مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

خواطر المساء … بحثا عن المعنى

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 29 أكتوبر 2006 الساعة: 18:52 م

عبد الرحيم العطري

 

 

 

 

خواطر المساء

بحثا عن المعنى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1-         ماذا بعد ؟

عبد الرحيم العطري

         ماذا بعد كل هذا الانهيار الفادح ؟ ماذا بعد كل هذه المتاهات المكلومة ؟ ماذا بعد كل هذا الألم الرابض فوق الصدور ؟ ماذا بعد ؟ إنها تندلق بنا نحو اللانهائي ، إنها تأخذنا نحو مزيد من التيه و الانخذال ، و لا مفر من مواصلة المسير على طول طريق ملأى بالأنذال ، إنه التاريخ الداعر لزمن طافح بالرداءة ، لدنيا قزحية ضاقت بالغربان و و التافهين ن و لن يكون في المقدور ، على الأقل هنا و الآن ، إلا حياكة زمن الحلم و الاشتهاء ، ا, الارتكان إلى صمت الذوات المشروخة ..

         لهذا تغدو الكتابة قدرا حارقا نحتمي به ، يصير هزم  البياض و تحبيره ضرورة قصوى لاكتشاف معنى الأشياء ، فلا معنى للوجود بعيدا عن الانكتاب المنقوع في هموم الذات / الآخر ، لا معنى للمعنى ذاته بعيدا عن القلم المغموس في حبر الجاري بلا انقطاع ..

         لهذا كله نقيم الصلح مع  أقلام يكسرها الواقع العنيد ن لكنها لا تمل البري و لا تدمن التثاؤب ، لا نجدا بدا من بريها من جديد حتى نواصل امتهان الحلم و نستطيع صناعة الحياة ، لهذا كله نصر يوميا على التفكير بصوت عال في مختلف المعاني الهاربة منا قصدا و خطأ ، على درب النقد و المساءلة لاكتشاف الماهية و تفكيك قواعد اللعب ..

         إنها خواطر المساء اللذيذ .. المساء الشقي .. زاوية للحضور و الغياب ، للمعنى و اللامعنى ، للتواطؤ و الانقلاب ، للأمل و اليأس ، للأضداد كلها في أفق الكشف و التعرية الصادقة لما يعتمل في أعماقنا المنشرخة من أسئلة بلهاء و أخرى عميقة لا نريد التفكير فيها ، إنها تتوسل في اشتغالها بآليات الهدم و التفكيك ، و تنفتح في تعاطيها على ظواهر مختلفة الطابع يوحدها البحث عن المعنى …مساحات لتوقيع نوتات الرحيل الأخير ، بما ترسب في الأعماق من صرامة البحث السوسيولوجي و شساعة الحلم الأدبي .

         فماذا بعد كل هذه  الانفلاتات الملتهبة ؟ إنه سؤال البدء الذي نريده فاتحة كلام لانهائي يغوص فينا عميقا نحو مغاليق الذات ، إنه سؤال الختام المؤقت طبعا الذي يفضحنا و يعرينا أمام تفاهتنا و عزلتنا في زمن القطيع …

         لنتأمل إذن ما يمور به هذا الواقع الذي لا يرتفع ، لنؤسس اللحظة و نبتهج بعيدا عن لحن الأسى و الضياع ، لنتأمل أملا في صناعة الحياة ما دام الموت هو ما يتربص بنا و هو ما يسرق منا المعنى ، فالتأمل خير من الغرق في الصمت البهيم ..

         خواطر المساء في انبنائها الأول كانت مجرد لحظات لتأمل نهاراتنا المزيفة ، حيث الأضواء و الأقنعة و الشخصيات المستعارة تملأ كل الأمكنة و الأزمنة ، لكنها استحالت مع مرور الوقت إلى عادة جميلة للتساؤل عن العابر و اليومي بحثا عن المعنى المفترض لقوة الأشياء ، لهذا جاءت مغموسة في اليأس المعتق ، و كأنها تحكي زمنا عصيا على الفهم ، لكنها في الآن ذاته تغني من أجل صناعة الحياة و حياكة الأمل ….

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2- في رثاء المعنى

         عندما يقرر جيل دولوز وضح حد خاص لعلاقته بهذا العالم ، و يلقي بنفسه من النافذة و لا ينتبه لفعلته هاته إلا قلة من المهووسين بالهم التساؤلي ، و عندما ترحل الأميرة ديانا و تتجند الأقلام كلها لرثاء ذكراها ، وعندما تصير النشرات الإخبارية متخمة عن آخرها بأخبار حيوانات بريجيت باردو و تفاهات غيرها من أبطال الوقت الوهميين ، عندما يحدث هذا كله ، فهذا يعني أن العالم غارق في البلاهة و التفاهة ، و أنه ما ينفك يلهث وراء المبحوث عنه لهزم قلق أسئلته الشقية التي تعصف به و تقوده كرها نحو أحلك النهايات .

غياب المعنى

         إن السمة المميزة لعصرنا هذا هي أنه عصر موت المعنى ، إنه عصر القحط الروحي و الفقر المعنوي ، فكل أكاذيب السرعة و التكنولوجيا و التقدم و الرفاه تشي يغياب المعنى و احتضاره قبلا في معارك خاسرة فقد فيها الإنسان إنسانيته ، و استحال فيها إلى حيوان ناطق فقط ، فالحروب البشرية صارت أكثر عنفا و ضراوة ، إنها لا تلبث أن تضع أوزارها إلا لكي تشتعل مجددا و بصيغ أكثر كارثية و دموية و في أكثر من مكان ، ليس هناك إلا من أخبار الحرب و الموت الفظيع ، فمسلسلات السلام سرعان ما تنفرط سبحتها ، و السلم الاجتماعي آيل للسقوط في أفق الارتكاس نحو مجتمع الغاب ، فبالرغم من كل ملامح التقدم التي يتبجح بها زمننا الرديء هذا و الذي هو زمن القمع كما قال الراحل عبد الرحمن منيف ، فإن الفاقة و الحرمان و البشاعة هي صفات و صور مأزمية تبصم جانبا من الحياة البشرية سواء في دول الشمال أو في ضفة الجنوب المعذبة

         فعندما ندمن التأمل النقدي و نرتكن إلى هاجس السؤال ، و نعاين ما يعتمل في عصرنا من ضياع و تيه ، من حروب و سلام مغدور ، من موت كئيب يرفض الانسحاب من بين ظهرانينا ، عندما نفعل ذلك كله يتأكد لنا بقوة أن العمر الافتراضي للمعنى من الوجود قد زال و انتهى ،و أننا انخرطنا قسرا في اللامعنى السديمي ، و في عمق البقع السوداء كما يقول كافكا …

في كل شيء يلوح اندحار المعنى و سرابه ، و هو ما يدفع نحو السؤال عن المعنى و اللامعنى ، و شعرة العقل أو اللاعقل التي تفصل بينهما و تحتم علينا بعدا الدخول في وضع ما لا نحسد عليها في مطلق الأحوال …فلا يسعنا إلا أن نتساءل مجددا عما يعطي لوجودنا أو غيابنا معنى محتملا ، و ما الذي يسحب من تحتنا بساط المعنى ؟ و يحشرنا بالتالي في متاهات اللامعنى ؟ و قبلا هل نحن في حاجة قصوى إلى المعنى في زيف اللامعنى ؟

         لمجابهة هذا الشقاء التساؤلي لا مناص من التأمل لقراءة تفاصيل الحياة و اكتساح لغتها البئيسة بحثا عن معنى الأشياء أو لا معناها في عصرنا الطافح بالرداءة و الابتذال

 

موت الفرد

         إن الحداثة كمشروع مجتمعي تجديدي جاءت لتبشر الفرد بفردانيته ، بحريته ، بقدرته على الفعل ، لقد جاءت وفقا لأدبياتها الأولى لتؤكد له انتهاء عهود صكوك الغفران و محاكم التفتيش ، فالحداثة في بعدها العام تؤمن بالفرد و الحرية ، و تنتصر للاختلاف و كل القيمة التي تقطع مع التقليد و الأبوية ، و لكن المشروع الحداثي لم تصدق كل نبوءاته ، و لم يخلص الإنسان من القهر المجتمعي و لم يعترف له فعلا بحريته الفردية على الرغم مما يظهر من نزوع كوني نحو تأكيد الحق الفردي في تقرير المصير عن طريق توطين الحريات الفردية كالانتخابات التي ما هي في النهاية سوى حروب سلمية للتداول على السلطة

         إن حرية الفرد في المجتمع الحديث ما هي إلا وهم قاتل ، و هذا ما أكده لويس ديمو في إحدى دراساته ، إذ يقول بأن المجتمع الحديث عرف عقلنة جديدة للقمع و تناميا مفزعا لآليات تقليم الأظافر و قص الأجنحة ، و عرف ارتفاعا حقيقيا لصيغ القهر الاجتماعي ، الشيء الذي أدى إلى ضياع " الأنا " وسط زحام " النحن " .

         فالفرد صار أكثر انصياعا لقيم الجماعة و أكثر انصهار و تحللا في بوثقتها ، و هو ما يؤدي نهاية إلى إلغاء فردانيته و تبخيس حريته و فعاليته الاجتماعية .فهل مات الإنسان / الفرد فينا كما صرخ نيتشه ذات مرة و هو يبحث عن السوبرمان ؟ و هل ما يتعالى الحديث عنه آنا من حقوق للإنسان ما هو إلا سراب جميل ينضاف إلى سراب المعنى ؟

          إن عمليات الفرملة و القمع و تقنيات إعادة الإنتاج و التدجين ، و ما إلى ذلك من تقنيات تذويب الفرد و قتله تؤكد ما قاله ماركس بأن هذا المجتمع يحكمه أجداده ،و أنه مجتمع خاضع للموتى ، أي أنه يأتمر و ينتهي بالفائت و الغائب ، و في ذلك نفي و إلغاء مباشر لحرية الفعل و التجاوز .و الواقع أن الإيمان بالفرد و حريته كرؤى حداثية لا يعد عقوقا أو خروجا على معايير الجناعة ، و لكنه تأكيد على الاختلاف تلافيا لضياع الأنا ، و احتراما للجماعة و تحصينا لذاكرتها و مستقبلها ، و هو ما لا تعيه جيدا أنظمة العصر الراهن ، و لهذا نجد ذات الأنظمة الحاكمة و المتحكمة في المصائر و الاختيارات ، تجتهد في ابتداع كل الأساليب التي تقود نحو محو الفرد و تحويله إلى مجرد رقم من الأرقام في فضاء منقوع في اللا معنى …

مجتمع القطيع

         لكن هل وصلنا إلى درجه عليا من البؤس المجتمعي ؟ هل مات الفرد و الإنسان ؟ كيف و لماذا يحدث ذلك ؟

         في قصة "وداع السلاح " ناقش ارنست همنغواي فكرة مقلقة تتعلق بالفرد في المجتمع ، إن كان في مقدوره أن يدير ظهره للعالم و أن يعيش لنفسه بعيدا عن صخب الناس و حفلاتهم التنكرية التي هي الهدف الأثير للسوسيولوجيا كما صرح الراحل بيير بورديو أكثر من مرة .

و عليه فقد اختار بطلا القصة كاترين و فريدريك أن يعيشا في قمة جبل بعيدا عن العالم المزيف ، و في النهاية المأساوية كنهاية مبدع القصة ، بعد موت كاترين سيصيح فريدريك مختزلا كل المعاني الهاربة " إن العالم يحطم الفرد " ، و على نفس الدرب نقول بأن المجتمع الحديث يسحق الفردانية و يدجن الأفراد محولا إياهم إلى أرقام مدمجة في أقراص مدمجة ، أو أصوات انتخابية في معارك السياسة الخاسرة ، أو زبائن مستهدفين في جيوبهم و راحتهم في أتون الاستهلاك و الماركوتينغ ، هذا هو عصرنا – و للأسف الشديد – عصر الجماهير ، عصر القطيع المساق نحو ما يبتغيه الذين هم فوق من مالكي وسائل الإنتاج و الإكراه .

         لا مكان للفرد ، و لا كلمة إلا للجماهير / القطيع ،الذي يشار إليه بالرأي العام و المواطنين و الشعب و ما إلى ذلك من التسميات المخادعة ، فهذا القطيع يوجه قسرا نحو مسارات مدروسة بغير قليل من الدهاء ، اعتمادا على أجهزة إيديولوجية و أخرى قمعية حسب ما تمليه الظروف …و ربما هذا ما جعل الكثيرين من آل القلق الفكري يختارون الرحيل بعيدا عنا ، ربما لأنهم لا يريدون أن تغتصب حريتهم في الفعل و الاختيار ن لهذا اختاروا الرحيل و ألما و جنونا و انتحارا رحمة من قضاء الساعات الطوال أمام فضائيات تحقق في البقع العالقة فوق فستان مونيكا و لا تعير أدنى اهتمام لما يحدث في فلسطين و العراق و غيرهما من الدول التي ما زالت تؤدي ضريبة نظام العالم الجديد …

         في ثقافة القطيع تصير المسايرة فعلا مباركا و تمسي المساءلة ذنبا يستحق العقاب ، و بالطبع ففي وضع كهذا سيكون القهر و النبذ الاجتماعي بالمرصاد لكل من سولت له نفسه باقتراف " جرم " السؤال و الخروج عن طوع السائد و المبارك من طرف الجميع ، فلا مجال للمبادرة و التساؤل النقدي قبالة ثقافة الإجماع و القطيع.

         قطعان بشرية إذن في جل أرجاء المعمور يتم تعليب وعيها الجمعي في قوالب جاهزة لإدمان المسايرة و نبذ النقد و المساءلة ، يتم تشكيلها حسب مقتضيات اللعبة الدائرة ، حتى تكون جاهزة للتحكم فيها عن بعد و بأقل الخسائر ، و حتى تكون – و هذا هو المهم – جاهزة لقول لا ثم قول نعم إن استدعت الضرورة ذلك ، و لرفع شعارات و استهلاك منتوجات معينة و باختصار لفعل ما يتوجب فعله و ما تقتضيه ضرورة الصالح العام ..

تكنولوجيا القمع

         و الواقع أن كل هذا ما كان له أن يكون ، و أن يتجذر واقعيا ، و بهذه الأشكال المفزعة  لولا  القمع ، فالدولة ، أية دولة ، تلجأ في سبيل ترسيخ مؤسساتها و حضورها إلى جهازين متلازمين هما الجهاز القمعي و الجهاز الإييولوجي ، فالأول يعمل على تصريف العنف المؤسسي و التحكم فيه ، و الثاني يقوم بتقديم حقنات سوسيوسياسية لشرعنة القائم و الحفاظ عليه ، إلا أن الدولة في المجتمع الحديث نجدها قد أولت عناية فائقة للجهاز القمعي و لم تعد تطلب خدمات الجهاز الإيديولوجي إلا في أوقات محدودة ، و عليه فقد تولدت لدينا تكنولوجيا جديدة هي تكنولوجيا القمع ، و هي محصلة نهائية لسباق التسلح و جنون السيطرة الكوكبية ، و هو أيضا اختبار موضوعي لقدرة الأنظمة الحاكمة على تطويع الأفراد و تحويلهم إلى أجساد طيعة تماما كما هو الأمر بالنسبة لمؤسسة العقاب كما يقول ميشيل فوكو .

         إن تكنولوجيا القمع لا تظهر آثارها فقط في الطفرة التي عرفتها مؤسسات العقاب و الامتداد البوليسي الذي صار مكتسحا لكل التفاصيل الإنسانية ، و محصيا لكل الأنفاس و الحركات و السكنات ، و لكنها تكاد تبين في الوضع الذي انتهت إليه الإنسانية في كثير من بقاع الأرض ، و التي تشهد استنفارا مخزيا للأجهزة القمعية ، و تلوح آثارها أيضا في " القبول الاجتماعي " و التسليم النهائي بضرورة العنف و القمع ، فتكنولوجيا القمع لم تعد تثير الاستغراب ، لقد غدت جزءا من المشهد اليومي ، و هكذا تواصل الدولة في ضفتي الشمال و الجنوب استعراض عضلاتها القمعية في تحد سافر لقيم السلم و الأمن الاجتماعيين ، إنها تستعرض عصيها و مسدساتها بهدف زرع الخوف لا غير ، فمن الرؤوس المعلقة عند أبواب المدن و الأجساد المصلوبة في الساحات العمومية إلى الكرسي الكهربائي و غرفة الغاز و حبة الموت الرحيم ، ليس هناك إلا تطور فج في سبل تطويع الجسد الإنساني و الانتهاء من شغبه ، إنها حالات بائسة من قاموس مجتمعي قمعي بالأساس يكيل لنا الموت الفظيع في كل آن ، إلى الدرجة التي صار من غير الممكن استشعار حضوريتنا الفردية في دنيا القمع هاته .

أفول العالم

         إذن في أحضان هذا العالم الرديء الذي يقتل و يحطم الفرد ، في ظل هذه الأنظمة الجائرة التي يموت فيها الأطفال باسم الشرعية الدولية ، و تداس فيها الكرامة باسم الصالح العام ، و تباع فيها المبادئ و تشترى في كرنفال المبادئ ، هل ثمة معنى ما لوجودنا البئيس ؟ذلكم ما نعجز عن تأكيده ، و ذلكم ما يغرقنا في حيرة باذخة و يورطنا في عمق الأسئلة الكبرى ، علها تبعد عنا أرق السؤال و الضياع في زحمة العالم و بلادته القصوى .

         هناك في قارات الفكر الفلسفي تحدث هيدغر ذات مرة عن هروب الآلهة ، كما تحدث ماكس فيبر عن حروب الآلهة ، و في ذلك  إشارة واضحة على انحسار المعنى و تبعثر الحقائق و تحطم صروح اليقينيات ، و هذا ما أشار إليه شبانغلر في " أفول الغرب " الذي أبرز فيه انحطاط الغرب و موته مع موجة الحداثة الكاذبة

         و هنا و الآن و نحن نعاين موت الإنسان بأبشع الطرق و أكثرها خسة و جبنا و في أكثر من مكان ، نجد أنفسنا مستفزين بأسئلة المعنى و اللامعنى ،و مدعويين إلى تفكيك الوقائع لصوغ الممكن بعيدا عن قلق البياض و الفراغ ، فاللامعنى يجتاح قحطنا وفراغنا المهيب ، و يؤسس لموتنا في أحضان تكنولوجيا القمع و مجتمع القطيع ، و كل التفاهات التي تسرق منا حريتنا و فعلنا الاجتماعي ، و تسرق منا الأهم و هو المعنى من الحضور أو الغياب ، فإلى متى سيستمر العالم في ركضه المجنون وراء لا معنى الأشياء ؟

 

 

 

                      

 

3- أين الجثة ؟

         كثيرا ما أرقني سؤال الصداقة في الأيام الأخيرة ، كثيرا ما لاح أمامي السؤال ذاته عميقا و حارقا جدا ، لم أجدني فيما مضى أقلب التفكير في الصداقة كمعنى محتمل للأخر و الأنا ، لم أتعب نفسي قط بالبحث عن معناه أو لا معناه ، ربما لأنني مثقل بالأصدقاء ، أو ربما لأنني لا أحوز صديقا واحدا بالمرة ، أحيانا نكتشف أننا غارقون في البلاهة و التفاهة ، عندما نتيه في هذا الزمن الصعب بلا معنى الأشياء .

         لكن دوام الحال من المحال ، كل شيء يتغير و ينمسخ أيضا ، و لا عجب إنه زمن المسخ و الانهيار الفادح ، عندما يلذغنا الوقت ، يستيقظ فينا السؤال الغائب ، تماما كما الألم الكريه ، يستمر الوخز في الأعماق ، يدفعنا الألم نحو تعنيف السؤال و التحرر و لو بشكل مؤقت من مقارباتنا الكسولة ، بحثا عن معنى الصداقة …

في أحلك اللحظات يلوح البدر ، و في قيعان الألم و الأزمة تنجلي الحقائق ، و تنكشف الأشياء ، فالمعنى لا يوجد إلا خلف الظاهر ، و لا يصير الوصول إليه ممكنا إلا برفقة العذاب و التشظي …

         عن الصداقة يقولون هناك في الضفة الأخرى ، هناك بالضبط في مدينة الأنوار بأن الصديق حقا هو من تأتيه في وقت متأخر من الليل ، و تقول له و أنت ترتجف خوفا و ربما ندما بأنك قتلت ، فيقول لك مباشرة و من غير تردد أو أدنى ارتياب في أمرك أين الجثة ؟ ، حتى يساعدك على التخلص منها ، و بعدها يمكن أن يمطرك بعبارات اللوم و التأنيب ، ذلكم هو الصديق الذي لا يخذلك في عز الضياع ، ذلكم هو الصديق الحقيقي الذي لا يوصد الباب في وجهك و ينضم إلى جوقة المتهمين و المطالبين برأسك و لو كنت مظلوما ….

         هنا و الآن ، في ظل زمن متعفن ، تتأسس فيه العلاقات على النفعية و المصلحية كم من صديق يمكن أن يقول لك أين الجثة ؟ من الأفضل ألا يتعب المرء نفسه بالبحث عن جواب لهكذا سؤال ، ربما لن يجد واحدا بالمرة يسأله ذات السؤال ، و بالمقابل سيجد كل الأصدقاء حوله يلعبون دور الجلاد دونما إعمال لأدنى تفكير في إمكان البراءة مما نسب إلى المرء ، كلهم سوف يديرون ظهورهم عنه و يتركونه وحيدا في العراء ، بعد أن كانوا حتى عهد قريب يتملقون إليه و يتنافسون فيما بينهم من أجل كسب وده و عطفه ، فبمجرد وقوع غير المتوقع يتفرق من حوله الأصدقاء و يلتحقون على التو بطابور الأعداء و الجلادين ….

         وفقا لهذا الفهم الأنواري للصداقة حاولت في زمن غير بعيد أن أكتشف عدد الأصدقاء من حولي ، و الذين بمقدورهم أن يسألوا عن الجثة ، الغريب في الأمر أنهم لم يطرحوا ذات السؤال ، بل طرحوا أسئلة بلهاء من قبيل: كم أسأت لنا ؟ ألم تبلغ الشرطة ؟ ما كان عليك أن تفعل هذا الجرم الشنيع ؟ …لهذا أحذر دوما من طرح سؤال الجثة ، و من سؤال الصداقة ، و من معناه القصي ، فمن الأفضل ألا أبحث عنه هنا و الآن حتى لا أنصدم أكثر ، و أعي جيدا أنني وحيد وسط الصقيع .. حقا أهاب الوحدة و الفقدان ، لهذا أمنه نفسي مؤقتا من طرح سؤال الصداقة …..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

4- عقدة الانتماء

         أيها الرائي بعيدا ، تعال إلى ذلك القصي فينا ، تعال نقتفي معا آثار الفجيعة ، نكتب اللحظة تلو الأخرى ، نوقع الكلام الفضيل و نرتق أحلام الوطن ، نعيد له ألوانها الزاهية ، ندفع عنها الذبول ، نسقيها من دمنا ، نهديها روحا خفاقة لا تعرف المستحيل …

         ألم يقل ذلك الفتى بأن الوطن أجما مما يتشدق به أصحاب السعادة ، هذا الوطن الجنائزي لا يحتاج إلى عرابين و تافهين يتحينون الفرص لكي يعلموننا دروسهم الماسخة في الوطنية و المواطنة ، ألم يشرب ذلك المسرحي المشرقي نخب الوطن قائلا بكل انتشاء و انتماء " كأسك يا وطن "

         لكن أيها الرائي قريبا ما الوطن و ما المواطنة ؟ و ما كل هذه المفاهيم المستعارة من لغة الخشب و التي يتبجح بها الفاعلون الجدد بعد السادس عشر من ماي المعلوم ؟ ، هل نصير وفقا لفهمهم المحترم غير جديرين بهذا الوطن لأننا لن نطبل و نزمر و لا نسير مع القطيع ؟ هل نغدو بذلك في محور الشر لأننا لم نوقع على نداء المواطنة ، و لم ننخرط في مبادرات مدنية موجهة بآلة التحكم عن بعد ؟

         الوطن يا أصحاب السعادة و المعالي أكبر من حفنة تراب ، أعظم من جواز سفر و بطاقة انتخاب ، أجمل من حقل الزيتون و نسيم الصباح ، الوطن لا تحده الجغرافيا و لا يكتبه التاريخ ، و بعدا فالوطنية و المواطنة لا تحتاج إلى بيان أو نداء ، لا تحتاج إلى من يمهرها بتوقيع زائف …

         الوطن انتماء و امتداد ، شعور ملتهب في الأعماق لا يحتاج إلى دليل ، حارق و فضيل يستيقظ فينا عندما نفرح و نحزن معا ، يأخذنا نحو التماهي و قتل الأنا في سبيل نحن جماعية أكثر بهاء و نقاء ، هو ذا الوطن مساحات لا متناهية من الحب ترتوي بدماء الشهداء و يحرسها شموخ الفضلاء …

         أيها الرائي بعيدا قريبا كم يزعجك سؤال الوطن ؟ و كم تبتئس لحال الوطن ؟ و قد اختزله الفاعلون الجدد في قطعة آثار معدة للتهريب أو رقصة فولكلورية لاستجداء العملة الصعبة ، او مؤسسات و هيكل للتدجين و التلميع … لكن الوطن اكبر من كل الاختزالات الحقيرة ، غنه لا يرسم بالمسطرة و البركار ، و لا تكتبه الدعاية و الاستجداء و لا التبجح و الادعاء ، غنه أعظم من التفاهات المتوزعة طولا و عرضا في سمائه الكئيبة ، إنه بكل بساطة الانتماء الحارق والسؤال الوجودي المؤرق . عقدة الانتماء هي المواطنة في امتدادها الذي لا يستوجب أي توقيع أو دليل ، أن تكون غارقا في حب الوطن من دون بهرجة أو اعتداد ، ذلكم هو السلوك المواطناتي ، فمن أجل الوطن نغني لحن الحياة و لو في أحلك اللحظات ، من أجل الوطن الذي لا يستقيم إلا في الأحلام ، نرسم بألوان الربيع الأمل القادم و لو في حرقة الألم و الفجيعة ، من أجل شمسه الدافئة نستمر في الحلم و لو تربص بنا جلادو الحلم و العشق ، من أجل مساحات الانتماء الجميلة نفرح بعقدتنا و نواصل المسير كي ندرك غبش الصبح القريب ، و لا نعير كثير اهتمام لمنظري المواطنة و عرابيها الجدد ، فالوطن أكبر مما يتصورون و ما يكتبون و ما يوقعون ….

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5- كوم . إيكار

         عفوا .. ما عنوان هذه الخواطر المسائية بدال على موقع من مواقع الشبكة العنكبوتية ، التي صار السفر عبرها يعطي معان جديدة للزمن ، معان تدعونا بإلحاح إلى هجران مقارباتنا الكسولة و المطمئنة حول المكان قبل الزمان … إنه بكل بساطة عنوان لفيلم لا أذكر كثيرا مخرجه تدور قصته حول صحافي جريء تتبع خيوط جريمة اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي ، تتبع كل الخيوط ، فكك كل الأدلة و القرائن المتوفرة و الأخرى المسكوت عنها إلى أن اقترب من الحقيقة ، و تحديدا من الفاعل المحتمل ، لكنه في اللحظة التي سيصيح فيها " أوريكا .. أوريكا " - كما فعل أرخميدس فرحا باكتشافه -  و هو يهاتف صديقا له كان يحدثه عن إيكاروس البطل الملحمي في الميثولوجيا الإغريقية  ، في ذات لحظة الاكتشاف و الفرح بامتلاك المعنى ، ستحسم رصاصة غير طائشة نهاية الصحفي ، لتظل السماعة معلقة في الهواء ، و منها يتناهى غلينا صوت الصديق و هو يحكي عن إيكاروس الذي افتتن بضوء الشمس ، و اقتنع قويا بأن الحقيقة ترقد هناك في عمق هذا القرص الملتهب المانح للضياء ، ليقرر بعدئذ الطيران نحو الشمس ، صانعا لنفسه جناحين من الشمع ذابا بمجرد اقترابه منها ، فكانت نهايته مونا فظيعا و سقوطا نحو القعر العميق ….

         فهل هذا هو قدر الباحث عن الحقيقة ؟ هل هذا هو قدر كل العاشقين و الراغبين في هتك ستارة المسكوت عنه ؟ أ هذه ضريبة البحث عن المعنى ؟ أم ماذا؟

تاريخ الإنسان في أقوى لحظاته تأكيد مستمر للميتولوجيا الإيكاروسية ، فهل كلنا إيكاروسيون بالفطرة ؟ ما أن نحاول الفرح باكتشاف كيمياء الحياة حتى نسقط في الغور العميق ، ما أن نسعد بإمكان التغيير و دنو بناء المجتمع الفضيل حتى تتهاوى قصورنا الرملية و تصير الحياة بطعم الألم و الرحيل ، ما أن نقول لأنفسنا بأن الأمور تسير نحو الأفضل و أن الإنسان الحقيقي قد استيقظ فينا حتى تذبل كل زهور القرنفل و الياسمين و يغدو الموت عشاءنا الأخير …

         لعنة إيكاروس تطاردنا منذ البدء ، تجعلنا نراوح أمكنتنا البلا معنى ، و لا نحصد انتهاء إلا مزيدا من الفظاعات و البشاعات ، نراكم الهزائم المرة و لا نصل إلى اكتشاف كيمياء الحياة ، نفقد آخر ذرات التحمل و نهوى نحو القعر الموغل في الرداءة و الانهيار ، و مع ذلك يظل إيكاروس كطائر الفينيق ، يستيقظ فينا دوما ، يعاود الكرة مئات المرات في تأشير دال و عميق على استحالة العيش بدون فسحة الأمل و جرعة الرجاء ، أبدا بدون رجاء لا تستقيم الحياة و لا نستطيع مضيا نحو الغد المجهول …

         كم هو حزين هذا القمر ، إنه مترع بالأحزان ، و كم من إيكاروس لقي حتفه هذا المساء ؟ كثيرون جدا في هذا الكون الفسيح  غادرونا انتهاء بعد ذوبان الشمع ، لكن بالنظر إلى نصف الكأس الملأى ، كم من فينيق انبعث من رماده هذا المساء ؟ كثيرون أيضا تجاوزا خبث الأيام و انطلقوا نحو صناعة الحياة ، فكم من زهرة تفتحت من بين الأشواك ؟ و كم من عليل هزم المرض الخبيث ؟ و كم من أحلام تحققت هذا الصباح ؟  آه لولا جرعة الرجاء لما كانت الحياة و لما استمر الإنسان في صناعة الحياة و كتابة تاريخ الأشياء …آه لولا جرعة الرجاء ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

6- انخرس الهاتف

         ذلك الهاتف العجيب الذي كان مزعجا حد الابتذال لم يعد يرن …تلك المكالمات الساخنة التي كانت تأتيك من كل حدب و صوب لم يعد لها أي أثر …أولئك المتملقون و التافهون الذين كانوا يحرصون على تقديم فروض الطاعة و الولاء بمناسبة و بغيرها ، صاموا عن مكالمتك ، جميعهم تركوك وحيدا في " عزلة المائة يوم " ، لم يعودوا بحاجة إلى مهاتفتك و إخبارك بالتافه و المهم أملا في كسب عطفك و رضاك …حتى من كنت تظنهم أحبة قاطعوك و تركوك تائها في بيداء من اللانهائي …

         أ هكذا تكون نهاية المشوار ؟ أ هذا هو المعنى الحقيقي للآخرين ؟ الفائت كله كان زيفا و سرابا أخاذا ؟ فحتى عهد قريب لك يكن بمقدورك تناول الطعام دون أن تزعجك مكالمة هاتفة من ذاك الهناك ، و لكن ها أنت اليوم تستطيع أن تتعرف على ما يرقد في أحشاء الهاتف النقال من برامج و ألعاب ، دون أن تتلقى اتصالا واحدا، لكن لا يهم إنه درس آخر من دروس زمن الرداءة و العفن يفترض فيك أن تلتقطه على وجه الدقة و السرعة معا …

***

         الهاتف يرن مجددا ، بات مزعجا للغاية هذه المرة ، لقد تناهى إلى علمهم أنك عائد إلى عهد البائد لا محالة ، جميعهم يخطبون ودك ، يكذبون و يقولون بأن الزمن هو ما منعهم من الاتصال بك في الأيام الماضية ، غنهم يتضامنون معك تضامنا لامشروطا ،و يعتبرونك نبيهم و مرشدهم  البهي نحو الخلاص ، لم يعد لك الوقت من جديدا للعب بهاتفك ، لن تستطيع تناول الطعام من غير رنينه المزعج ، تغير الرقم الهاتفي ، لكنهم يصلون إليه ، عبثا تحاول التخلص من ظلهم الثقيل ، هاهم مرة أخرى يحاصرون لحظاتك الجديدة و يعلنون الانتماء لصلاتك ، فأنت الخلاص و المنتهى …

***

         مرة أخرى ينخرس الهاتف ، لأنك عدت من حيث أتيت ، لم تعد نبيا و لا خلاصا لأحد ، العزلة تطوقك من جديد ، الطقس البارد يهاجم مساءاتك القادمة ، المعنى الهارب منك دوما يفر منك نحو مغاليق الليل الحالك ، تلعن اللحظة التي قررت فيها الانضمام إلى عالم تكنولوجيا الاتصال ، تهرب من عالم الزيف إلى البحر رفيقك الذي لم يخذلك قط ، تتأمل أمواجه و صخوره ، تهديه هاتفك النقال و تنتهي من الألم الذي يجلبه لك … تتساءل و الزهو يملأ صدرك ، أليس في المقدور التحرر من سلطة الهاتف ؟ ألا يمكن العيش بلا هاتف ؟

***

         تذهب إلى عالمك الافتراضي على شبكة الانترنيت ، فتجد علبة الرسائل ملأى عن آخرها برسائلهم المداهنة ..إنهم يجتاحون صمتك و انهيارك و تألقك و بهاءك …لن يتركوك وحيدا ما دامت صناعة الحياة هي قدرك الوحيد ، فاحذرهم قبل أن ينخرس هاتفك ؟

         ألم ينخرس الهاتف بعد ؟…بعد زوال قليل من النعمة سنخرس حتما …

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7- صناعة الحياة

إلى سعيد الدليمي أخا و صديقا مبدعا

         أيها الفتى المجنون بفن رفيع اسمه المسرح .. أيها الرائع دوما في أعين أحبتك من آل الشعر و الألم .. أيها الحالم أبدا بانعتاق الركح من داء السخف و التهريج ، هذه كلماتي إليك ، غنني لا أجيد إلا الكلام ، و لا أستطيع منحك غير حروف تائهة تبحث عن معنى ، أهديك كلاما / بلسما عله يقودك نحو الألق و الابتهاج ، ألم يقل مارتن كراي في " كتاب  الحياة " بأن الكلمات لها قوة خارقة و أنها الألق و الانهيار ، إعصار مدمر و ماء يحيي …

         عرفتك محبا للشغب المسرحي ، تائها في خرائط الخشبة ، تصنع  اللحظة المسرحية ، تحمل مشعلا ، تهدي نارا و ضوءا و ألما و فرحا عميقا ، تفضح و تنهار و توقظ في أعماقنا الميتة سؤال الإنسان و سؤال الحياة ، تدفعنا نحو الفضول المعرفي و تقول لنا على لسان أبي الفتح في المقامة المراكشية " هذه بلاد مزقتها الطوائف"..

         " أن تعلم و تعرف ليس مهما ، فلا بد أن يصير هذا الذي تعرفه ساريا في دمك " هكذا قال مارتن كراي و هو يسرد تفاصيل رحلته على خط النار و الضياع خلال منتصف القرن الماضي ، و هذا ما يجب أن ترتكن إليه في خطاك القادمة ، فما جدوى المعرفة إن لم تكن سلاحا نهزم به عفن الأيام و عسر المعنى ؟

         و ما الغاية من شغبنا الإبداعي إن لم يذب بنا بعيدا نحو صناعة الحياة و قتل الألم ؟ قدرك أيها ال " سعيد " هو صناعة الحياة و إن لم يكن من أجلك فمن أجل رفيقة الدرب و فاكهة العمر ، فمن أجل الآخر / الأنا يتوجب عليك الاستمرار في رتق الأحلام و كتابة الحياة ، لأنك لا توجد إلا حيث الحياة و الحب و الشغب الجميل ، الفنان الغائر فيك لا يقبل الهزيمة ، يرفض الموت الرخيص ، لا يمكن أن تكون إلا هناك حيث الأمل الباذخ و النفس الطويل …

         لا تبتئس من الزمن الفادح ، فأنت من يعطينا معان أخرى للزمان و المكان ، أنت من يخرجنا من أزمنتنا المتكلسة لتمنحنا أفقا بل آفاقا جديدة للتفكير في اللا مفكر فيه و المسكوت عنه ، أنت من تحرس فينا يقظة السؤال و حضور الإنسان ، فهل تريد أن تستقيل من مهمتك التاريخية ؟ هل تريد أن تتركنا للموت و الخواء ؟

أبدا لن تفعل ذلك ، و لن تخذل أحبتك ، فقاوم أكثر ، اصنع لنا الحياة بالشاعر و المسرحي و التشكيلي فيك ، اهزم المرارة و اليأس المعتق و واصل المسير و لو كانت الطريق نثنة بالأنذال و التافهين ، واصل النضال و لو في زمن شح فيه الفضلاء و العقلاء ، فالأرض ضاقت بمن يجيدون حياكة المؤامرات ، و من يتفننون في صناعة الموت الرخيص ن فضدا في هؤلاء القتلة علينا أن نستمر في صناعة الحياة و علينا ألا نرتكن للصمت ، الأكيد أنهم يمثلون بأجسادنا و يسموننا سوء العذاب ، و لكن أرواحنا بعيدة عن متناول أيديهم القذرة ، أحلامنا أيضا مهما أصدروا في حقها من حكم إعدام تظل تتناسل غير آبهة بحملات منع الحمل و تنظيم الأسرة …

فمن أجل الآخر / الأنا ، و ضدا في قتلة الأحلام عليك أيها ال "سعيد " أن تستمر في صناعة الحياة …فاصنع الحياة ضدا في الموت الرخيص …

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8- معنى العقل

إن فتح أي نقاش معرفي حول موضوعة العقل منته بنا لا محالة إلى إشكالات عديدة يصعب حصرها بدقة متناهية, ذلك أن الحديث عن العقل يفترض طبيعيا تناول اللا عقل كمقابل للعقل ذاته, ويصبح بالتبعية من المتعذر جدا إيجاد تعريف قار وموحد لهذا المفهوم لما يكتنفه من غموض وما يعتوره من لبس كبير, وهذه الطبيعة الإشكالية لهذا الموضوع هي التي تحفزنا وتدفعنا إلى طرح المزيد من التساؤلات "الشقية" عن طبيعة العقل وحقيقته؟ فهل هو جوهر ثابت مغلق؟ أم أنه متغير عرضي؟ وما هي حدود العلاقة القائمة بين العقل واللا عقل؟.. تلك وتساؤلات أخرى أيضا تختمر في الذهن وتحرض على المساءلة والتفكير الجدي في ثنايا هذا الموضوع, لكن أليس حديثا المفترض هذا عن العقل نابعا من العقل وإليه؟ إذن كيف يمكن الحديث عن شيء ننطلق منه وننتهي إليه؟

إذا ما حاولت القيام برصد كرونولوجي لأهم المحطات التاريخية التي عرفها العقل الإنساني لوجدنا تراثا معرفيا كبيرا أولى لهذه القيمة أهمية قصوى, وفي إطار الانشغال الفلسفي برزت العديد من الآراء التي وصلت إلى حد التناقض أحيانا حول العقل, فمن قائل بأنه جوهر العالم ومحرك التاريخ إلى معتبره إياه مجرد مسألة سلبية, … وعلى كل فالعقل أضفى عليه في البدء طابع القدسية والمطلقية التامة لكن مع توالي الأزمات الفكرية والعلمية تغير كل شيء وتعرض مفهوم العقل المنغلق المثالي للهدم والتقويض لينبني على أنقاضه مفهوم آخر لعقل متفتح يؤمن بالنقد والمراجعة والنسبية.

فالعقل الذي نفكر به ونتميز به عن الحيوان – إلى حد ما- يشكل إشكالا فلسفيا يفرز باستمرار لمواقف متناقضة أحيانا تدل على عدم الاتفاق على قيمة العقل باعتباره أداة أو جوهر لكل معرفة من جهة وعلى نسبيته وتواضعه من جهة أخرى الشيء الذي يسمح بالانفتاح على قضايا جديدة وعقلانية مرنة, وإذا كان العقل مع ديكارت يعتبر ملكة تساوي بين الناس وهي مصدر كل المعارف, فإن التجريبيين أزالوا من العقل هذه القدسية واعتبروا الحقيقة دائما بجانب التجربة في حين حاول كانط أن يوفق بين الاثنين في إطار مشروعه الفلسفي القائم على نقد العقل الخالص, أما هيغل فقد اعتبر العقل سلطة تسيطر على العالم وترسم للتاريخ جدولا يسير على نهجه في اتجاه اللامتناهي والمطلق, إلا أن هذه المهام التي تناط بالعقل سواء بصفة عقلية أو لا عقلية يمكن أن تحوله إلى أداة قمعية استبدادية كما أشار إلى ذلك هربرت ماركوز خصوصا في ظل مجتمعات ذات بعد واحد لا تعطي أي اعتبار إلا للإنتاج والبراغماتية (النفعية), ولكن لا يجب أن نفهم خطأ من هذا المار ذكره أن العقل بطبيعته أداة قمعية, بل إن متغيرات كثيرة هي التي تحوله إلى "جهاز" قمعي بامتياز, وباختصار فالعقل يمكن أن يكون أداة للسلطة والقمع ويمكن أيضا أن يستخدم كسلاح معرفي في سبيل الخير وسعادة الإنسان واستعماله في هذا التوجه أو ذاك يرتبط بقوة بخصوصية الوضع القائم الذي ينشأ فيه ويمكن أن نتساءل الآن هل حاولنا الاقتراب من مفهوم العقل؟ أم أن الرؤية ازدادت ضبابية بعد فتح هذا النقاش؟ وبالطبع فإن هذه المقاربة لن تدعي مشروعيتها المعرفية تستفز العقل ذاته! فتتناسل أسئلة أخرى منه وإليه تناقش حدوده وإمكانياته! لأنه يصادفنا دوما مفهوم اللاعقل بغموضه الامر في طرحنا وتحليلنا للعقل الذي لا يختلف عنه كثيرا في قضية الغموض, ومن خلال التقابل الضدي بين العقل واللا عقل يتضح لنا أن الأمر يتعلق بتداخل وتلاقح بين الاثنين يصل في أحايين كثيرة إلى نوع من الموازاة والمطابقة النسبية لكن أن يثير هذا التقابل العقلي واللا عقلي مسألة المصدر والنشأة التي قد تجانب الفطري والطبيعي أو المكتسب والثقافي, وأيضا السلطة المطلقة والوثوقية التي يمكن أن يتمتع بها العقل أو المحدودية والقصور التي قد يتصف بها, وهذا ما يعني أن هناك "بالعقل وبالقوة الارسطية" حدودا فاصلة بين العقل واللا عقل, بين النشاط العاقل والعقلي والنشاط اللا عاقل واللا عقلي, بين فعلين وهذا التقييد الذي يطرح من جديد مسألة استقلالية العقل أو إمكانية تحوله إلى قوة قمعية كما انتهى إلى ذلك هربرت ماركور.

إذن من خلال هذا النقاش – الذي لم يكن عريضا- يتضح بجلاء كبير أن موضوعة العقل تحتاج إلى المزيد من التفكير, وتستلزم بالضرورة حذرا معرفيا كبيرا في الطرح والتحليل لما تزخر به من دلالات قوية ولما تتطلبه من أدوات خاصة للاشتغال الفلسفي تتجاوز الحدوس الطفية بالرغم من انطلاقها في البدء من دائرة تؤمن بالنسبية لا المطلقية.

وبذلك فما لاحظناه من تقارب في الآراء والمواقف حول العقل لا ينبغي أن يفسر إلا باختلاف الاتجاهات والمشارب الفكرية والايديولوجية للباحثين والدارسين, والذي يساهم لا محالة في إغناء الموضوع وتطويره معرفيا لكن في الختام لابد أن نشير إلى أن العقل وبالرغم مـن كل الهزات المفهومية التي تعرض لهـا في مسيرة الفكر العالمـي - الفلسفي منه على وجه الخصوص- سيظل رمزا للإنسان في كامل أبعاده إذ به تتحدد كينونته وفعاليته وفاعليته.    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9- معنى الحقيقة

إن رهان الفكر هو البحث عن المعنى, عن حقيقة الوجود! وفي رحاب هذا البحث المعرفي المفاهيمي الأولي باعتباره ضرورية معرفية لربح هذا الرهان المحتمل, فعن أي حقيقة نبحث أو أي حقيقة نعني؟ مادامت الحقيقة مثار جدل واسع ينفتح على قضايا إشكالية الطابع تتجاوز التعريف إلى حقيقة الحقيقة ذاتها؟! وتأسيا على ما سبق فإننا نصبو من خلال هذا الحديث إلى تفحص هذه "الحقيقة" التي شغلت بال المفكرين والفلاسفة في اتجاهات متعددة, فما هي الحقيقة؟ وما هي دلالاتها وأبعادها؟ وما هي أنواعها؟ وهل توجد بالفعل حقيقة ما؟ أم أن الوهم واللاحقيقي هو الذي يسيج حياتنا؟

في البدء لابد من الإشارة إلى أن كل اجتهاد يهدف إلى إيجاد تعريف موحد حول الحقيقة بعد محاولة ميؤوس منها, لكن هذه "الحقيقة" لن تخرسنا أبدا لأنها تحرض على المزيد من التفكير في جوانب هذا الموضوع ومن خلال أي رحلة تأملية بسيطة في رحاب الحقيقة عبر تاريخها الطويل الذي يمتد إلى أول لحظة تفكيرية في حياة الإنسان – رهان البحث في الحقيقة دائم ومتجدد- سنجد ما لا يعد ولا يحصى من التعريفات قد تنتهي بنا إلى اختيار تعريف ينص على كونها مطابقة الشيء للمعرفة أو مطابقة – المعرفة- للشيء أي الفكر للواقع أو الواقع للفكر ولكن عن أي فكر نتحدث وأي واقع نقصد؟ ومن هنا يصبح المعيار الذي يعتمد في الحكم على الحقيقة هو المطابقة أو الموافقة وهذا المفهوم بدوره سيعرف اختلافا بينا في تفسيره وفهمه, فهيدغر مثلا يرى بأن التطابق له معان كثيرة وينتهي إلى التأكيد على استحالة التطابق التام بين شيئين مختلفين من حيث الطبيعة واقعا وفعلا, وهو أيضا يشير إلى أن مفهوم الحقيقة يقترب كثيرا من الحرية هذه الأخيرة التي تعني "ترك الموجود يوجد" لكن هذا التعريف/الربط بين الحقيقة والحرية لا يزيد الموضوع إلا لبسا وغموضا تامين بالنظر إلى ما يختزنه مفهوم الحرية من دلالات كبرى قد تصل إلى وهم أحيانا لا إلى الحقيقة! وعلى كل فقد حاول هيدغرا أن يقدم مفهوما جديدا للحقيقة يختلف عن السائد والمألوف والعادي بربطه الحقيقة بالحرية التي تعني المبادرة التلقائية للذات في التوجه نحو الموضوع وبذلك فالحقيقة - ***- انكشاف وتحرر, وإذا رجعنا القهقري إلى مهد التفكير الفلسفي- أي الحضارة اليونانية- لوجدنا أفلاطون يعتبر الحقيقة تأملا متصلا للمعقولات في ذاتها باعتبارها ماهيات ثابتة دون الأشباح والظلال التي تمثل الوهم واللاحقيقي والخاطئ إذ تحتل موقعا متميزا عن الحسي كما هو الأمر عند ديكارت الذي يعتبرها يقينا بديهيا ناجما على الشك المنهجي, لكن بالمقابل نجد تصورات تنفي وجود حقيقة حقة وتقر بوجود حقيقة نسبية أو مواقف أخرى تحاول جاهدة التوفيق بين الاتجاهات المطروحة, وهذا الائتلاف لا يقف عند حدود الحقيقة في ذاتها بل ينسحب أيضا على طرق الوصول إليها فأفلاطون يعتبر التأمل العقلي طريقا ملائكيا لارتياد آفاق الحقيقة بعيدا على العالم الحسي وديكارت يعتبر الشك منهجا مثاليا للوصول إليها من أسهل الطرق, وهناك أيضا من يصر على كون الحرية طريقا ناجعا لبلوغها…

وإذا كانت الحقيقة في حد ذاتها سلطة معرفية  أفلا يجعلنا هذا نتساءل عن علاقتها بالسلطة – أي سلطة كانت- وهنا نستنجد بفوكو الذي يعتبرها مجموعة من القواعد والمعايير التي يمكن بموجبها فرز الحقيقي عن اللاحقيقي ليصبح من الصعب جدا الفصل بين الحقيقة والسلطة التي تمتلك أيضا هاته القوة الحكمية مما يعني ارتباطا قويا بين الحقيقة والسلطة. وإذا كانت الحقيقة ترافق السلطة مع فوكو ويتخللها الوهم والكذب وطريقها هو الشك مع ديكارت وتأمل المعقولات مع أفلاطون وإذا كان كانط يقر بأن الحقيقة لها مظهران مادي وصوري ومن الصعب إيجاد معيار يحكمهما فإن الحقيقة عند هيغل تتحدد عبر الحرية, وإذا رجعنا إلى التراث الفلسفي الإسلامي سنجد الفيلسوف إبن رشد يميز بين حقيقتين الأولى دينية والثانية فلسفية حاول جاهدا التوفيق بينهما خصوصا في كتابه القيم "فصل المثال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال".

لكن ألا يطرح الحديث عن الحقيقة ضرورة إثارة موضوع اللاحقيقة/الوهم وعلاقته بالحقيقة؟ فهل هذه الأخيرة تنبع من الوهم أم أن الحقيقة ما هي في "الحقيقة" إلا مجموعة أوهام نوهم أنفسنا "بحقيقيتها"؟

متشه يقدم مجموعة أوهام تحيط بالحقيقة تتصل باللغة التي توهم آخر تحجب الحقيقة, وإذا كانت الحقيقة مجموعة من الأوهام ألا يمكن اعتبار هذه الأخيرة تحتاج إلى مجموعة من الآليات قد تكون الإيديولوجية إحداها.

والآن… وبعد أن أخذنا الحديث إلى هذه المناطق "الملغومة" التي تبرز أن الحقيقة شيء آخر غير الحقيقة التي عدناها في تفكيرنا العادي فإننا نجد أنفسنا مدعوين إلى الاعتراف بأن الحقيقة كموضوعة مركزية في إطار الانشغال الفلسفي تشكل قضية غير عادية تستوجب النظر العميق بهدف فحصها وتبيان "الحقيقة" الكامنة في عمقها, خصوصا في عصرنا هذا الذي اختلطت فيه المفاهيم وصار فيه من الصعب الحديث عن حقيقة حقة.   

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين