مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

عطب الإشاعة

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 28 أغسطس 2008 الساعة: 13:38 م

تفاصيل التفاصيل

عطب الإشاعة

عبد الرحيم العطري

آل السياسة يتخوفون دوما من الدخول في التفاصيل، خصوصا و أن المثل الفرنسي يؤكد أن الشيطان يكمن في ذات التفاصيل الدقيقة، لكننا في قارة علم الاجتماع، نعتقد أن مهمتنا المركزية هي ملاحقة تفاصيل التفاصيل، حيث يرقد المعنى لا الشيطان.

في محاولة لتتبع هذه التفاصيل التي تبصم هذا الهنا و الآن في اتساقه و اختلاله، في انفتاحه و انغلاقه، و في سائر أحواله و عوائده، نحاول أن نتفهم زمن الإشاعة الذي يكاد يصير خبزنا اليومي، في غياب المعلومة و اختناق مواسير التواصل بين كثير من الفرقاء.

إن الإشاعة في أبسط تعريفاتها تحيل على خبر لم نتحر صدقيته من كذبه. إنها خبر يحتمل الصواب مثلما يحتمل الخطأ، و هي بعدا و قبلا عطب قديم ينتعش أكثر في الأنظمة المغلقة التي تعاني من الاختناق السياسي، ففي اللحظة التي تغيب فيها المعلومة وفي اللحظة التي يصير فيها تدبير الشأن السياسي والاجتماعي تدبيرا معطوبا، ومبتعدا عن قيم الديمقراطية والمواطنة بالأساس، تنتعش بالمقابل صناعة الإشاعة عفوا و قصدا. و لهذا يبدو واضحا أن الإشاعات في المجتمع المغربي  إنما هي إشاعات بطعم التغيير، إنها تضمر خطابا عدوانيا وساخطا ، في حين أننا عندما نتأمل الإشاعات في متن آخر بديمقراطية مغايرة، سوف نجد أنها إشاعات من أجل الضحك والحبور، وأحيانا من أجل إحداث مقالب عادية تجاه صناع القرار.  

ففي الحالة المغربية نلاحظ أن زمن الإشاعة يغطي على زمن الحقيقة، إننا نصبح و نمسي على الكثير من الإشاعات التي تظل في الغالب بنكهة المطالب التغييرية، و هو ما لا نجده بنفس الدرجة و النوع في أنساق أخرى، حيث الإشاعة تكون بطعم التفكه و التنذر، ففي مغرب مفتوح على العطب و الاختلال، يعمل دوما بمبدأ تدبير الأزمات بدل حلها، و يرتكن إلى منطق التغير داخل الاستمرارية، لابد و أن نعيش زمن الإشاعة في السياسة و الاقتصاد و الثقافة و كل مناحي الحياة.

في المجال السياسي الذي يلوح كحقل للصراع و التنافس، تصير الإشاعة آلية دفاعية و هجومية لتحصين المواقع و إثراء الرساميل الرمزية و المادية، فهي سلاح للتأثير على الآخر، لهذا تكون الإشاعة موجهة بدرجة عالية ، و منطوية على نظرية المؤامرة في كثير من الأحيان.

و فضلا عن هذا الملمح المؤامراتي الذي تصطبغ الإشاعة ، و الذي يكون بهدف التأثير على مسار تجربة ما، أو لتصفية الحساب و شرعنة أسهم التمكين، و لو على حساب الآخر، يمكن القول بأن الإشاعة في المجال السياسي تكون أيضا على شكل بالونات اختبار لجس النبض و قراءة التوقعات و احتمالات الحال و المآل، أو بكل بساطة لامتصاص الغضب و إلهاء المهيمن عليهم، فالإشاعة تؤدي وظائف نفسية، إنها تساهم في تفريغ السخط المتراكم.

إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه ختاما، هو أن الإشاعة تنتشر و تتنامى في أزمنة العطب و الاختلال، خصوصا عندما تنحت لأدائها و انطراحها مسارا مفتوحا على تصفية الحساب أو الضرب تحت الحزام. و منه نقول بأن لكل مجتمع إشاعاته و لكل تدبير دولتي إشاعاته التي يستحقها. و عموما فإن الإشاعة كمعلومة ملتبسة تنتشر أكثر في الأنساق السياسية المغلقة أو تلك التي تعاني من نوع الأزموية و الاختناق السياسي، كما تكون أكثر انتشارا في الأنساق التي تتعطل فيها قنوات التواصل بين صناع القرار و باقي مكونات المجتمع. مما يعني أن الانتشار الواسع للإشاعة هو تعبير عن أعطاب تدبيرية و أزمات متراكمة.

فمتى نستوعب درس الدرس من عطب الإشاعة و نلتقط تفاصيل تفاصيله الموحية؟ ذلكم هو السؤال المؤجل في الزمن المغربي حتى إشعار آخر، فالإشاعة في طبعتها المغربية ينبغي أن تقرأ في بعدها الاحتجاجي على واقع لا يرتفع و على وطن لا يكتمل إلا في الأحلام.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “عطب الإشاعة”

  1. فمتى نستوعب درس الدرس من عطب الإشاعة و نلتقط تفاصيل تفاصيله الموحية؟ ذلكم هو السؤال المؤجل في الزمن المغربي حتى إشعار آخر، فالإشاعة في طبعتها المغربية ينبغي أن تقرأ في بعدها الاحتجاجي على واقع لا يرتفع و على وطن لا يكتمل إلا في الأحلام.

    …………..

    صدقت

    مزيدا من القراءات النيرة في الحقل الإحتجاجي المغربي

    تحيتي ومودتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين