مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

مدن ملونة … سفر في المكان

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 29 أكتوبر 2006 الساعة: 18:55 م

 

مدن ملونة

سفر في المكان

 

 

 

  

 

 

 

1. سؤال المدينة

سأصدقكم القول…فلحد الآن لا أعرف بالضبط ما الذي سأحدثكم عنه في هذه السلسلة الرمضانية… إنها سقطت علي من أعلى, ولا غرابة في الأمر, إنه زمن السقوط بالمظلات. الأفكار تتساقط… والأوراق تتساقط. والإنسان فينا "يسقط" نحو القعر العميق!

ولا أعرف كيف أبدأ كلامي… كل هذا الصمت من حولي, كل هذا الشتات من ذكريات فقدت بهاءها وحياءها.. مدن شتى تتراقص أمامي في أزيائها وأطمارها, تبدو متشابهة.. فالبؤس قاسمها المشترك!

مدن زرتها فعلا وأخرى يخيل إلي أنني اقتربت منها… أفتض بكارتها… ألوح بعذريتها في السماء عاليا.. وأصيح فرحا "أوريكا.. أوريكا…" إنها مدن اتشحت بألوان شتى وطوقت بأحزمة فقر ذي ثقافة خاصة! إن هي إلا مساحات من البوح… إن هي إلا تمارين شقية ورياضة تعذيبية, على حد قول تلك العائدة من سجن الخيام, لذاكرة منفلتة.. محاولة لرسم ملامح مدن مهترئة.. "مدن ملح" مغربية وأجنبية تبكي حظها التعس تعيش آخر لحظاتها..

سؤال المدينة أو سؤال الرحلة.. وكافة أسئلة القلق الوجودي في الزمان والمكان.. كلها تندغم في وعاء واحد. لتندلق من قمع (بكسر القاف وليس بفتحها) على بياض مستفز للغاية.

فيا أنا الجديد الذي ملني وتعب مني.. إلى متى سنستمر معا في مقارعة أهوال هذا الزمن البائس.. بحثا عن ممكنات أفضل تعفينا من انتظار المأمول… فلا قارئات الكف ولا عرافات القرن تردن إخبارنا بذلك المتوقع.. إنهن يلذن بالصمت كما هي العادة!

لهذا قررت الهجرة نحو أعماق الذاكرة بحثا عني.. فما وجدت إلا أطلالا انغرست عميقا في تلابيبها.. إنها نوستالجيا جديدة تغمر الانكبات/الاحتراق وتقود إلى فعل "الاستذكار".. لبناء وصوغ أشياء تهدمت وتهدلت… ولكن أنى لي وبلوغ المراد في زمن الكاتويوشا والتوماهاوك وما لا يعرفه إلا هد ال "بيل كلينتون" وزبانيته في دنيا الانبطاح!

إنها لحظات إنصات لذات منشرخة تتوقد إلى فضاءات أوسع من الحرية وإلى مدن بهية الطلع تنطرح أسئلة وجودها وغيابها أمامنا بحق وبغير حق!

فالبؤس قاسمنا المشترك, والملح طعام يومنا المهموم, وستظل مدننا مالحة بنسبة تهتاج في مقل أبنائها دموع مالحة, وتحترق أرجلهم المشقوقة بشرابها الأجاج.. ستظل كذلك ما لم يصخ الذين هم فوق السمع لنبض المعاناة في القاع المجتمعي, لنبض الهامش المقصي! وما لم يحدث ذلك فهي مدن ملح بامتياز وحتى إشعار آخر!

إن كان هذا هو مآل مدننا المحترقة, فكيف سيكون مستقبل قرانا الغارقة قويا في قيعان الفقر.. قرانا التي لم تر النور الكهربائي بعد, ومازال الحصار مضروبا عليها من كل جانب! أكيد أنها على موعد مع نهاية مأساوية لم يسمع عنها أي كان!

سؤال المدينة سيظل قائما, ومداعبا للتفكير والمخيال, يلازمنا طيلة هذا الشهر, للتسكع في دروب مدن لم تحك عنها شهرزاد وإنما سمع عنها شهريار, تنزف دموعا وتهتز فرحا.. تبكي وتنتحب وتصرخ بصوت عال وتضحك أيضا وترتسم على محياها علاقات فرح لا معنى له.

أبوابها-أحشاؤها- هوامشها قبلة لنا.. وأشياء أخرى تعتمل في ذاكرتها أهفو قصدا إلى "اغتيالها" مع سبق إسرار وترصد! ولينفجر الرافضون غضبا وحقدا وغيظا…

سؤال المدينة لا ينفتح لينغلق… أبدا لن ينخرس لسان حال هذا السؤال… سيبقى مفتوحا ومشاغبا للمقاربة والاكتشاف والانكشاف أيضا بالمعنى الصوفي تحديدا.

ولكن ها عسر البداية يجتاحنا ويمنعنا من البوح- فرجاء ساعدونا على الاقتحام.. فيا شجاعتي أين أنت؟ لا تخذليني هذه المرة أمام الصحاب والأعداء!

فإلى الأمام سر… واحد.. إثنان… وإلى أقصى حدود الصراحة… وأبعد تخوم الهامش الفجائعية في مدن الاحتراق البهي!

لكن مرة أخرى من أي الطرق يمكن أن نصل إلى تبديد سحابة هذا السؤال؟ لندع كل الاحتمالات الممكنة جانبا ولنعترف بكل هدوء أننا مدعوون جميعا إلى التمرن على تعذيب الذاكرة لبلوغ المقصد والانتهاء من تفاهات العالم!!

2. تخشاها الكلاب

سئل أحد نوابها الراحلين عما تحتاجه هذه المدينة العرجاء! فقال بكل وقاحة "نحن في حاجة ملحة لسجن ومقبرة فقط" … هذا كل ما تريده "بن جرير"! سجن يؤم منحرفيها ومجرميها ويحميهم من قر الشتاء وقيظ الصيف, ومقبرة تستقبل الموتى الناقمين على ما يجري في أحشائها الغارقة في بؤس أيامها!! هكذا قال للذين هم فوقه لما "شرفوها" بزيارة مناسباتية؟! إليها كان السفر الأول, ومنها انكتب السفر الأول, لرحلة غرائبية تخترق صمت جبل "وزرن" الرابض فوق هضبة المدينة, ودواوير "الحنيثات" و"الحجرة البيضا" و"السبيتات" .. وكان البدء مطلع الثمانينات, والشارع المغربي يجيش بأحداث مؤلمة نقشت عميقا في أغوارنا المظلمة.. وعلمتنا أن الحياة سمفونية عجيبة لا يجيد عزفها إلا الموتى والراحلون تباعا في سبيل أوطان لن تولد بعد!

"ابن جرير" كانت – حينها ومازالت- خارج التاريخ غائصة في يومها المكرور, تنتحب وقد طوقها الفقر وغطاها بعباءته الثقيلة.. جثم على صدرها وخنقها هذا "الجفاف" اللعين وحولها إلى "ابن جرير الحجر والعجاج يطير", فاستحالت إلى أراضي جرداء لم تستفد قط مما رقد في أحشائها لملايين السنين من فوسفاط ثمين!!

هذا هو قدرها أن تظل بائسة "مالحة" كغيرها من "مدن الملح" تذرف الدموع, فتنسكب على "فوسفاطها" المسروق منها! فيتعجن مع لحم أبنائها "الرحامنة" لتتشكل منه تماثيل العذاب…

ألبؤسها هذا علاقة ما بجرير الشماخ؟ أم بسمه الزعاف الذي قتل به إدريس الأكبر..؟ أهي لعنة الماضي السحيق؟ أم تخريجات الراهن الباهت هي التي قذفت بها إلى هذا الممكن الغريب؟!

إنها المدينة/الشبح.. مدينة "بلا وجه".. يخترقها شارع يتيم ما كان له أن يكون لولا إكراهات الطريق الرئيسية.. شارع يتيم تتعرى فيه المدينة وتكشف فيه عورتها.. حيث تصطف المقاهي فيه جنبا إلى جنب وفي اتحاد غريب.. وتلوح في ضفتيه كافة مظاهر الخلل المجتمعي.. أطفال مشردون- شباب معطلون - متسولون ومسنون يحتضرون.. وبائعات هوى من الدرجة الأخيرة!.. الجميع في كرنفال ماسخ يتأهب دوما للانقضاض على أية حافلة تبغي "الاستراحة" بعالم "ابن جرير"! فعلى طول الشارع إياه تمتد الحوانيت المصفوفة التي قدت من خارطة الضياع.. تلقي "الحاجة" عليها بظلالها القاتمة, تمطرها بوابلها المعلوم.. وأناسها من حولها يتهامسون خشية إملاق أو تعذيب! ينظرون بعيدا صوب "المطحنة" الأسطورية ويتساءلون بمن أين له هذا؟- يستبد بهم الخوف فيديرون ظهورهم نحو "الثلاثاء" /السوق الأسبوعي.. كفضاء يمارسون فيه شغبهم "بحرية محروسة"!

هو ذا سوق الثلاثاء الشهير يفتح للجميع أبوابه المتهدلة, يرحب بكل الطبقات الاجتماعية للتبضع والتجول والنشل.. وضرب المواعيد! وهي ذي دواب زبنائه تنهق وتصهل احتجاجا على الجاري.. الكل يصيح.. بأعلى صوت ضدا على هذا الكائن المستحيل.. الكل يصيح باعة اللحم المغشوش, و"الكرابة الكثر", و "العطارة" و "الشناقة".. وسيدهم "الصناك" الذي يحصد من جيوبهم جميعا إتاوة جديدة اختاروا لها تسميات حضارية!.. وبين لحظة وأخرى ينخرسون جميعا وعندما يرفع "البراح" عقيرته بالصراخ, أمرا أو نهيا..

جميعها الأصوات تتمازج في هذا الفضاء العجيب وتؤشر لموسيقى لا قبل لكم بها, يختلط فيها الإبداع الحيواني مع الإنساني.. الجميع إذن يحضر هذا الحفل وينفعل معه إلا صاحبنا "الكلب الوفي", فالكلاب تخشى هذه المدينة, ولها علاقة غير مريحة مع بعض رجالاتها, إنها مقبلة على الانقراض من جنباتها.. لقد عانت قبيلة الكلاب ولزمن طويل-ولا ندري هل انتهت هذه المعاناة أم لا .. من القتل الوحشي الذي استهدفها من طرف بعض الطماعين محتضري الضمير الذين كانوا يذبحون الكلاب ويبيعون لحمها مفرومـا - مع لحم البقر- للمسافرين العابرين, والذين لا يكتشفون المقلب إلا بعد فوات الأوان!

ولهذا السبب بالذات أعطى أمير الكلاب الأمر بالرحيل لبطانته وأبناء عمومته عن هذه المدينة الظالم أهلها.. فحياة الكلاب ليست رخيصة بهذا الشكل.. إنها بن جرير.. مدينة تخشاها الكلاب مثلما يخشى أبناؤها الاقتراب من "المطحنة" إياها!

قريبا من الانتهاء/من الخروج من أو على هذه المدينة الباهتة في اتجاه مراكش تقابلنا دار/قصر القايد العيادي!!!.

أتمنى أن تكفيكم هذه النهاية المحتملة لإعفائي من أي تعليق, ومن الاسترسال في نبش مدينة أصابتها لعنة جرير الشماخ.. وكرهتها الكلاب.. وسرقها الفوسفاط… وفعل فيها العيادي والنائب المتوفى صاحب المقبرة والسجن.. وغيرهم ما استطاعوا فعله في جنح الظلام وفي واضحة النهار أيضا.. فلله ذرك يا بن جرير!!  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3. شروط الخزيرات

ها "البوغاز" يقترب من صخرة طارق.. لقد أشرفت الرحلة على نهايتها ولم يعد يفصلنا عن هاته الجزيرة الخضراء إلا دقائق معدودة, ها الضفة الأخرى التي يحلم بها المعطلون والمهمومون والحوامل والأطفال.. والشيوخ.. ها هي ذي تتراقص أمامي بأضوائها اللامعة في ليل كرنفالي.. كل شيء مختلف عن "الهنا".. البون شاسع جدا بين الضفتين!!

من حسن حظي أني جئت إلى ال"الجازيراس" في عز الصيف وبالضبط في موسم العبور, لأنني سأكون معفيا من الإدلاء بأوراقي في كل لحظة لرجال حالهم, ما دامت ملامحي جنوبية بامتياز! ومن حسن حظي أيضا أن "جواز تنقلي" مازلت فيه "طالبا", فهذه المهنة وإن كانت تقود إلى العطالة والقلق في بلادنا, فإنها تجلب شيئا من الاحترام والتقدير هناك!! لكن هل سيظل هذا الحظ باسما فاه على الدوام في وجهي أم سيعبس كما العادة؟!

غادرت البوغاز/الباخرة.. وبرحت الميناء الذي لا يشبه "زميله" الطنجاوي.. لألتحق بشوارع الخزيرات, تفاجئني "شروطها", وأتوه في خطوط طولها وعرضها إلى أن يدركني الصبح!

آه كم هو جميل ليل هذه المدينة, إنه مختلف في كل شيء عن ليل مدن الجنوب.. فلا القطط الحبلى تزعج المرء بموائها - ولا الكلاب الضالة تعترض طريق العابرين بنباحها.. لا شيء يكسر صمت المدينة غير الفرح والاحتفاء القادم من "أقبية" الحانات والعلب الليلية, لكن هذا الانتشاء والابتهاج الباذخ يظل حكرا على "أولاد البلاد" أما نحن النازحون من أسفل, فلا حق لنا في ذلك لقد عقدنا "خط الزناتي" مع الخوف!.

فكلما ارتفعت من حولي منبهات البوليس, إلا وتحسست أوراقي مخافة أن تضيع مني, وأصير في نظرهم "حراكا" يستحق الطرد بعد سوء المعاملة التي يليها أيضا سوء الاستقبال في الوطن الأم كانت هذه الفوبيا تفسد علي نشوة التسكع في بلاد هذا "الآخر" الذي صار يذيقنا كل ألوان العنصرية والتمييز, ومع ذلك نصر على "عيادته" كلما سمحت الظروف‍‍ ! الآن فقط أدركت أسباب تعلقنا بهذه الضفة.. التي نضحي بأرواحنا في الماء المالح من أجل عيونها الشقراء.. فالمدينة مسالمة, إنها تحيا حياتها بعيدا عن زيف أيامنا.. وبعيدا جدا عن ملحنا وتفاهاتنا المتعفنة! "أولاد البلاد" فرحون وثملون من فرط سعادتهم بوطنهم الدافئ.. إنهم يحيون حياتهم أضعافا مضاعفة.. إنهم يتقاضون رواتب على عطالتهم!

لكم نرشف البلادة حينما نردد ذلك المثل البائس "اللهم قطران بلادي ولا عسل البلدان".. فسحقا لهذا القطران وتبا له من شراب مر مذاقه, يقلص المسافة بيننا وبين موعد انقراضنا.. لكم نكون أغبياء جدا عندما نتشبث بمبادئ صارت مطية لبلوغ المصالح- وقيم ليس منها إلا… كم هو جميل هذا الضياع في دروب "الخزيرات", إنه يبعد عني أرق وقلق أزقتنا الشقية, وينسيني اختناقات البالوعات وشروخ الإسفلت المغشوش! لكن كم هي مخيفة وقاسية "شروطها" الراهنة وليست الفائتة/التاريخية!

فعلى "الجنوبي" مثلي كي يجد لنفسه مكانا في هذه المدينة أن يتجرد من جنوبيته/عروبيته, أن يئدها بصبغ الشعر وتركيب العدسات وتبييض البشرة وتغيير اللكنة.. يعني مطلوب مني أن أخرج من جلدي للاندماج في مواكب الاحتفاء الأخضر!

وبالطبع فليس في مقدوري "احترام" هذه الشروط، ولهذا قفلت عائدا - بعد انتهاء المهمة - إلى الضفة التي (…) لارتشاف القطران وتذوق ملح المدن إلى أن ينقضي الأمر الذي كان مفعولا!

 

 

 

 

 

 

 

 

4. كقطعة خزف تصنعه

جنبات الطريق المؤدية إليها تبدو عارية من أي شيء يدل على رحيل الجفاف! صخور صلداء موزعة على الحقول الثكلى! وأطفال بائسون مثلنا يلوحون بأيديهم المتسخة في اتجاه حافلتنا الغريبة!

فكم هو عجيب أمر هذا السائق.. إنه لا يأبه برجال الحال أصحاب الزي الرسمي المرابطين بمداخل ومخارج المدن.. إنه لا يقف حتى لتحيتهم, و"كريسونه" أيضا لا يتودد إليهم بابتساماته المعهودة! إنه مشغول بحساب "الفلوس" والصراخ في كل محطة "باقا بلاصة.. باقا بلاصة".

فما الذي حدث؟ هل تم القضاء على الرشوة؟ وبالتالي امحت جميع آثارها من طرقنا الرئيسية والثانوية؟ وضياعا في زحام البحث عن إجابات شافية لهذا الجاري حولي, بقيت أرقب من نافذة "الإغاثة" الحقول المفجوعة وهي تفر هاربة إلى الوراء, إلىأن قال "الكريسون" بصوته الجهوري.. "المحكمة.. المحكمة…" معلنا وصولنا بسلام إلى مدينة الخزف والفخار! يا لعبث الأقدار.. أول ما يواجهني في هذه المدينة هو محكمة الاستئناف وأنا الهارب من الرباط من حكم إبتدائي! العدالة إذن في استقبال زوار مدينة آسفي.. العدالة المبحوث عنها منذ غابر الأزمان هي أول ما يسمعه ويراه القادمون إليها. أما الحكمة من ذلك فلا يعلمها إلا من قادته الظروف إلى تلك الأحياء المغموسة في خل الفقر..كاوكي.. وسيدي عبد الكريم.. والسوق الخانز ودروب المدينة القديمة وغيرها من أحياء الهامش.. كلها تحكي عن "عدالة الدخلة" وظلم الأيام!

آسفي كقطعة خزف أو فخار تصنعه! مرشحة دوما للكسر رغم كل الجمال الكائن فيها.. مرشحة للموت رغم نضارتها التائهة.. إنها مدينة تبكي حظها التعس الذي أوصلها إلى ما هي فيه اللحظة من إجرام وتسول ودعارة واختناق.. فالبحر امتنع عن جزل العطاء, وشهيته فتحت عن آخرها فقط لالتهام "أولاد البلاد".. والسفك بدمائهم عن طريقة "الفودكا" المسمومة المستوردة من دنيا الدب الروسي المأزوم… مدينة غارقة في حزنها.. هي آسفي تعزف من حين لآخر موسيقاها الباذخة لكل الباحثين في أغوارها عن لا شيء..من تل الخزف ومداخنه السوداء إلى الميناء المهموم فبرج البحر المهجور, في جميع هذه الأماكن التي ينبعث منها عبق تاريخي فواح لا حديث إلا عن الإنقاد والانكسار الهادر..ومن أعلى أسوار المدينة القديمة يتلألأ ضياء السفن المهاجرة, وهي تحمل ذكرى مدينة تحيا بالكاد على رصيف زمن لم يعترف بها!

في "الكاوكي"- أخطر أحياء آسفي- تبدو الحياة أكثر وحشة وفقرا.. الضياع يغلف المكان من جميع الجهات, الحاجة تنخر الأجساد المعتوهة وتسافر بها نحو مدارج الموت البعيدة. وفي "البلاطو" – مركز المدينة - تتبادل فتيات شقراوات تحاياهن, وتضربن المواعيد مع شباب يمتطي صهوة "الحديد" المستورد! وبشارع الزرقطوني – الشهيد - تصطف أخريات باهتات فاقدات للأنوثة تعرضن خدماتهن بأبخس الأثمان!!

هكذا هي آسفي تحتضن الشيء وتفيضه في نفس الفضاء وكأنها تود من خلال ذلك فضح ما يقع لها! فبسمة اليأس لا تفارق محياها! إنها مدينة تعبر عن أسف التاريخ الذي أهملها.. ولذلك سميت "آسفي".. هذا ما أخبرني به أحد أبنائها الكرام, والذي التقيته صدفة عند الجرف المهجور, راميا صنارته في عمق "المحيط" علها تصطاد سمكة طائشة يطفئ بها نار الجوع!!

"لقد طردت المواد الكيماوية السمك من ساحل آسفي" أرسلته إلى الجحيم وجعلت أهل المدينة يلعنون البحر وما أقيم على شطه من مركبات صناعية تخنقهم وتمنع عنهم الهواء النقي!

أسفي (من الأسف) إذن على الماضي الغادر… والراهن المنسي.. وتاريخ الغد المجهول.. وأسفي أيضا على مدينة كقطعة خزف تصنعه بالطين والنار, لأنها وبكل صراحة معرضة للانكسار والتفتت!

 

 

 

5. هرب عنها القطار

حمرة جدرانها القانية.. هل الهدف منها هو تلافي أضرار الانعكاس المباشر لأشعة الشمس؟ أم له ارتباط بتاريخها العميق؟ حقا لا أدري.. ولا أرغب أيضا في الفهم والتفسير.. لأن الحمرة تزعجني.. تبعد عني الهدوء المفتقد وتغرقني في دموية التفكير.. فالدماء تنبجس من حولنا في جميع أرجاء هذا العالم المصاب بالجنون, ومصاصوها يملأون الديار.. يترصدون خطواتنا المثقلة بأعباء الزمن.. لامتصاص ما تبقى لنا من كريات ملونة!

العالم ينحت لنفسه طريقا جديدا.. إنه طريق الدم المغدور.. أكيد أنه سيغرق في حمرته قريبا.. وحينئذ ستضيع هذه ال"مراكش"! فقط لأنها اختارت نفس اللون الدموي!!

لكن هذه النهايات المأساوية لا تقف عند حدود اللون الذي "يغلف" حيطانها التي كادت تسقط من كثرة اتكاء المعطلين عليها! إن هذه النهايات المفترضة تعترض رحلتنا عند ساحتها الشهيرة "ساحة جامع الفنا".. فلماذا الفناء والانتهاء بالضبط؟ هل هي الصدفة العابثة ذاتها, أم أسرار التاريخ الغامضة؟

حقا هجرتنا الإجابات وتركتنا نعتنق "اللاإدرية" مذهبا جديدا يبدد عنا الغموض ويعفينا من عذابات الربط والتحليل. فالساحة التي يعرفها "الآخر" أكثر منا تؤم في فضائها الرحب كل شيء..

مأكولات شعبية وأخرى عصرية كما تقول اللوحات الإشهارية! حيوانات أليفة وأخرى تنفث السم الزعاق, وأناس يجيدون التسول بالفن والرياضة والترفيه..ومعاقون اجتماعيا يفضحون التفاوتات الطبقية.. يتفرج عليهم "سياح" مفتونون بسحر "مراكش"! آه كم هي فاتنة هذه المدينة.. من ساحتها الفانية/الحية إلى قصر البديع.. إلى الكتبية الشامخة.. إلى المنارة وأشجار زيتونها الوارفة.. إلى جميع أرجائها الملونة لا يمكن أن تصادف إلا "البهجة" مستعمرة لقسمات الوجوه!

فالمراكشي وصلت "فيه" إلى العظم المنخور! ومع ذلك يحرص على مواصلة الابتهاج! وكأنه يريد أن يقول لهذا الزمن الماكر.. "إنك لن تغلبني مهما فعلت وأبدعت من طرق لإذلالي!".

إن البهجة/الإنسان من طينة خاصة, يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف - ليس بالمعنى القدحي- ولهذا تراه بارعا في تحضير الطنجية التي تتسابق نحوها الأيادي بغير استئذان!, فهو يجيد مبارزة الزمن والانتصار عليه.. تعلم من شموخ الكتبية أن يكون شامخا أو لا يكون.. واستفاد من رحابة صدر الساحة أن يوسع "قشابيته" ويدمن النكتة كخيار استراتيجي!

كانت تبدو مراكش صباح ذلك اليوم الذي لفظني القطار في محطتها, كعانس هرب عنها القطار إياه! حاولت أن تتجمل وتتزين بأبهى اللباس, ولكن تجاعيد الأيام الباردة بدت بارزة بقوة.. شروخ المرحلة لم "تندمل" واللون الأحمر المختار لها لا يزداد إلا دموية وقتامة, وكأنه يؤشر لمستقبل غريب قد تقع فيه! إذا لم يتم تدارك الموقف..

مراكش.. سئمت "سكونيتها" المبتذلة.. كرهت نفسها.. إجتاحتها نوستالجيا ذلك الزمن البعيد الذي يحمل سر تسميتها "مر…كش" أي مر بسرعة وإلا داهمك قطاع الطرق!.. ولهذا استحالت إلى فضاء للعنف والنشل "بالعلالي" والقتل أيضا. إنه مشكل النهايات المؤلمة/قدر هذه المدينة.. فالسفر الأول إليها كان لأجل حضور مراسيم دفن فقيد عزيز.. والتجوال في دنياها محكوم دائما بمصادفة الموت, قبور السعديين, جامع الفنا.. والشاب الذي قتله زملاء له ذلك الصباح البارد قرب السكة الحديدية.. و"البغل" الذي فارق الحياة بشارع فرنسا وهو يجر عربة تعالت من فوقها قهقهات السياح!

إنها مراكش الحمراء/ العانس.. الهارب عنها قطار الزمن البديع فلها مني ألف سلام.. ولجدرانها عظيم التحايا.. فهي على الأقل تسمح لمعطلي المدينة بالاتكاء والاعتلال بمرضها "الحيطيزم" كما يقول ذلك الصديق العزيز.‍  

 

 

 

 

6. زهو الانشراخ

كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا, عندما قذفتني الشاحنة المتهالكة على "رصيف" فاس-عاصمة العلم كما يقولون- بدأت أرقب الحركة الدائبة لآل المدينة وهم يحاولون اجتياز قنطرة تقود إلى البطحاء أقيمت على "نهر مختلف" .. على "واد حار" يخترق المدينة بشكل مكشوف!

مسحت العرق المتصبب من جبيني, حقا لقد ألهب رأسي سياط الشمس طوال الرحلة, وأنا قابع في مؤخرة الشاحنة, التي استجاب صاحبها لندائي "الأوطوسطوبي"‍!. إقتربت من "الواد الحار" المكشوف وتذكرت للتو ما قاله صديق عزيز "إنه زمن الشفافية", هكذا هي فاس إذن شفافة وواضحة – والله أعلم- تكشف منذ البدء لزائرها أوراقها.. إنها لا تعرف التورية ولا تجيد طقوس الإخفاء.. ولهذا تدمن التعرية والعراء!

ألأنها أضاعت "طاقية الإخفاء" الأسطورية عندما صارت عاصمة علمية, وبذلك قطعت مع التفكير الخرافي, والتزمت الحياد المعرفي؟

تجاوزت "الواد الخانز" مشفقا على حال الذين يواجهون "عبقه" في كل حين وانطلقت نحو دروب فاس الجميلة..‍‍ كانت البغال والحمير تقاسمنا المسير, وتنافسنا في التسكع, وقد أثقل كاهلها بصنوف شتى من البضائع والحوائج… وحدها هذه الدواب تجوب دروب فاس التي لم يصلها بعد تلوث السيارات و"الحديد الكبير"! وحدها تواصل النهيق رافضة – رفضا قاطعا- التنازل عن دورها المواصلاتي في مدينة لم تدرج خطأ أو جبرا للخاطر في التراث العالمي.

إنها فاس الفاتنة بأبوابها وأسوارها التي نشتم منها عبقا تاريخيا يرحل بنا نحو أرخبيلات الماضي السحيق, ليذكرنا بالبداية والامتداد لمغرب يناضل دوما من أجل وجود فاعل يتمأسس على الانفتاح والاستمرار. فمن القرويين/البداية الأولى للتعليم الجامعي المنظم إلى دروب الصفارين والعطارين ومدارس بني مرين وإلى دوائر الدباغة لا يمكن أن نصادف إلا "لعبة" أخاذة لبدايات محتملة, تدل على انطلاق نحو نهايات لا تنتهي!

فاس وبالرغم من شفافيتها المعلنة! تكتنز الأسرار العميقة الغور تخفي في ثنايا دروبها ما لم تدونه كتب التاريخ الصفراء… تستظهر أمام زائرها ما أكلته "الارضة" مع سبق الإصرار والترصد! وكأنها تريد أن تقول لمغتصبيها الكثيرين من خلال تآكل طينها وتساقط دورها… أنها تصرخ في وجه الظالمين بواسطة الانشراخ البهي والانهيار "الفضيل"!!

بعيدا عن نهيق حميرها ونعيق غربائها… وعبق وادها ومآثرها يلوح البؤس بارزا على جبين الهامش المنسي, يذكر صانعيه بما فعلوه و"اقترفوه في زمن الشفافية! وقريبا من أنين الفراغ وزفرات التيه في "الدكارات" والدور المهددة بالانهيار تفقأ أعيننا حقائق أخرى يغيب في "حضرتها" أي عبق أو مجد تاريخي محتمل.

ولهذا استفاقت فاس المسكينة ذات صباح تسعيني على المدرعات والسيارات المصفحة, وهي تستعمر الزوايا لتحظر التجول مثلما اهتزت ذات موسم طلابي كئيب على أحداث عنف مؤلمة أغرقت "الحرم" في حرب دموية لا مبررلها!

إن لها من الحكايات البئيسة مع لعبة البدايات ما لا يمكن أن يستوعبه عقلي الشارد, قبالة بيت صاحب المقدمة ابن خلدون, وقد أصابته لعنة الإهمال ولوثة النسيان…

حكايا تمتد بعيدا نحو الأقاصي المستحيلة لتوقيع وريقات الخريف في زهو الانشراخ, ضدا على عدوانية الطقس, وظلم المسؤولين! لقد ارتبطت فاس في الذهن قبلا بمسقط رأس العائلات البورجوازية… ولهذا كان الحق البروليتاري يمنعني دوما من التضامن معها… والرحيل إليها… لكن لما تحقق السفر إليها بدت مختلفة تماما عما رقد في أعماق الذاكرة طويلا- فأتى لها والبورجوازية المحسودة عليها؟

إنها جنة الضياع التاريخي.. إنها التراث الإنساني المنسي.. في زهو الانشراخ والانهيار الفجائعي..

فليسقط صمتك مع شفافيتك يا فاسنا/فأسنا المكسور!! 

 

 

   

7. عروس تصبغ الأموال

أول ما أثار انتباهي في طنجيس هو سور "المعكازين" أو سور الكسالى بلغة المدارس، ليس لأنه يحمل شذرات التاريخ المنسي, بل لأنه يطل مرفأ الرحيل والعودة الطارئة.. ينفتح على الضفة الأخرى التي يغلفها الضباب ويمنع من رؤيتها بوضوح أكبر..فلا مدافعه الباردة ولا ما يروج فيه من صخب بشري وحيواني أو أية أمور أخرى بقادرة على انتشالي من هذا الاستغراق التأملي!

الشارع الرئيسي – وكعادته - مختنق بالأجساد الراغبة في الاصطياد أو الانصياد! كل تائه في دنياه يبحث عن فريسته, يناور ويناوش من أجل الظفر بصيد ثمين, كل هائم إذن في بحث لا طائل منه عن طريدة المساء اللذيذ, إما راجلا أو راكبا في أحدث صرعات السيارات المستوردة..

وقريبا من ساحة خطاب طنجة التاريخي تواصل "القوات المساعدة" استعراضها لعضلاتها بعصي الجبوج أمام شباب احتضن الألم, فقرر أن يمارس البيع المتجول/المتنقل ضدا على زمن الهاتف النقال الذي أثبتت دراسات سرية أن العاهرات يستعملنه أكثر من رجال الأعمال….

قريبا من هذه الساحة التاريخية كان المعطل المجاز يعرض بضاعته و"يبرح" بمزاياها ورخص ثمنها.. إلى أن جاءه رجال غلاظ شداد أشبعوه ضربا بعصي غير رسمية – والله أعلم - حدث ذلك ذات مساء موحش مضيع لعذوبته.. مساء سرقوا منه جماله وجعلوا منه ظلاما دامسا "تفعل" فيه الخفافيش الملعونة ما يحلو لها.. !!

طنجة.. أو الطين جاء كما تقول الحكاية تصبح وتمسي على أنباء الموت..فالدمع لا يفارقها والأنين صلاتها.. فها أطفالها يركبون الخطر, ويهاجرون نحو "الهناك" احتراقا! وها شبابها يقترف الفعل ذاته.. ويستقر جثتا هامدة على صخور "قادس" و"الميريا" أو في أعماق المتوسط.. أو بين يدي خفر السواحل الاسبان..

فكيف لا تبكي "الدم" وعازباتها الأمهات يتكاثرن في كل لحظة.. وشيوخها سائرون في طريق الانقراض فلا السور يحتضن "العكر" ولا ساحات المدينة تسمح بالكذب على النفس "بالضامة" و"الكارطة".. إنها عروس مغتصبة تعتنق الحزن وإلى الأبد‍!

قدمت إليها طالبا للعمل, فكانت "البالة والبغلي" لي بالمرصاد! لم يكن أمامي إلا القبول والاحتراق غير بعيد عن مراكب "الحريك".. بحثا عن فرصة ذهبية أو…أتحرر على إثرها من قطران الوطن, إنشرخ الكفان ولم تستطع الحناء تلحيم جروحهما.. واستمرت طاحونة الأيام المخادعة في دورانها وسحقها لأحلامنا التي أصابها "بوصفير" كما كان يقول الصديق الشمالي لما كنا نتحد على صحن لوبيا أو عدس بمقهى الطنجاوي بالرباط!

كانت "مالاباطا" ملاذا لنا من غلاء "المدينة" وأحيائها الراقية.. فحياتنا لا يمكن أن تستقيم إلا في الهامش لأنه كان الأمل وسيظل كذلك وإلى أن تتساوى الرؤوس!! والساكن بمالاباطا وبني مكادة وماشابههما وجاورهما لابد وأن يضرب لنفسه موعدا يوميا مع حديث "الشفرة" و"الدين تيماك" و"الكريساج"- العدوان وليس التشحيم -, فهذه المناطق انفلتت من عقالها, وبدأت تبحث لنفسها عن حقها المسلوب منها, ولكنها أخطأت الطريق كما أخطأوا هم أيضا حسن التعامل معها!

إنتهينا من بناء العمارة الأولى.. والثانية والثالثة.. ومع ذلك لم يطل دفء البشر أي واحدة منها.. وكأنها بنيت لغايات أخرى غير السكنى والعمل, عمارات شاهقة امتزج إسمنتها بعرقنا المالح تعالت ما شاء لها الجيب أن تتعالى, ومع ذلك لم يسكنها أحد.. فهل أصاب المشروع البوار؟ أغلب الظن لا.. لأن صاحب البطن المنتفخة والسيجار الذي لم يشعل بعد, كان يفاجئنا بعد انتهائه من التبجح بتجربته في الحياة, واستهانته بشهاداتنا/شواهدنا (الخطأ مقصود هنا), بانتقال الأعمال إلى مكان آخر لبناء عمارة جديدة! فلو كان الفشل يلاحق المشروع لما أصر على الزحف الإسمنتي!

طنجة العالية بعماراتها الملونة وبفجائعها المكرورة, أو العروس التي افتضت بكارتها في موكب جنائزي مهيب.. كانت باردة ذلك الصباح وكأن الثلج يتردد في السقوط عليها.. لم نقو حينها على حمل "البالة" فاجتمعنا خفية حول "أتاي الشانطي" الساخن.. وكانت المفاجأة التي نطق بها الساعد الأيمن "للباطرون" أنه من كبار تجار المخدرات.. والعمارات التي يبنيها.. فقط لأجل تبييض الأموال".

آه تبييض الأموال مرة أخرى! كل شيء يهفو إلى التلون والخروج من الجلد.. حتى الأموال تحن إلى "الجير" والطبشور فهي لا تخشى الحساسية.. أهو زمن التلوين إذن؟

فأي الألوان تناسبك أيتها "الدبلوماسية".. الأخضر الذي لم تعرفيه أبدا أم الأحمر القاني المسكوب فوق إسفلتك المشقوق؟ أم الأبيض الذي لم يعد رمزا للسلام؟ أم لون الخبز الأسود الذي يأكله المهمشون؟

لا جواب إذن.. فاسألي "شكري".. فقد ينوب عنك!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8. حتى الذباب ينهبها

بدت السيارة متعبة, بل ومذعورة! وهي تجتاز صراط "تيزين تشكا", فالموت يحدق بها وبنا من كل جانب.. وأي خطأ بسيط يمكن أن يسافر بنا إلى العالم الآخر! وضعت يدي على خافقي حتى أحرسه جيدا.. مخافة أن يطير مني.. لكنني لم أستطع أن أمنع عيناي من الخروج البين من مقلتيهما – كلما انعرجت بنا الطريق أو تراءت أمامنا الهاوية.. لم أدر كم مرة رددت فيها الشهادة خلال هذه الرحلة! لقد كنا فعلا قاب قوسين أو أدنى من نهايتنا.

الآن فقط أدركت أنني أعشق الحياة على الرغم من حنظلها الذي تقدمه لنا مع غروبها اليومي! لكن هذا لا يعني أنني أكره الموت بشكل مقيت, بل أكره الموت الرخيص بالتحديد!!

كان الوقت ضحى عندما استوت الطريق أمامنا, وتركنا وراءنا الصراط المعلوم! لتفتح لنا ورزازات ذراعيها وقد اتشحت "كالبهجة" هي الأخرى بلونها الدموي القاني, لغاية في نفس يعقوب يقولون إنه قضاها!

لم نتوقف بهذه المدينة ذات الإسم الأسطوري, لأن الوجهة كانت نحو عاصمة جنوبية أخرى تخضع لوصايتها وتستجير بحماها "الإداري" .. كانت الطريق سالكة بنا نحو مدينة اعترفوا أخيرا "بمدينيتها".. ولكنهم أخطأوا حقا في توشيح صدرها بوسام المدينة! لأنها وببساطة لم ينلها من "بلح الشام" ولا "زعبول البلد" إلا الإسم!! فيا لتفاهتنا, إننا نوزع الأسماء كيفما اتفق لجبر الخاطر أو بالأحرى لتمويه النفس وإغراقها في يم الكذب والوهم. فهذه نسميها عاصمة اقتصادية, وتلك مدينة نموذجية, وأخرى قرية عالمية.. وما إلى ذلك من التسميات الكاذبة!!

إلى زاكورة كانت الرحلة..وفي صحرائها وواحاتها كان الابتهاج النفسي والانعتاق الرائع من إكراهات المدينة‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وخبثها وعفنها! وعلى طول وادي درعة تسير الحياة على إيقاع ساعات رملية لم تتعقرب قط! تقسو حينا على الإنسان وتبتسم له في أحايين كثيرة.. وصلنا إلى الوادي والنخيل مثقل بتموره الناضجة والبراءة تلوح في كل مكان نطأ عتبته.. كل شيء لا يخرج عن خانة المألوف, الناس يبعثرون خطواتهم على "رصيف" الشارع الوحيد, بحثا عن ألف بعيد المنال, يقتلون "الوقت"/السيف على مرآى ومسمع من الذباب الذي اختار زاكورة عاصمة له.. ففي فضاء هذه "المدينة" يتعالى "الطنين" أكثر من أي شيء آخر..إن للذباب قصص عشق فريدة معها وجريا وراء الكشف عن حقيقة هذا العشق ضاع الكثيرون! ولذلك قررت ألا أسأل عن السبب القاتل..وأكتفي فقط بالتأمل والاحتراز من اللذع!

السوق الأسبوعي موعد متجدد لبيع ما يخطر وما لا يخطر على بال! كان مختنقا ذلك اليوم. إنه موسم التمر.. والغرباء يصعب حصرهم, لقد حضروا إلى زاكورة لشراء عملة المنطقة بثمن بخس, لبيعها من جديد في مدن "نخيل الزينة" بأسعار غير معقولة! إنهم يعبثون بمنتوجها, ويضحكون على ذقنها.. وفي واضحة النهار وتحت يافطة "الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري"!

فالمدن الكبرى تختص في النهب, أما الأخرى القزمية فتتعرض للنصب والاحتيال! فالباعوض والذباب يسرق من المواطنين دماءهم ودموعهم ومخاط أنوفهم! و"الشمال" ينهب تمورهم وتراثهم, وكأن "زاكورة" لا تصلح إلا لذلك!! تينفو.. تيمتيك وتامكروت.. وإلى تخوم العريبات كان "بوغابة" هو العدو الأول, يرفض "الدرعاوي" التعامل معه كتعبير خفي عن "موقف" في كل ما هو رسمي!

هناك في تلك الرمال المترامية والهضاب الصلداء لا مكان "للمخزن".. الجماعة هي الفيصل! إليها يعود الأمر كله, وما دون ذلك فليس له من أثر ودور إلا الثانوي طبعا.. هناك يفتضح أمر كل سياسة تدعي إحكام القبضة, فالناس بهذه الديار الحمراء لا يعرفون إلا "أغراس", وفيها يفتضح أيضا أمر سياسات الترقيع, والكيل بأكثر من مكيال! ويصير من العبث العابث الاعتداد بأي إنجاز فلا شيء غير ما تجود به الطبيعة وما تنعم به على الإنسان المقهور! من تمور موسمية يرمق بها طوال السنة العجفاء!!

لولا وادي درعة وما ينتصب على جنباته من واحات لما كانت زاكورة وغيرها من المدن والقرى والمداشر الممتدة خطأ وصوابا على طول الشريط الذي يخترق البيداء.. من ورزازات وإلى محاميد الغزلان.. فطانطان/المصب!

ولأن النهب قدرها.. فقد تعرضت خزانة زاويتها الناصرية التي تنأى عنها ب 17 كيلومترا بالضبط لحركة سطو غريبة, أدت إلى ضياع كتب نفيسة أخبرني أحدهم بأنه رأى بعضها في أحد متاحف الضفة الأخرى.. مشمولا برعاية التقنية نكاية فيما تبقى من الكتب بتامكروت والتي لم تعش بعد عهد التكييف الهوائي حفاظا على سرمتها من الانفلوانزا والتحلل!

هذا إذن ما انكتب في أسفار أشباه المدن.. أن يسرق منها كل شيء حتى حلمها في اشتهاء الفرج – وأن لا تكون أبدا كما تريد أن تكون! زاكورة.. مدينة مسلوبة الإرادة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9. فين كنت سارحة؟!

"آ جرادة مالحة.. فين كنت سارحة.. اش كليتي.. اش شربت.. غير التفاح والنفاح.. هز يديك يا بونفاح" كنا نرددها دوما تحت شجرة الزيتون الوارفة وعيوننا الضامئة تبحث عن ضحية جديد نلون يده بصفعاتنا اللاهبة.. تبحث عن "بونفاح" مسكين يحترق بلظى العصى التي قيل أنها خرجت من الجنة وأنها مكتوبة لمن يعصى… فمن يجرؤ على العصيان الآن وغدا!! ما علينا.. المهم أن جرادة/اللعبة كانت لا تفارقنا لأننا كنا نجد فيها فرصة متميزة لتصفية الحساب مع قرين "مسخوط"! أما جرادة/المدينة فلم يكتب لي – شخصيا - التعرف إليها إلا في العام الذي نستعد لتوديعه اللحظة..

جرادة/الألم/ المرض الرابض في أعماق المدن, تعرفت عليها أخيرا وهي تحتضر بعدما دخنت ولزمن طويل غليون الفحم الحجري القاتل, بعدما تقيأت فحما صار اليوم مكلفا! وغير مرغوب فيه جوزيت كما جوزي مجير أم عامر وسنمار المسكين!

الطريق إليها شاقة وباهتة, هرب عنها الخضار البهي واستقرت على ضفافها ألوان قاتمة تشي باللاجدوى والانتهاء القريب, لم أكن أهفو إلى تأطيرها "كارطبوسطاليا" من خلال هذه الزيارة, لأن الهدف الأول والأخير هو الوقوف على نكران الجميل وخذلان الفحم الحجري الذي لم يفد المدينة في شيء اللهم إلا أمراض السليلوز التي عزت صدور الرجال وجعلت نسبة الأرامل تتعالى, وتقود إلى احتراف الدعارة لمواجهة إكراهات الحياة البائسة!

في المغرب الشرقي أو الشقي نبتت هذه "المدينة" الفاحمة, لتمنح للمغرب ما "يسخن به" ويستعمله في مجالات متعددة.. لكنها لم يقابل عطاؤها بعطاء تنموي ينجيها من "دواير الزمان".. وهكذا تحولت إلى منطقة منكوبة بمجرد شح الأعماق الفحمية وارتفاع تكاليف الإنتاج.. واستحالت إلى عاصمة للشقاء الشرقي, تلتحق أطمار التنمية الباهتة, ومسوح السياسات المرقعة, وكأنها خرجت للتو من حرب دامية! لقد "حلبوها" جيدا إلى أن جف الضرع وضاع الحليب.. فما عادت قادرة على الوقوف.. إنها عطشى تزحف بحثا عن قطرة ماء تدفع عنها الموت المحقق!

كل هذا التقيؤ الفحمي المزمن لم يشفع لك أيتها ال"جرادة" عند أصحاب الحال.. كل عطاءاتك لم تخرجك مما أنت فيه! فهل أهدرت السنوات الفائتة في انشقاق لا طائل منه؟

"جرادتنا" تصرخ بأعلى صوت ممكن أين فحمي؟ أين دليل احتراقي؟ أين جمري البارد خلال ملايين السنين كما يقول علماء الاركيولوجيا والجيولوجيا؟ أين أنا يا أنتم؟ كان "الجراديون" ذلك الصباح الذي انقذفت فيه إلى مدينتهم يجتمعون مثنى وثلاث ورباع.. على رصيف المقاهي الحزينة وهم يناقشون ما تعده لهم الحكومة من مشاريع إنقاذ تلافيا لما يمكن أن يحدث بعد إغلاق المناجم في القريب من الأيام! كانوا يتحدثون بشغف كبير عن المشاريع الإنمائية التي ستولد بمدينتهم.. وبين الفينة والأخرى يقف أحدهم ليقول بأنه "كلام انتخابات عابر", ويضيف آخر "لقد مللنا الوعود المعسولة" ويمسك منه ثالث خيط الحديث صارخا "إننا نموت في هذه ال"جرادة"".. فيتدخل في الأخير شاب معطل انتهى من ملء شبكة الكلمات المسهمة ويقول بصوت دافئ تنبعث منه رائحة الفحم الحجري "سيكون التغيير قريبا".. بل لقد ولجنا عهد التغيير" يتبادل جميع جلساء المقهى نظرات تائهة, ويغرقون في الساكن في فناجينهم وكؤوسهم يقرأون الطالع المخفي! وهم يتجسسون خفية أيضا على الغرباء مثلي ظنا منهم بغير علم أننا من الذين يحصون أنفاس الناس ويختصون في رفع التقارير المعلومة! يلوذون بالصمت الذي تعلموه من صلابة الفحم واشتعاله, ويسرحون بأنظارهم في السوق إياه, وقد علا فيه صياح نساء ونساء.. ورجال!

آ جرادة مالحة فين كنت سارحة؟.. يا لغرابة هذا العالم.. لماذا هذا التطابق الباذخ بين الجرادة/اللعبة والجرادة/المدينة؟ يا لخبث الأيام التي تخرج علينا بهذه الانعطافات الشائكة, المستعصية على الفهم؟!

أكيد أن الجرادة/اللعبة لها اتصال وثيق بالصفع والضرب المبرح, والجرادة/الحشرة تأتي على المحاصيل وتقود إلى الهلاك المحتمل, أما الجرادة/المدينة/المالحة فهي تستدمج كل ما سيق في ذاتيتها الفحمية.. إنها المصنوعة دوما من لدن البرامج المناسباتية بحكم انبثاتها في المغرب الشقي, وهي المهلوكة أبدا بعدما أقفرها وأفقرها الفحم الحجري.. وإن كان العكس هو الذي ينبغي أن يحدث – وأغرقها في السليلوز وكل الأمراض الاجتماعية الأخرى!

"فين كنت سارحة" أيتها ال"جرادة" حتى فاتك قطار الزمن وتركك تمارسين الاستجداء, وأنت التي كنت من قبل تقدمين الزكوات بغير حساب للبعيد والقريب!

"واش كليتي واش شربتي".. أم أن الجوع والعطش الثقافي والفاقة الاجتماعية والبوار الاقتصادي مصيرك المحتوم؟ لكن الجرادة/اللعبة تقول غير التفاح والنفاح.. يا بونفاح! فهنيئا لك بالفحم والتغيير والتفاح والنفاح يا جرادة المغرب الشقي عفوا الشرقي!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

10. لم "تأكل" من جوفها

السيدة "ميم" ربة بيت فاضلة, لم تأخذ حظها الكامل من الجمال, تستيقظ باكرا لتلتحق بباب العمارة حيث تقضي جميع أشغالها – "تفسخ" حمص الحريرة وتخيط ما تمزق من ثياب الزوج والأولاد السبعة, وتمطط أيضا أطراف الحديث مع زميلاتها إلى أن يحضر الغائبون كرها وطوعا!

كانت تكتنز أسرار العمارة.. وجميع العمارات الأخرى القريبة والبعيدة, تعرف جيدا "الجاية والرايحة" في كل صبح جديد تستوقفني لتمطر سمعي بأخبار لا أهمية لها عندي.. وأتنصل منها بعد جهد جهيد.. تاركا إياها تصرخ "إياك والمدن التي تبتدئ بسيدي"!!

السيدة ميم تحذرني دائما من هذه المدن "السيدية" فلماذا تفعل ذلك؟ ألها حكاية مؤلمة مع سيدي سليمان أو سيدي قاسم.. أو سيدي بلعباس في بلد المليون شهيد؟ أغلب الظن لا.. لأن ما أعرفه عنها هو أنها لم تغادر العمارة قط ولم تخترق حدود الصمت الذي كان يسيج مدينتها!

ما أعرف عنها هو أنها فضلت طويلا أن تقبع عند مدخل العمارة تحرك حواسها اللامعدودة لمعرفة ما يعتمل في صدر المدينة وفي صدور الناس أيضا.. كانت تهوى التجسس المجاني ولا أدري لماذا؟!

إذن فما الذي يجعلها تبدي كل هذا القلق والتخوف من مدن سيدي؟ تواظب على جلستها الهادئة عند مدخل العمارة.. اقتربت مني سائلة أجبتها والخوف يتملكني من تعليقاتها الساخرة ونصائحها المطولة "إنني ذاهب إلى سيدي قاسم في مهمة..".. لم تتركني أكمل كلامي حتى بدأت تلطم وجهها وتصرخ وتبكي إلى أن اجتمع من حولنا رهط كبير من الفضوليين الذين لم يتوانوا في توبيخي على فعل لم أقم به قط..فهذا يقول "حشومة عليك.. المرا أكبر منك".. وذاك يقول "هاذي هي القراية.. تتعدى على مرا قد امك".. وانهالت علي التعليقات والنصائح السخيفة.. والسيدة "ميم" تصرخ وتنتحب.. ولم أجد بدا من الهروب من هذا الموقف الماسخ حتى لا يفوتني القطار..

طوال الرحلة إلى سيدي قاسم تراقصت أمام عيني تحذيرات السيدة "ميم" وكرنفالها الصباحي, وحمصها "المفسوخ" وخدمات التلصص "البصري" التي تقوم بها في كل حين!

سيدي قاسم هي الأخرى تنتمي إلى مدن زهو التقيؤ الأرضي, من أعماقها انبجست مياه غير عادية تقرب من السواد مياه/أو بالأحرى سوائل سموها بالذهب الأسودوالغاز الطبيعي.. بالرغم من خروج كل شيء من دائرة الطبيعي", في مدينة "سيدي" هاته لما وصلت إليها وجدتها تتشح بثياب السواد حدادا على ضحايا الغازات السامة: لومي ابراهيم وأخوه الحسين.. وغيرهم ممن التحقوا بالرفيق الأعلى نتيجة هشاشة الوضع البيئي بالمغرب كانت تمسح الدمع عن خذيها, وهي تداري الحزن بين ضلوعها فهي الأخرى لم "تأكل" من خيرات ما رقد لملايين السنين في جوفها من ذهب ملون! ولم تعرف أيضا كيف تؤكل الكتف! الحزن شعارها.. والاختناق "اختيارها" الذي لم تختره أبدا, وإنما فرضته عليها ظروف هذا الزمن الكاذب!!

ولاح من جديد الشارع اليتيم كما العادة في مدن مالحة سابقة باردا يلتسع بخبث الوطن.. ويطرح أكثر من سؤال حول الموت بالغازات السامة! وبالإسمنت المعجون والكراسي الكهربائية..

أهي علبة انتحار إذن؟ أو قنطرة فادحة نحو ذاك العالم المجهول.. الشارع اليتيم.. وكما العادة.. فرصة للاستعراض والاتجار في الجسد الذي قتل الكثيرين بالذبحات الصدرية! إنها مدينة الأجساد بامتياز.

"دوار صحراوة" يرفل في أزياء الفقر اللعين ويندب حظه التعس, وقد تجمعت في أركانه أكثر من "سيدة" تسترق لحظات هاربة, ونزوات مفتونة, تفضح "سيدي قاسم".. المدينة الموشكة على الاختناق والانتحار!

فجأة وأنا "سائح" في دروب هذه "السيدي" انقبض الصدر وأوشك على الاختناق من فرط ما رأيت من انهيار للإنسان وفي أحلك الحالات.. هرعت نحو محطة القطار لأدفن رأسي بين رسوم "حمودة" وهو يشاغب بريشته ويصرخ في وجه القبح والرداءة.. إنه أحد أبناء هذه المدينة!!

عدت إلى العمارة المعلومة فلم أجد السيدة "ميم".. سألت عنها فقالوا أنها رحلت.. أو "حركت" إلى الضفة الأخرى بحثا عن مدن أخرى تبدأ "بلالة" وليس "سيدي" ولها ما تريد إنها تبحث عن تكريس لحقوق الإنسان بتاء التأنيث.  

11. شاحبة كالسوبر هاوهاو

… وأخيرا رمتني الأيام إلى "العدوة الأخرى" لأستقر بها بعد طول عذاب بأشقى أحياء الرباط, صرت "سلاويا جديدا" رغما عن أنف هذه المدينة التاريخية وانطلقت في اكتشاف الحارة القديمة. بمجهر الساكن المجرب وليس الطبيب الزائر!

حينئذ لاحت أمامي سلا مختلفة تماما عما رسمت لها في السابق من لوحات سوريالية, لما كنت أزورها لقضاء بعض المآرب الخاصة والعامة! بدت غير سلا التي كنت أعتقد أنها الضفة الأخرى عندما أتأملها من ربوة "حسان" والقوارب العبارة تنقل إليها الأجساد المنهوكة.

لكن لا يهم – فهذا هو حال المدن المالحة – أن تتغير وتخرج من جلدها في كل حين خصوصا إذا همست بالمكوث فيها طويلا! فمن أين نمسك بخارطة هذه المدينة؟ ها باب لمريسة والساحة التي تحلم بالتحول إلى "ساحة فناء" والساعة الحائطية المعطلة أحيانا تقابلنا منذ الوهلة الأولى بعد اجتياز القنطرة الآيلة للسقوط.. وها باب الخميس أيضا يفتح لنا ذراعيه مستقبلا ومرحبا للانضمام إلى هواة التبضع في دروب المدينة التليذة المهددة بالانهيار وهذه طريق القنيطرة القاتلة.. وتلك طريق مكناس المتعبة.. فأي الطرق نسلكها لتلوين هذه المدينة – كما يفعل أطفالنا الضائعون وهم يشاغبون بأقلامهم فوق وريقات الكراريس.

قريبا من المحكمة الابتدائية ينتصب "الرازي" وهنا من يسميه الغازي – بأسواره العالية محتضنا جنون الإنسان, وغير بعيد منه تلوح شواهد وصبار المقبرة – إنها "الدخلة السلاوية" بثلاثيها الرهيب: العدالة المفقودة, والجنون الفاره! والموت العميق!

ويستمر "الكرنفال السلاوي" في انفلاته نحو مشاهد غريبة أصبحت من مكونات المعيش اليومي, فما أن تلفظ حافلات هذه الضفة ركابها في إحدى محطاتها حتى يصعد إليها متسولون محترفون يتبادلون المواقع والأدوار مع زملائهم أطباء الجيوب الذين يعرفون جيدا كيف يجترحون الأرزاق من المحافظ النقدية. ولو كانت مدسوسة في أبعد نقطة جسدية!!فتختلط الأمور ويصير المتسولون والنشالون أكثر عددا من الركاب المحترفين! فسلا عاصمة التسول والنشل.. والسلاويون القدامى والجدد فرحون بهذا المجد الذي حققته المدينة ولهذا تراهم يباركون هذا الواقع "بالصمت الحكيم" كلما تعالى صراخ امرأة ما تحسست "جنبها" فوجدت أن "البزطام" "دار الروايض"… أو كلما صعد إلى الحافلة الملونة الأصماء والمرضى لاستعراض حكاياهم الملفقة لحصد الدرهم ب "العلالي" وبدون عرق!

في حافلات سلا تتراءى للمرء حقيقة المدينة, في التزاحم والتدافع تكتشف الانفجار الديمواسمنتي الذي تقبل عليه سلا, وفي النشل والتسول والجنون يظهر ذلك المخفي الذي تسعى الجهات إياها لتطويقه وستره بتزيين الواجهات, و "تجيير الوجوه" كلما كانت "الكاميرا شاعلة"- لكن من كل ذلك, فهذا العمل الأجوف لا يغطي بالمرة ما يروج "قرية أولاد موسى".. أو "كولومبيا المغرب" كما يحلو لأباطرة المخدرات أن يسموها عندما يطلع لهم "الجوك" ويبرمون صفقات مربحة, تقتل شبابنا رويدا رويدا… كما لا يمكن لسياسة الواجهة أن تحجب عن أعيننا ما يتفاقم يوما بعد آخر في حي الانبعاث والواد.. والدار الحمراء… وسيدي موسى… من انحراف وإجرام جعل السلم والأمن الاجتماعي استثناء في هذه الأحياء التي تفوح منها رائحة التهميش والسرقة بالواضح!

فهذه السياسات لن تتحول انظارنا عما تتعرض له المرأة من استغلال بالحي الصناعي الذي سمي خطأ "بكريمة" فمن أين له بالكرم وآلاف النساء يتعرضن في رحابه يوميا لكل أشكال التمييز والعنف والاغتصاب.

سلا إذن مدينة "رائعة" تتعرى أمام زائرها أو ساكنها بدون تفنج أو دلال الغواني..تكشف أسرارها من خلال شوارعها المشقوقة وحافلاتها المهترئة… فقربها من هدير الأمواج وبلوط المعمورة ووداعة الواد الرقراق, جعلها ترفض الاختباء خلف ستارة التزييف, ولهذا تبدو شاحبة بائسة جدا في فضاء "السوبر هاوهاو" أحد أكبر أسواق المدينة الكائن قريبا من "الدوار الجديد"! "فسوق الكلب" هذا "كسوق ساعة" يمكن أن يجد فيه التمضع كل شيء من حلال وحرام.. ويمكن أن يجد فيه أيضا بعض حوائجه الشخصية المسروقة من منزله!! في غبار هذا السوق الكلبي الممتاز تشتم ريح البؤس الكافر الذي يقود الناس نحو النشل والتسول والدعارة… ومن خلال معروضاته ننتهي إلى التأكد من لعبة المستحيل والممكن… وعبث الصدفة الماكرة!

سلا كغيرها من مدن الملح الأخرى أكبر من أن توصف وتقبض… ليس فقط لمساحتها الجغرافية المترامية ولا لامتدادها التاريخي نحو شالة الرومان والجهاد البحري مرورا بالزاوية الحسونية وهجرة الموركسيين إليها و… و… ولكن لأن سؤالها شائك بامتياز والطريق إلى حله مفروش بالعوسج وما أقدامي بقادرة على تحمل الوخز الأليم… فاعذروني إن سكتت عن الكلام المباح.. ففي سلا أكثر من شهريار!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

12. تؤبن نهرها الراحل

في إحدى عطل المرحلة الابتدائية وجدتني مجبرا على السفر إلى هذه "القنيطرة"! لم أكن أرغب في الهروب من كهوف الساحل الرباطي, حيث كنت أقضي أشقى الأويقات مع شلة ضاع أغلب أفرادها, كنت أخشى ألا أجد "البوزروك" و"غلالة" و"الجعافر".. وما كان يجود علينا به البحر الكريم! ونقوم بطبخه في الكريان وسط المعلبات الفارغة, والتي تبولت فيها الفئران الصديقة!

العين تدمع وأنا أساق نحو هذه المدينة خوفا من واقعها المجهول وحزنا على حكايات "كاف الروطال" و "كاف الشبانات" و "كاف بورية" و "الدبو".. و "المشقوقة".. وكل الفضاءات التي احتضنت شغبنا الطفولي بكل امتلاء انقرض من حياتنا آنا بغير وداع!

والخوف من السفر إلى القنيطرة سببه اعتقاد طفولي خاطئ حول موقع المدينة, فقد كنت أعتقد انها بعيدة عن البحر ولا يمكن أن نأكل من خيرات الماء فيها..

وتمضي الأيام في سيلانها الرملي نحو ما لا نعرفه, وتتأجج في الأعماق من جديد نار الخوف من ارتيادها.. ففي لحظات التيه الرياضي, ولما كان الفريق العسكري يتملك قلوبنا ويجعلنا نجري وراء مقابلاته أينما حل وارتحل! في غمرة هذا اللهات الكروي الذي لم أجد له لحد الآن تفسيرا "أكلنا" علقة ساخنة في "أرض" القنيطرة الكريمة, صارت فيها ظهورنا "أرطب" من بطوننا كما يقولون الجلادون! وذلك بسبب هوس التشجيع والهتاف الذي كان – وما زال على ما أظن – يبعث عن الروح الرياضية..!

لكن تشاء الأقدار أيضا أن يتحول هذا الخوف الذي يؤطر زياراتي للقنيطرة إلى دفئ غريب أثمر علاقة رائعة مع أقبية وأبهية قنطرة العبور نحو دنيا مخبولة يترنح فيها الجميع!

نهاية الأسبوع هي سفر متجدد نحو منعطفاتها الانسانية..! استمر ذلك الأمر أزيد من سنة كانت العطالة فيها تلقي علي بظلالها القاتمة.. لم أدر لماذا اطمأن القلب للقنيطرة بعد سنوات من الخوف..؟ أ لأن "الرحيل" الأول إليها كان قهرا وكرها؟ أم "لسلخة الزراويط" دور في إذكاء نار الخوف والحقد؟ أم أن تلك الفاتنة التي أسرت القلب حينا من الدهر, وكادت تشاركني السقف الواحد لولا خبث الواقع وتحطيمه لكل الأحلام هي سبب هذا التحول العجيب؟ طبعا تتعدد الإجابات في هذا المقام, ومع ذلك فالسؤال/الجواب الأخير يمتلك شيئا من الوجاهة!

فلم تكن الآنسة "فاء" بالطالبة العادية! إنها جديرة بالاحترام وبالاهتمام أيضا.. ولهذا فمدينتها هي الأخرى جديرة بالتقدير وبالزيارة الأسبوعية!! آه منك أيها القلب الشريد.. أحيانا تصنع لنفسك أوهاما جميلة وتقنع نفسك بأشياء غير مقبولة إرضاء لنزواتك المتنطعة!

الحب/الجنس يجعل الواحد منا يكره مدنا ويعشق أخرى.. وأحيانا بغير حق!! ولكم نكون أغبياء وخبثاء من الدرجة الرفيعة عندما نعتمر قبعات "الأخلاق" وندعي أن الجنس/الحب ثانوي ولا يستحق منا أدنى عناية! ما علينا.. و "ليستمر الوهم دواء لنا فهو على الأقل يسمح لنا بالكذب على النفس!" هكذا كان يقول الصديق القنيطري ونحن نمارس هواية أو حرفة التسكع خلال سنوات الجفاف الطويلة.. وفي كل لحظة نقترب فيها من بؤس مدينته يرفع عقيرته بالصراخ عاليا وهو يقول "أين المجالس البلدية؟ أين الميزانيات المنهوبة.." ولا أحد يجيب.. فالشارع فارغ تماما إلا من خطواتنا المهمومة.. ونحن نقرع الطريق بأحذيتنا المثقوبة..‍!

كلما وصلت إليها مثقلا بالأحزان والأفراح, إلا ولاحت لي "القنيطرة" تائهة تبحث عن نفسها.. تبحث عما ضاع منها في "قشلة ميريكان" و "حاناتها" اللامعدودة.. التي تعد الإرث الأول والرئيسي الذي ورثته المدينة من عسكر "الماريكان" .. وعلى ذكر الإرث فهم يقولون والعهدة عليهم بالطبع بأن القنيطرة لم تتخلص بعد من رواسب حقبة "الماريكان" و "فازوا بها القومان يا فلان" كما تقول الأغنية الشعبية التي رصدت جيدا, "الاكتساح" الأمريكي للقنطرة المصغرة!! المدينة التي يحتضنها بلوط المعمورة غدت تفطر هي الأخرى على أخبار الحريك أصابتها عدوى الشمال المنكوب.. وربما انتقلت العدوى الاحتراقية في القادم من أيامنا الغربية إلى خريبكة واليوسفية والعيون الشرقية.. فلربما سيكتشف "الحراكون" مغارات تقود إلى الضفة الأخرى دونما حاجة لقارب موت!!

القنيطرة.. "قنطرة" تنتهي بنا إلى أين؟ إلى ألأمركة الشاملة؟ إلى الحريك القاتل؟ إلى البؤس والبلوط؟ أم ماذا؟

لن نتعبها الآن بالسؤال لأنها غارقة في حزنها على نهرها الحالم.. وعلى رمال "مهديتها" المسروقة علنا!.. يكفيها أن تكون قنطرة يعبر من خلالها "الفوقيون" نحو الأعالي.. أن تكون قنطرة أعمدتها مواطنون مغلوبون على أمرهم يؤبنون نهر سبو الراحل.. بعدما قتلته تكنولوجيا هذا العصر اللئيم!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

13. لو كان القرع جبنا

ماذا لو كانت الكرعة الدكالية جبنا مالحا؟ ألن تصير "الجديدة" كأمستردام؟ وماذا لو؟.. انطلقت هذه الأسئلة بدءا من إحدى حقول دكالة, كان يرددها فلاحون أرهقهم الجفاف و"القرض".. فجلسوا القرفصاء يتأملون "قرعهم" المشهور وخيالهم يرسم لهم "الأراضي المنخفضة" بديلا لليل البلاد الذي يأبى الرحيل!

وماذا لو كانت الكرعة فرماجا؟ ما الذي سيحدث إذن؟ هل ستتغير الأوضاع؟ ويعاد تشكيل تماثيل الزمن وفق أحلامنا البلاحدود؟

فكلما زرت عاصمة دكالة إلا دغدغت هذه الأسئلة الحالمة فكرا متعبا بطول الطريق المزروعة رجالا غلاظا لا يتوانون في إيقاف الحافلات والشاحنات والسيارات البائسة لحلبها.. وكيف لا يفعلون ذلك والمنطقة كلها معدة سلفا للحلب والسحب!!

وقديما قال أحد نوابها المحترمين بأنها ستصبح بقرا حلوبا في ظرف خمس سنوات, ولم يدر السامعون المختصون في التصفيق والتهليل إن كان النائب إياه يقصد بوعده/وعيده هذا كل الأحياء فوق أرض دكالة أم يشير بالتحديد إلى البقر الهولندي الذي يحلم به العباد والبلاد!

الطريق إلى العاصمة الدكالية الموسومة بالجدة ملأى دائما بأصحاب الحال الذين يفرضون إتاوات على "الحديد" لكن لماذا نذهب بعيدا ونرميهم دوما بالرشوة.. فربما يقومون بتحصيل ضرائب لا علم لنا بها تصب مباشرة في صناديق الدولة لمواجهة عبء المديونية الثقيل وإكراهات الراهن القاسي!

إن بطونهم المنتفخو ووجوههم "المحنكة" تدل من غير شك على الوداعة والطيبوبة.. فلماذا إذن نتسرع في الحكم عليهم بالإرتشاء وبالإضافة إلى ذلك فهم يتلقون عطايا السماء ولا يجبرون أحدا على أداء الضريبة, فقد اهتدت القرائح أخيرا إلى رمي النقود في الهواء بدل تسليمها باليد!

كنت أرقب من نافذة كتب عليها "للإغاثة" هذا المشهد الماسخ الذي تكرر كثيرا طوال الرحلة.. قطع نقدية وفئات ورقية تطير في الهواء.. ليأخذها "رجل الحال" بعد انطلاق الحافلة! إنها "الرشوة الطائرة", التي اخترعتها الطريق "الجديدية" فما رأي جمعية محاربة الرشوة التي لم يعترف بها بعد؟ لقد توقفت الحافلة/السلحفاة حوالي عشرين مرة لتقديم رسوم العبور لترميني بعد عذاب نفسي وعضوي إلى محطة محتقنة محمومة دخانا وآلاما تبتغي الإنفلات من مكر الزمن, لتعيش زمنا آخر ليس لها..

كانت الجديدة ذلك الصيف: "مستعمرة" -  وكما العادة – من طرف أهل مراكش الذين يحرصون على قضاء عطلهم بها.. فما السر في ذلك؟ هل هو القرب الجغرافي أم الإرتباط التاريخي الغابر/الظاهر؟ فعلا تتوه عنا الإجابات في مدينة حالمة/مالحة تهذي في صيفها المسروق منها.

على "ضفافها" البعيدة وفي موسم وليها الصالح.. إنها تتفوه بكلمات غير مفهومة وهي تستقبل غرباء اليوم والأمس..

تسترجع ذكريات "البريجة" عندما تلملم "أهواء" المسقاة والحي البرتغالي الذي يكتنز أسرار تاريخ مجهول لم تفتض بكارته لحد الآن! وعندما يقسو عليها البحر ويرسل إليها بدل الرذاذ الناعم زمهريرا قارسا تصحو من نومها العميق وتغرس أعينها الذابلة في السفينة الموغلة في الرمل عند "الدخلة".. وفي المدينة القديمة المتهالكة..

وبالرغم من جميع محاولاتها باإمساك بناصية الهارب منها في حقبة "البرطقيز" أو في هذا الآن الغادر.. فإن الحلم البهي يظل يراودها, وبذلك تتحنى الجديدة جانبا لتغرق بسكانها في "القرع الأحمر" وتصنع له مستقبلا ورديا.. يهفو إلى "الإستجبان" لتغدو في النهاية "أمستردام" جنة عدنها/"دلمونها" الغائبة هي مدينة تعيش على إيقاع أحلام باهتة, تسترق مساحات تيه راغبة في الإمتلاء.. الإشتهاء موسمها الذي لا ينقضي.. ولأنها كذلك أراد لها النائب المعلوم أن تكون بقرا حلوبا.. فهل تحقق له ما أراد؟!

الجديدة غريبة الأطوار فهي لا تستقيم رؤيتها إلا من خلال قراها ودواويرها وقبائلها.. سيدي بنور, جمعة مطل, العونات, أولاد سي بوحيا.. من هناك إذن تتراءى المدينة الحالمة/المالحة تغط في النوم.. تملأ الدنيا شخيرا.. وربما فوارا.. على حد قول النائب المحترم!

وحتى شبابها تعلم منها امتهان الحلم.. ولو في أقصى درجات الجنون أو العشق ولهذا اعتصم ذلك الصديق العزيز الذي يواظب آنا على تأثيث فضاء نادي الأسرة بجلسات إبداعية دافئة, بمسرحها البلدي احتجاجا على الهدم الذي كان سيطاله.. لقد كان يحلم لمدينته بغد مسرحي مشرق.. فهل تراه حقق ما كان يحلم به؟.. الجديدة للحلو محترفة!! فماذا لو صارت أمستردام؟!         

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

        

14. لا صحيحة.. لا فليسات

ما الذي نتغياه من استحضار أمثلة شعبية تحاصر سكناتنا وحركاتنا؟ هل هي الرغبة في الإعتبار والتبصر هي التي تدفعنا إلى الإتكاء على ذلك الموروث الشفاهي الذي يستحق منا أكثر من وقفة؟ فالأمثال الشعبية والنصائح المجانية التي زرعت فينا منذ الصغر لترديدها بشكل ببغاوي لا يخلو من سفالة تجعلنا أحيانا نصدر الأحكام على "عواهنها"!!

طبعا لا أريد تقديم درس في هذه "الأمثال".. فلا "الأستاذية" تريدني وما أنا بلاهت وراءها.. لقد طلقت الطبشور الطلاق الثلاث منذ زمن الإبتهاج الفتي, ونحن نتهامس ذكورا وإناثا حول أحلامنا المؤجلة.

"الخميسات لا صحيحة لا فليسات".. هذا المثل/النصيحة هو الداعي لاقتراف هذه المقدمة الطلية, فاعذروا القلم الباكي سوادا على هذيانه المتواصل فوق البياض المستفز!

فأول ما وطأت قدماي هذه المدينة الرقمية نط المثل إياه أمامي لينزع الرعب في دواخلي خوفا على صحتي المتآكلة وعلى "فلوسي" المتواضعة! سرت في شارعها اليتيم أبحث عن لا شيء, أتأمل أهل المدينة, وقد بدت عليهم علامات الصحة والعافية وحرارة الجيوب! ومن حين لآخر أتفقد محفظتي التي حرصت على دسها قريبا من موقع القلب, وأختبر قواي التنفسية حتى لا يداهمني اختناق مفاجىء يقطع علاقتي بعالم الخميسات/الرقم المحير!

كانت – المدينة – تبدو هادئة على غير عادتها.. شباب غزاه الشيب وفتيان أدمنوا العبث وعجيزات محتقنة تتمايل وتأسر المرابطين بالمقاهي وتغرقهم في سكون سوائلهم الملونة.. إنه الحفل المكرور يوميا بحثا عن ذلك المجهول.. عن الرقم.. والصحة والفلوس!

لما غادرت المحطة متجها نحو حي راق لملاقاة أحد أبناء المغرب النافع كانت الشمس تلهب إسفلت الشارع إلى أن سيلته وأضعفت صلابته.. لاحت لي حينها عائمة وسط هذا الزفت السائل.. تحاول الخروج منه وتقاوم "رمالا متحركة" وتراوح مكانها.. وتستمر في الغرق الفجائي, إلى أن تغيب وراء الشمس! دنوت بعد طول بحث وسؤال من "فيلا" باذخة الثراء – اللهم لا حسد- لم أقل "إفتح يا سمسم" ومع ذلك انفتح الباب بدون بواب! دلفت نحو الداخل وفي القلب شيء من حتى! تجاوزت الحدائق الممدودة والمعلقة إلى أن بلغت عيونا اصطناعية جثم بالقرب منها أسد ذهبي برفقة خليلته اللبؤة الذهبية أيضا.

لا أنكر أن الصديق إبن صاحب "القصر" استقبلني أحسن استقبال, لكنه جنى علي باستضافتي وبإصراره على التجول بي في أرجاء القصر, وتقديم شروحاته حول أثمان التحف واللوحات التي تزين جدرانا لا تعرف الانشراخ!

"إنها لوحة لفنان عالمي قدم فيها الوالد مبلغا محترما" قالها مزهوا وهو يفرك يديه, لم ارد استفساره عن حدود المبلغ المحترم مخافة ذبحة صدرية محتملة.. فأنا لا أقوى على سماع ما يزيد عن الأصفار الستة بعد رقم ما.. فقط لأنني لم أتحسس بعد هذه الأرقام! فالفقر يدثرني ويطوق عنقي جيدا, فأنى لي وعد هذا المبلغ/الحلم..

تركت مضيفي يتحدث بكل امتلاء عن "قصرهم" ومضيت لحال سبيلي معيدا لتفاصيل اللحظات الهاربة! رغبة في الانقضاض على حقيقة المدينة المرقمة.. فها هي ذي الصحة ممهورة على جبينها, وها هي ذي الأحوال تتناثر هنا وهناك فما علاقة المثل/النصيحة بلغز الترقيم؟!

أغلب الظن أن الجواب يرقد بعيدا عن الحي الإداري وبالضبط في هامش المدينة وفي "الدور الحمراء" عند "الخرجة".. في الهامش يتغير كل شيء ويصبح اعتناق "نصيحة" الخميسة المضاعفة لا مناص منه, فالصحة منهوكة مثلما هي الفلوس خائرة وفاقدة لعذوبتها.

ألهذا سموها إذن بالخميسات؟ أتحتضن أكثر من خميسة؟

خميسة الفلوس والصحة, الفقر والعلة, الجاه والسلطة, الاحمرار الجنوبي وأخيرا حميسة الاحتراق الإبداعي.. تماما كما هو الأمر بالنسبة لخميسات الذهب والفضة والنحاس والخشب ومقاومة العين الحاسدة.. فلكل خميسته إذن, حميسات عدة في واحدة تائهة/عائمة في زفتها الأسود, تستنطق صمت الحجر الرابض عند الديار الحمراء حيث القديد المملح يباع بأبخس الأثمان! وعلى نغمات "شوفي غيرو"!!

15. الاعتكاف عند "القريقية"!

عمال البلدية يزيلون بحماس كبير لافتات المهرجان, لأنهم ارتاحوا من عبء الموسم السنوي الذي تعيش المدينة على إيقاعه في عز الصيف! المدينة بدأت تسترجع هدوءها المعهود بعدما غادرها "رجال الأعمال" الجدد الذين وجدوا في ماركوتنغ الثقافة خير طريق لملء الجيوب و "الأرصدة" دولارا أخضر يعبد مياه البحر القاتل!

وصلت إلى أصيلا وقد ودعت مهرجانا رقم؟!.. وهذا هو قدري أن أصل متأخرا بعد فوات الأوان!

ألهذا إذن كانت تنصحني الأيام بأن كل "توخيرة فيها خيرة", فهذا ما يتردد يوميا في أمداء حياتنا – في البيت, والشارع, ومقرات العمل نعتبر التأخير في الوصول والإنجاز والالتحاق بالركب خيرا وفالا حسنا!! با لغرابة تفكيرنا هذا الذي يجعل "التخلف" خيرا ينصح بالاستبشار به.

إنتهت أصيلا إذن من عرسها الثقافي الذي يقول عنه سكانها "الأصليون" أن الأمركة داهمته و "البيترودولارية" صارت عملته الرائجة!! بدت فارغة حينها من الغرباء, فلم يبق في فنادقها المعدودة إلا سياح قليلون مواظبون على زيارتها ليس بحثا عن الألق الفكري/الإبداعي, وإنما فقط لأجل التنقيب عن لحظات الهدوء بعيدا عن ضجيج المدن الفادحة, فهي صغيرة آمنة لا يمكن للمرء أن يتوه في أرجائها.. وكيف يتوه

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “مدن ملونة … سفر في المكان”

  1. صدفة سيدي عثرت على مدونتكم و أنا أبحث عن موضوع يهم زاكورة , ووقفت عما كتبتم .

    لا أملك إلا أن أقول أنه الروعة في وصف اللاروعة .

    تحياتي أستاذ



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين