مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

من مفكرة دراسة اجتماعية … تفاصيل رحلة نحو المغرب العميق

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 1 نوفمبر 2006 الساعة: 21:36 م

من مفكرة دراسة اجتماعية

تفاصيل رحلة نحو المغرب العميق

عبد الرحيم العطري

على امتداد أربعة شهور من سنة 2001 كان السؤال الشقي يتأجج في الأعماق بحثا عن إجابات ممكنة و مقنعة لكل هذا اليأس المعتق ، و لكل هذا البؤس المجتمعي الذي " يرفل " فيه هذا المغرب غير النافع ، كنا نعانق الألم الباذخ و الجرح الغائر لواقع يرفض الارتفاع ، و نحن نشارك في استشارة وطنية للشباب بجهة عبدة دكالة .

كنا نرتحل عبر الأزمنة و نحن نعاين الفداحة القصوى ، نصل إلى قرى  و هوامش خذلها الجميع ، و تركوها تنتحب و تبكي حظوظها التعسة ، و ننتهي بعدئذ إلى أقاصي الرفاه و الثراء ، لنغوص مجددا في رحلة أخرى أكثر عجائبية ، نبحث على طول الطريق عن حبات فهم تجعلنا نهضم هذه المسافات الضوئية بين مغارب اليوم ، لكننا نعجز عن الفهم .

هذه إذن أشياء و أشياء سقطت سهوا و قصدا من مفكرة بحث وطني حول الشباب ندعوكم لمعانقتها بكل امتلاء .

بيع الوهم

و أخيرا انقدفنا إلى مدينة تائهة غاب عنا التخطيط، و تنكر لها الجميع ، جئنا إلى أسفي نبغي استقصاء آراء و مواقف الشباب تجاه العديد من القضايا و المشاكل التي تهم أبعاده النفسية و الاجتماعية الاقتصادية و السياسية و الثقافية ، نرتحل عبر أزمنة شتى و نزور مغارب شتى تتجاور و تتنافر في زمن مغربي رديء ، لا يقدم لشبابه غير اليأس المعتق ، و تحديدا في هذا الهنا حيث يصدر ماروك شيمي و باقي معامل التصبير مزيدا من السموم إلى رئات المسفويين الذين تعودوا على الخذلان و نكران الجميل ، فبحرهم لم يعد يجزل العطاء ، و معامل السردين تحولت إلى أطلال، و بالمقابل فقد تعالت ثقافة الهامش و الإجرام في أغلب فضاءات المدينة نكاية في الواقع و مهازله .

كان البدء من شنقيط ، قريبا من سيدي عبد الكريم ، و شنقيط هذا الحي المسفيوي المغربي معتل بداء المسخ الإسمنتي و محتضن لكل ملامح البؤس و الضياع المجتمعي .. عطالة .. و فقر و دعارة و ألم باذخ يربض فوق الصدور .

دخلنا شنقيط مسلحين بأخلاقيات البحث العلمي ، و في أعماقنا يلتهب السؤال حول دواعي التهميش ، و مع توالي المقابلات و ملء الاستمارات مع الشباب المبحوثين تبين لنا أننا نبيعهم الوهم ، لقد اعتقدوا بأننا نمثل " غودوهم " المنتظر ، الذي بمقدوره إخراجهم مما هم غارقون فيه من بؤس و عطالة ، تزاحموا في البداية حولنا ثم نظموا أنفسهم تلقائيا في طابور طويل للظفر بفرصة الإجابة عن أسئلة الاستمارة ، لقد بينا لهم الهدف من البحث ، و الذي لا يتعدى الغايات العلمية ، لكنهم كانوا أكثر اقتناعا بأن الإجابة على أسئلتنا ستجعل ساعي البريد يطرق بابهم قريبا ، حاملا إليهم خطابا رسميا يؤكد على ضرورة الالتحاق بعمل على " طابلة المخزن " .

ألا لعنة الرب علينا من باحثين ، بعناهم الوهم و جعلناهم خطأ يتعلقون بحبال أمل كاذب ، بعدما فعلت فيهم العطالة فعلتها الشنيعة ، قدما لهم حقنة مخدرة تؤجل الحراك و الثورة لا محالة و تضمن تكريس و إعادة إنتاج نفس أوضاع التهميش و الإقصاء .

لكن مع غروب الشمس لم يعد لهذه الحقنة أي تأثير ، فقد التحق أغلب المستجوبين " برأس الدرب " لتبادل " القرقوبي " و " الكماية "و " الروج " ، حينها برحنا المكان خوفا من حدوث المتوقع و غير المتوقع في عالم يكون فيه الحوار ابتداء و انتهاء بشفرات الحلاقة و السيوف و السكاكين .

الدعارة الحلال

لم تكن تلك المساحيق الرخيصة التي وضعتها بغير اتساق على وجهها ، لتمنع عنها الكبر ، لم تكن ابتسامتها العريضة لتضمر ذلك الألم القابع في عينيها ، لكنها لم تفقد بعد بهاء الأنوثة ،و إن كانت قد تجاوزت الخمسين  بكثير حسبما هو مثبت في أوراقها الرسمية . بعدما غادرتنا فتاتها الوحيدة التي أطفأت شمعتها السادسة عشرة ، و التي لم تعرف إلى دفء الأب سبيلا لحد إجراء المقابلة ، أصرت السعدية أن " نتشاركو" الطعام و أن تقدم عنوان الكرم المغربي ، " أتاي منعنع بالنعناع العبدي زاعم يرد المجاج " ، هذا فعلا ما نحتاجه أيتها السيدة المحترمة ، فملء الاستمارات يتطلب مجهودا استثنائيا ، و لا بد من لحظة شاي حتى يستطيع المرء مواصلة هذا العمل الذي لا يريد أن ينتهي .

حول " الصينية " بدأت السعدية تكشف أوراقها و تسأل مع أهل الغيوان " مال كاسي وحدو نادب حظو ، هاذا وعدو ..وا هيا الصينية "، جاءت المسكينة من " أحد حرارة " ، قرية  تبعد عن أسفي بعشرين كيلومترا على الأكثر ، استقر بها المطاف في شنقيط ، وقعت في حب " بحري " أي الرجل الذي يشتغل بالبحر ، حملت منه فهرب نحو المجهول " يقولون أنه في أكادير ، و قد أرسلت له صورة بنته ، و لكنه لم يكترث للأمر "

منذئذ و السعدية التي لا تحمل من السعد إلا الاسم ، تناضل ، أي نعم تناضل في صمت مالح ، تبيع زبناءها لحما مملحا ، تبيعهم لحمها و عرقها لمجابهة تكاليف الحياة التي تكشر عن أنيابها في كل حين ، فلكي تطعم الفتاة ،و تهزم فواتير الماء و الكهرباء و إيصالات الكراء تضطر لامتهان أقدم المن ، لقاء خمسة دراهم أحيانا ، أي نعم إنها تفعل ذلك من أجل هذا الثمن البخس ، كي تطفئ  نار جوع طارئ أو مرض زائر بغير استئذان .

خبث الواقع يدعوها للاستجداء بجسدها وسط زحام البروليتاريا الرثة ن تبيعهم بضاعة فاتها قطار الزمن السريع ، و كلها أمل في أن تكون في مستوى هذا اليومي المخادع .إنها الدعارة الحلال في دنيا الفقر و الفاقة يا سيدتي ، فلا تبك زمنا فادحا و حارقا لهذه الدرجة . لقاء الأجر ذاته عرضت علي السعدية " لذتها الرخيصة " ، قدمت لها ورقة نقدية لم أعرف قيمتها لحد الآن تاركا ورائي بابا مهترئا يحدث أزيزا خبيثا ، و في الأعماق تشتعل تساؤلات شقية عن انحرافها الحلال ، و عن المسؤول تحديدا عما هي فيه ، أ هو حب ال " بحري " ؟ أم الرحيل القسري من أحد حرارة ؟ أم نحن جميعا ندفعها بصمتنا لتستمر في بيع لحمها بالتقسيط المريح ؟

شيخ الثوابت

المسافة التي تفصل " أحد الثوابت " عن أسفي لا تتجاوز الأربعين كيلومترا ، لكن بالرغم من هذا القرب الجغرافي ، فثمة مسافات ضوئية بين المكانين . وصلنا إلى أحد الثوابت بعد استعمال مختلف وسائل النقل الحديثة و الأخرى الغارقة في القدم ، لنجد أنفسنا بعد قضاء أربع ساعات في رحاب قرية شاحبة يقطنها أزيد من 700 نسمة و لا تتوفر حتى على مدرسة ابتدائية بسبب الحسابات الرخيصة لآل المجلس القروي لاثنين الغيات ، فقط يوجد مستوصف يتيم لا يستطيع هزم حتى جرح بسيط ، ذات المستوصف البائس ما كان له أن يكون لولا القلوب الدافئة للراهبات اللواتي مررن بالمنطقة خلال الستينيات من القرن الفائت .

إن المخزن كنظام يؤسس وجوده على شخصنة  العلاقات و الأنساق و التحرر بالتالي من المؤسساتية ، يعبر عن استراتجيته و حضوره بكل وضوح  بأحد الثوابث ، حيث لا حركة و لا سكون إلا بإيعاز من " الشيخ " الذي يجسد النظام المخزني و يحقق امتداده في نسيج هذه القرية المغلوبة على أمرها .

فهذا الشيخ الطاعن في السن و الممثل الشرعي للقايد في تراب الثوابت هو الآمر الناهي في هذه الدويلة الإقطاعية ، و هو الذي يساهم في ترسيخ الهاجس المخزني و إعادة إنتاج صيغ الإقطاع ، عن طريق  " السخرة " و " الفريضة " و " الهدية " و " التويزة الإجبارية "..

لقد أخبرنا مجموع المبحوثين أنهم لا يهابون شخصا في هذا العالم أكثر من الشيخ و زبانيته من المقدمين ، و أنهم يضطرون للعمل " بالسخرة " في حقوله المترامية اتقاء لظلمه و جبروته ، في الثوابت إذن لا كلمة تعلو على كلمة الشيخ و بعدا على كلمة المخزن الغائر في تضاريس الحياة الاجتماعية بالرغم من غيابه المادي من إمكانات هذه الحياة ذاتها ، فالحضور المخزني هنا مجسد من قبل الشيخ فقط ، و لا تلوح بالمرة أية مؤسسة دولتية أخرى خارج المستوصف الذي جاد به عطف الراهبات .هذا ما انكتب في حكايا أحد الثوابت البائسة ، و هذا ما يتواصل إلى حدود اللحظة في تفاصيل المغرب العميق .

الحبة الحرام

في الهامش  تنكشف الحقائق من غير زيف ، في الهامش يلوح الواقع العنيد ملء الانكسار و التشظي ، و يصير ضروريا التحرر من كل حكم مسبق لم يختبر واقعيا ، و في ذات الهامش المفتوح على كل الاحتمالات كان لنا موعد مستمر مع ظواهر و مواقف تستعصي على الفهم ، ففي إحدى الأزقة المتفرعة من حي سيدي عبد الكريم بأسفي ، بدا أن الكثافة السكانية مرتفعة للغاية ، و أن الأطفال قد ملأوا الزقاق عن آخره مع العلم أن مرورنا لم يكن مصادفا لأية عطلة مدرسية تبرر استعمار هؤلاء الصغار لهذا المجال .

قليلة هي الأبواب التي شرعت في وجهنا من هذا الزقاق ، كان الجواب الجاهز الذي يأتينا من وراء الباب " مول الدار ما كاينش "، و حتى الأبواب التي انفتحت بعد لأي فقد فتحتها في وجهنا نساء لا يبدو منهن أي شيء ، حسبنا أنفسنا في دولة أخرى غير المغرب ، لباس أسود داكن و فتحة تكاد تبين تلوح منها عين منقوعة في الهم و الألم " الله يخليك إلا جا راجلي راه غادي ينوض شي صداع " ، تأكدي أيتها السيدة بأننا لا نريد أن نجلب لك أي متاعب ، كل ما نريده هو استقصاء آرائك بخصوص جملة من القضايا " إذن سربي دغيا قبل ما يجي ".

تواترت الأسئلة و انكشف الحزن الغائر في الأعماق ، فالسيدة انفرض عليها فرضا الانخناق وسط ثوب خشن باهت اللون، و انفرض عليها أيضا أن تكون مثل الأرانب لا تنتهي من حمل إلا لتنخرط في آخر ، فقد ولدت لحد ساعة ملء الاستمارة ستة أطفال أكبرهم لم يتعد الثانية عشرة من عمره ، كان من بين الأسئلة سؤال عن استعمال وسائل منع الحمل ، قالت بصدده أن زوجها الفقيه في أمور الدين يقول بأن تلك الحبوب هي حرام حرام ، و كل النساء اللواتي يستعملنها سيدخلن جهنم …

 هذا هو اعتقاده الراسخ ، و هذا ما فرض عليها كرها و قسرا ، مثلما انفرض عليها الانسجان في قفص يقال أنه ذهبي ، استحالت معه إلى آلة بيولوجية تختص في تفريخ أطفال لا مجال أمامهم غير ذات الزقاق النتن ، و الحبة الحرام تتحمل المسؤولية التاريخية في كل ما وقع و ما سيقع .

تركنا الزقاق المتخصص في إصدار فتاوى التحريم و التحقنا مجددا بعوالم أخري تحكي مغربا بالغ التعقيد يحتضن مغارب شتى تتنافر و تتجاور بشكل سوريالي ، فما الحرام ؟ الانتهاء من العمل كآلة بيولوجية ؟ أم تفريخ الإعاقة الاجتماعية ما دام كل وارد جديد هو في البدء و الختام و وفقا لشروط الولادة ، هو مشروع معاق اجتماعي سيساهم بدوره في توسيع خريطة الفقر و لما الإجرام و العنف .

مائة درهم

بالمعاشات قريبا من أسفي كان لنا أكثر من لقاء مع شيب و شباب يشكلون الاستثناء ، ربما الأمر راجع إلى ما يحكى عن هذه القبيلة من حكايا يتداخل فيها الأسطوري و الواقعي، فالمعاشات في المخيال الجمعي القروي يؤشرون على انتماء قبلي يتخصص المتحدرون منه في علاج الحيوان بل و حتى الإنسان الذي أصيب بالسعار ، و بلغة المعاشات فهم يعالجون الحيوان " المجهول " أي المصاب  "بالجهل " ، و أكثر من ذلك فلحم البقرة التي فرط أصحابها فيها إلى ألم بها السقم اللعين ، يأكلونه و لا يحدث لهم أي شيء ، فما هذا هل صرنا بطبنا الشعبي التقليدي أكثر تقدما على آل الشمال الذين ما زالوا لحد الآن يبذلون قصارى الجهود من أجل إيجاد لقاح ناجع لمرض جنون البقر ؟

الأمر إذن يستدعي دراسة أنثروبولوجية معمقة ، و لما استعمالا لمنهج الملاحظة بالمشاركة كما اقترحه مالينوفسكي ، فالظاهرة مثيرة للغاية ،و الانفتاح عليها ستكون له فوائد كثيرة ، لكن ما مطامحنا المعرفية تتحقق دوما ، فالظواهر الاجتماعية تستغرق المرء و تأخذه من  حقل لآخر ، الشيء الذي يجعل كثيرا من الدراسات مجرد مشاريع مؤجلة أو عناوين مكتوبة أسفل المذكرات .

و ما دام حقل المعاشات حابلا بالغرائبي ، فإن إجابات كثير من الشباب المعاشيين ، كانت تحمل كل أوجه الغرابة و العجائبية ، فجوابا عن سؤال يتعلق بالراتب الشهري الذي يريد أن يتقاضاه ، أجاب أحد الشباب المتعلمين بأنه لا يريد أكثر من مائة درهم في الشهر ، أي نعم يريد مائة درهم فقط ، إنه يحلم بهذه الورقة النقدية فقط، يكفيه هذا الراتب البخس لهزم كل إكراهات اليومي المتناسلة بغير انقطاع .

كم هي صغيرة و عادية أحلام الهامش ؟ فقط نريد كساءنا و خبزنا ثلاث مرات كما دعا المسيح يوما ، و لا نريد لا إعادة لتوزيع الثروة من جديد و لا حلولا راديكالية كتلك التي يكتبها آل اليسار النبيل ، هذا هو لسان حال الشباب في تلك المنطقة النائية ، فلماذا نحول بينه وبين ما يحلم به و لو كان عاديا جدا ؟

تبا لنا من باحثين و تبا لنا جميعا من أفراد وطن يئد الأحلام و يبخسها مهما كانت صغيرة و عادية ، ألا يمكن لكل هذه المؤسسات و الهياكل الرسمية و غير الرسمية التي بات يختنق بها المشهد العام ، ألا يمكنها و هي التي تتبجح دوما بالانحياز لللقابعين في الأسفل أن تحقق و لو جزءا ضئيلا من هذه الأحلام العادية  ؟فمتى يحدث ذلك إن جاز لنا أن نحلم مثل المعاشيين بمثل هذه التفاصيل العادية ؟

ضريبة الإصلاح

لما وصلنا إلى الجديدة وجدنا تؤبن ثلاثة من عمال بلديتها رحلوا عن زمنها المعطوب اختناقا بسبب غازات سامة  متسربة من إحدى البالوعات التي كانوا يهمون بإصلاحها ، كانوا يريدون تسليك مجاري المياه و علاجها من الاختناق ، فماتوا بالاختناق ، أهذا هو قدر كل من يريد إصلاح العطب ؟ أن يكون أول مكتو به و أبهى ضحاياه ؟

خرجت المدينة تبكي الراحلين خطأ ، ترفض التلوث الذي يقذفه إليها معمل الخميرة ، و خرج الراكبون على مثل هذه القضايا لتلميع  صورهم و الظهور بمظهر المدافعين عن مصالح الناس ، و قليلون جدا هم الذين تفضلوا بعيادة آل الضحايا و مساندتهم في هذا المصاب الجلل ، حتى البلدية ذاتها لم تعترف بأن الموت يدخل في خانة حادثة الشغل إلا بعد لأي ،  كان بعض جهابذتها يريدون ربط المسألة بعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة . المهم في النهاية الكل يتهرب من المسؤولية و يلقي اللوم على الأقدار و الحظ التعس و سوء الطالع و ظروف الطبيعة ، هكذا نحن ندس الرؤوس في الرمل ، و نتهرب من مواجهة الحقيقة .

لم يكن ممكنا و الحالة هذه أن نحمل أقلامنا و استماراتنا و نتوجه إلى أحياء المدينة، فالكل منشغل بهذا الموت الفجائعي ، انتظرنا بضعة أيام حتى بدأت  المياه تعود إلى مجراها الطبيعي و انطلقنا من جيد نتسكع في مغارب المغرب ، من دور مهددة بالانهيار و أناس شبه ميتين بسبب الفقر و الضياع إلى عوالم من ألف ليلة و ليلة و مواطنين من الدرجة الأولى ، و إلى جماعات منسية و أخرى تعتبر الأولى على صعيد المغرب من حيث مداخيل الميزانية .و على امتداد الرحلة كلها كانت ضريبة الإصلاح تعنف التفكير ، هل كل راغب في إصلاح العطب يكون أول المكتوين بذات العطب ؟

طبعا فالعطب يتمكن من التجذر في المكان الذي يكون فيه ، و بالتالي فهو بآلياته و المستفيدين منه بالدرجة الأولى يرفضون أي وارد جديد و أي راغب في التغيير و الإصلاح ، و منه تنطلق المقاومات ومحاولات الاحتواء و التدجين و ، عندما تفشل صيغ الترغيب و الترهيب الأولية ، تحسم النهاية لصاح الأقوى الذي هو العطب في مجتمع مجبول على العطب ، لهذا تكون ضريبة الإصلاح في الغالب باهظة و مؤلمة بالنسبة لمن يحمل لواء الإصلاح و التغيير . فها العمال المساكين أرادوا إصلاح الاختناق فماتوا اختناقا .

تبا … لقطران الوطن

كان منطلق البحث بالجديدة من الحي البرتغالي ، و بالضبط من أزقة الملاح التي تفوح منها الرطوبة و الفقر ، دور مهددة بالانهيار و برودة فادحة و روائح نتنة تنكشف بالرغم من كل محاولات التجميل و التلميع ، بعيدا عن المسقاة البرتغالية حيث تشتغل جيدا آلية التلميع ، على اعتبار أن السياح يقصدون المكان ، بعيدا عن الواجهة التي تعطي الانطباع بأننا في مدينة تاريخية مدللة ، كانت الحياة تبدو مختلفة هناك في الأزقة العميقة ، حيث يتعالى صوت الانحراف و الضياع المجتمعي ، سياسة التلميع لا تجدي نفعا في الهامش المنسي ، الكل هنا ينفضح أمره و تتساقط أقنعته ، و الكل هنا منقوع في اليأس و الانهيار ، جدران آيلة للسقوط و إنسان آيل بدوره للسقوط و مقبل على الانقراض ، و وطن لم يعد يؤمن به أحد.

انطلقت عملية ملء الاستمارات مع شباب لا يحمل في أعماقه إلا الهجرة نحو الضفة الأخرى ، هي فعلة البطالة من غير شك ، الكل هنا عاف قطران الوطن ، و صار يحلم بكل امتلاء بعسل الضفة الأخرى ، المثل الشعبي الدارج إياه " قطران بلادي و لا عسل البلدان " ، ما عادت له من جاذبية أو قوة إقناعية . الكثيرون تبرموا من الإجابة عن أسئلة الاستمارة و اختزلوا مجمل القول في الرغبة الجامحة في الحريك .  

عدوى الحريك لم تعد حكرا على مدن الشمال و الجنوب ، كل المدن المغربية صارت سواء الكل يهفو إلى التحرر من قطران الوطن بأي الطرق المكنة و المستحيلة ، و ليس الشباب وحدهم الذين يحلمون بذات الأمر ، أطفال في عمر الزهور و كهول في خريف العمر ، جميعهم يداعب حلم الضفة الأخرى صباحهم و مساءهم الحزين .

على السور المطل على البحر أخبرنا شاب لا يحمل من الشباب إلا الاسم و الانتماء الجيلي ، بأنه يحلم بإصلاح عطب السفينة الراسية قبالة الجديدة ، لكي يمخر بها عباب المحيط ، ذات السفينة التي قادها مصيرها الغامض نحو شاطئ الجديدة اغتنى الكثيرون من شحنة الخشب الذي كانت تحمله ، في حين ظل شباب المدينة يدمنون الحلم بإصلاح عطبها ، كي يتركوا وطنا لا يحرض على صناعة الحياة. "فتبا لقطران الوطن و أهلا بعسل الضفاف الأخرى" ، هذا هو لسان حال الكثيرين من الشباب في مدينة يختنق فيه من يود إصلاح العطب .

تطبيع بقوة الفقر

قادنا التسكع العشوائي بين دروب الملاح إلى دار كبيرة يبدو أن لها تاريخا عميق يفوق بكثير حدود المتوقع ، فناء واسع في البدء و طابق أرضي مكون من عدد من البيوت ، و طابق علوي يحتضن غرفا أخرى كبيرة الحجم ، في كل غرفة تقطن عائلة مكونة من أكثر من ستة أفراد ، هناك البحارة و الباعة المتجولون و باعة المخدرات و العاهرات أيضا ، الكل متعايش هنا في هذا الفضاء ، الكل يقدس الاختلاف و يحترم حرية الآخر ، ربما يقدم هذا البيت الذي أخبرني أحدهم أنه كان يوما مقرا للقنصليات الأجنبية أيام الحضور البرتغالي ، ربما يقدم دليلا قويا على حوار الحضارات و الديانات و الثقافات و ما إلى ذلك من المفاهيم التي غذت مبتذلة من كثرة الاستعمال و التوظيف المجاني ، بل إنه يقدم أيضا نموذجا استثنائيا للتطبيع ، كيف ذلك ؟

في وسط الفناء ما زالت هناك جدارية مكتوبة باللغة العبرية ، لا أحد من آل البيت يعرف حقيقتها ، سألناهم بغير قليل من البراءة عن المكتوب فيها و بأية لغة ، الكثيرون منهم أجابوا بأنها باللغة الإنجليزية و هم بالكاد يعرفون العربية ، بعضهم أمضى طويلا في الشرح ، و قال بأنها دعاء صالح لطرد الأرواح الشريرة و الحماية من العين . ألا لعنة الرب عليك أيها الفقر المقيت ، الناس هنا ينفرض عليهم التطبيع مع من يغتصب الديار و يسومنا سوء التنكيل و الاحتلال ، و كل ذلك بقوة الحاجة لا غير .

أينك يا وزارة الثقافة ؟ ألست وصية على المآثر و المباني التاريخية ؟ألا ينبغي ترميم هذه الدار و البحث في حقيقتها ؟ و أينكم أيها المهرولون وراء التطبيع و حوار الحضارات و الديانات و الثقافات ؟ أينكم يا من لا تملون من إنتاج المفاهيم و الشعارات ؟

ها التطبيع الذي تحلمون به يتم من غير إقناع ديماغوجي و لا تطبيل سياسي ، إنه تطبيع بقوة الفقر ، أفلا يستحق هؤلاء المطبعون الفقراء جانبا من اهتمامكم ، ألا يستحقون دورا غير مهددة بالانهيار و حياة جديرة بالحياة ؟ أم أنهم مواطنون من الدرجة الثانية لا يستحقون و لو ثانية واحدة من أجندة مواعيدكم الملأى بسهرات عروض الأزياء و حملات التبرعات و بيع التحف و تلميع الأحذية …؟؟؟؟

تحت الصفر

من غرائب الرحلة أننا نزور جماعات قروية تحت الصفر ، أي أنها من ناحية الموارد و الإمكانيات المادية تصنف في خانة الجماعات الفقيرة ، و بالطبع ففقر هذه الجماعات ينكشف بمجرد وطء ترابها ، لكن عندما نلج مقرات هذه الجماعات لا يلوح أمامنا أي دليل على تصنيفها ضمن خانة الفقر و التهميش .

فالمقر باذخ الثراء و الأرضية رخامية و الأبواب مغلفة بالجلد الحقيقي و مكتب الرئيس أو القائد تحديدا يضاهي مكتب الوزير ، فأين هو هذا الفقر الذي تعلنه الجماعة في كل دوراتها ، لقد زرنا أزيد من عشرين جماعة حضرية و قروية في الجهة ، أغلبها يندرج في زمرة الجماعات الفقيرة ، لكننا كلما ولجنا المقرات إلا و لاح لنا الغنى الفاحش ، زرابي مخملية و مكاتب غالية الثمن و كراسي لا تتوفر إلا للوزراء ، فلماذا كل هذا الإنفاق غير المبرر .و فوق ذلك كله بنايات تبدو معزولة تماما عن فضائها المنقوع في الفقر و الضياع . فما معنى أن يتنافس  كل الرؤساء بجماعة تحت الصفر على بناء الباب الخارجي للجماعة؟ ، فكل رئيس جديد يقوم بهدم الواجهة الأمامية لمقر الجماعة و يتفنن في بناء واجهة جديدة ، ليأتي رئيس آخر بعد انصرام ولايته ليهدم الحصيلة و ينخرط من جديد في بناء باب جديد ، ما هذا العبث ؟

مفارقات عجائبية في المغرب العميق ، أناس تحت الصفر يصطلون بسعير الفاقة و الألم و جماعات قروية أوجدت أساسا لخدمتهم ، تتعملق بعيدا منهم بمعمارها الباذخ و مصاريفها الخيالية .

في إحدى الجماعات المعنية برحلتنا حسبنا أنفسنا في مكتب أحد الوزراء بسبب ما يحويه هذا المكتب من تحف فنية و تجهيزات مكتبية تبدو مكلفة للغاية ، خيل إلينا في البدء أن هذه الجماعة ترفل في النعيم ،و ذلك بالنظر إلى خطاب الارتياح و لغة الخشب التي تقيأها أمامنا حضرة الرئيس ، لكن بمجرد ما برحنا مكتبه المخملي اكشف الزيف و بدا واضحا أن الجماعة بسكانها تعيش تحت عتبة الفقر، و أنها تدمن الحزن على الدوام بسب تخصص كل الرؤساء الذين تعاقبوا عليها في استبدال المكاتب و تغيير واجهة المقر . و اللهم لا عجب في وطن لا يكتمل إلا في أحلامنا الصغيرة التي قدر لها أن تظل موقوفة التنفيذ .

يتبع

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين