعة و الدقة، و ليس في مقدورك الاعتذار أو إبداء التبرم من مواضيع أشبعت درسا، أو أنها تدخل في خانة الترف الإعلامي.

يرن الهاتف، عبارات برتوكولية مجاملاتية في البدء، و إطراء غير مبرر، علما أن المتصل لم يقرأ لك كتابا واحدا من تأليفك، و لن يقرأ حتى التصريح الذي تمده به، سيمطرك بعبارات لا معنى لها، و سيطلب منك تصريحا في حدود 300 أو 500 كلمة بخصوص كذبة أبريل أو عيد الحب أو عيد الأم و غيرها من المواضيع الملساء، و عليك أن تكون في مستوى الطلب، و أن تكون متعاونا، و ألا تطلب منه تسجيل التصريح عبر الهاتف، أو في لقاء مباشر، فتحرير المادة و إرسالها عبر البريد الإلكتروني سيعفيه من تفريغ شريط التسجيل و رقن المعطيات.

و على ذكر "التعاون" فالمفروض فيك كباحث في علم الاجتماع أن تدلي بدلوك في كل المواضيع، و أن تتنكر للدرس الأثير الذي علمنا إياه الراحل بيير بورديو و هو يقول: "إذا كان على كل كيميائي أن يحذر الخيميائي الذي يسكنه، فعلى كل عالم اجتماع أن يحترز من المصلح الاجتماعي الذي يسكنه و المطالب بتجسيده من طرف جمهوره"، لهذا سيأتيك أحد "المحبرين" كما يصفهم العزيز مصطفى حيران، طالبا منك رأي علم الاجتماع في كذبة أبريل أو احتفالات رأس السنة أو طرق التعامل مع المرضى… و في اللحظة التي تعتذر فيها بلباقة و تقول له بأنك تشتغل وفق مشروع، و على أسئلة محددة تتوزع على سوسيولوجيا السياسة و الحركات الاحتجاجية و سوسيولوجيا الإعلام و الاتصال في مستوى أخير، فإنك لن تجد التفهم جوابا، بل الامتعاض أو الإصرار على ترشيح زميل آخر يهتم بهكذا موضوع.

تبذل جهدا آخر من غير شك لتوضح أننا في قبيلة علم الاجتماع، و على قلتنا، نشتغل ضمن مشاريع محددة أملا في الفهم، و أساسا من مقترب الانتقال من سوسيولوجيا العناوين الكبرى إلى سوسيولوجيا الدقة و تفاصيل التفاصيل، و لا بأس هنا أن تذكر المتصل بأن عبد الصمد الديالمي مثلا يشتغل على الجنس و إدريس بنسعيد يهتم بسوسيولوجيا السياسة و الصحة و أن المختار الهراس ينشغل بسوسيولوجيا الأسرة و التحولات القيمية و أن مصطفى محسن ينتصر للمسألة التربوية و نور الدين الزاهي يهتم بالمقدس و انفتاحات الأنثروبولوجيا، و أن هؤلاء جميعا و غيرهم، من آل السوسيولوجيا العلمية لا العفوية، يعانقون الأسئلة الكبرى و الصعبة، و يشتغلون في إطار مشاريع علمية لا تقبل بالسرعة، فتماما كما الأطعمة الجيدة تنضج على نار هادئة، فالفكرة لديهم لا تولد إلا من رحم التأمل النقدي و المراس الفكري.

لكن "سعادة" الصحافي المتصل لا يريد سماع هذه التوضيحات، يريد فقط تصريحا يدبج به مادته قبل موعد "البوكلاج"، فلا داعي للتوضيح، بل يرجى منك إنهاء المكالمة، حتى يستطيع الظفر براغب آخر في الظهور الإعلامي، علما بأن كثرة الظهور تقتل، و سيجد بالطبع من لا يجد حرجا في التحدث عن أتفه التفاهات، بمقاربة تسمى خطأ و اعتسافا بالسوسيولوجية.

لكن في اللحظة التي يتقاطع فيها الموضوع مع انشغالاتك المعرفية، و تريد أن تسهم، في إثراء النقاش، و تتحمل نيابة عنه مسؤولية التفريغ و الرقن، و تمده بالنص و الصورة، و تطلب من سعادته أن يذكرك بموعد النشر حتى تستطيع الاطلاع على مساهمتك، فمن المؤكد أن الصمت هو رفيقك و جوابك، فالجحود صناعة صحافية مغربية، و ما أن يستلم الصحافي تصريحك حتى تنتهي العلاقة بينكما، و لا يمكنها أن تعود إلى سابق دفئها و تحياتها البروتوكولية إلا مع الحاجة إلى تصريح جديد.

ما دون ذلك، ما عليك إلا أن تعول على أفراد عائلتك و معارفك الذين قد يطلعون على مساهمتك بقوة الصدفة، ليرسلوا لك رسالة قصيرة على الهاتف، مخبرين بموعد الصدور و موطنه، أو أن تنتظر مكر الصدفة مرة أخرى لتجد نفسك على صفحة معدة لتغليف النعناع الذي قد تشتريه.

و حتى في اللحظة التي يقع فيها الصحافي في خطأ مهني، كأن يحور كلامك أو ينسبه لشخص آخر، مسيئا للشخص الآخر الذي يحسبه الناس "سارقا أدبيا"، منتجا بالخطأ لتناص فوق العادة، فإنه لا يكلف نفسه بالاعتذار، و كأن الأمر لا يستحق، لأن المهم بالنسبة إليه هو أن تلك المادة صارت تنتمي إلى الفائت، و أن الأهم بالنسبة إليه هو عدد الغد و قلق "البوكلاج".

هناك من آل علم الاجتماع بالمغرب من أصبح يشترط دفع المقابل من أجل تقديم تصريح أو حوار، فقد أخبرني أحد هؤلاء المطالبين بأجر لقاء تصريح، أن الصحافي ذاته يأخذ أجرة عن عمله، فالراقن و المصحح و الطابع و الناشر و الموزع، كلهم يأخذون أجرة، فلماذا يكون صاحب التصريح بلا أجرة؟ و يمضي صاحبي موضحا بأن "مسألة التصريح بمقابل معمول بها في الضفة الأخرى كما في البلاد العربية، بل إن هناك من الصحف و المجلات المغربية من تعمل بها"، مضيفا بأنه ليس  هناك من التزام إيديولوجي يربطه بهذه الجريدة أو تلك، و لا مبرر  لكي يتطوع  و يكتب معها بالمجان، فالظهور لا يعنيه في شيء.

صديقنا السوسيولوجي لما رفع يافطة الأداء المسبق، ارتاح من المكالمات التي لا تنتهي و انصرف إلى مشاريعه الفكرية و قراءاته المعلقة، فكان في قمة الإنتاج، بل إنه ارتحل إلى لغات أخرى يحاور فيها و من خلالها أسئلة المجتمع. فلم يعد يزعجه أشباه الصحافيين بأسئلتهم الملساء و مواضيعهم المترفة أو التافهة، إنه ينفق وقتا بهيا في القراءة و البحث الميداني و الكتابة للمستقبل، و ليس لهذا الراهن الجاحد.

ليست الصحافة المغربية في جميع تفاصيلها بهذا الملمح من الجحود، فهناك عشرات المهنيين الذين يحترمون نبل المهنة، و لا يطلبون منك حوارا إلا بعد أن يكونوا قد اطلعوا على مجمل كتبك، هناك العشرات من الصحافيين المثقفين الذين يشكرونك بمجرد توصلهم بالمادة و يعلمونك بموعد صدورها، بل و يرسلون إليك نسخة من العدد ورقيا و إلكترونيا.

هؤلاء الكبار الذين يفرضون عليك احترامهم بمهنيتهم و أخلاقهم العالية، هم الذين يجعلونني أستمر في "التعاون" مع بعض الصحف و المجلات، أملا في توسيع دوائر النقاش و البحث عن المعنى، بالرغم من كل هذا الجحود الذي يبدو أنه صناعة صحافية مغربية.

 



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين