الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري ليومية المنعطف
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 23 سبتمبر 2008 الساعة: 10:47 ص
الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري ليومية المنعطف
أجرى الحوار: مصطفى السباعي
الحركات الاحتجاجية بالمغرب
مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي
1- أصدرتم مؤخرا كتابا تحت عنوان ” الحركات الاحتجاجية بالمغرب، مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي” هل فعلا تشكل هذه الاحتجاجات مقدمات سخط شعبي؟
لعل أهم متغير في سجل الاحتجاجات المغربية هو الاتساع الكمي و النوعي، فالنفس الاحتجاجي لم يعد حكرا على الهزات الاجتماعية الكبرى و لا على المناطق الحضرية و على المناسبات العالمية كفاتح ماي مثلا، بل صار ملحوظا بقوة في مختلف تفاصيل المشهد المجتمعي، و حتى في تلك المجالات التي كانت ممنوعة من تصريف فعلها الرافض لمنطق النسق، إذ نجده في المغرب العميق، كما نجده ممارسا من قبل الجنود. فلم يعد عسيرا جدا أن “نلاحظ شمول المطالبة الاجتماعية للمجتمع برمته..و انتشار الإضرابات حتى في المراكز النائية من البادية ، فهذا التطور في النزاعات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة مثقل بالدلالات”.
إن الأمر متعلق في هذا المستوى باتساع كمي يسجله ارتفاع الطلب الاجتماعي و شساعة الحركة الاحتجاجية و انتقالها إلى مختلف المجالات و الجماعات و الأفراد، ومتعلق أيضا باتساع نوعي يتمثل في ثراء الثقافة المطلبية و تنوعها، و خروجها في لحظات دالة عن المطلب السوسيواقتصادي. فثمة حركات احتجاجية تطالب آنا بالحق في الإعلام التلفزي، و أخرى بالحق في الجنسانية المثلية، فضلا عن التنوع المطلبي التنموي، فلم تعد الاحتجاجات مرتبطة حصريا بالزيادة في الأسعار، و إنما غدت مطالبة بتحسين الخدمات الصحية و محو علامات التهميش الاجتماعي و السياسي كما حدث بطاطا سنة 2005، أو تطالب بالضبط الأمني و حماية المجال من ارتفاع الإجرام كما حدث بأيت أورير من ذات السنة. إن ما يحدث آنا في تفاصيل المجتمع المغربي يمكن قراءته كمؤشرات للاحتقان و مقدمات للسخط الشعبي، ما يلم يصخ صناع القرار السمع جيدا لآهات المسحوقين و زفرات الساخطين.
2- ماهو المضمر في ظاهر هذه الاحتجاجات؟
إن الممارسة الاحتجاجية في أصلها ممارسة ضد نظامية، لأنها تنهجس قبلا و بعدا بتغيير القائم من الأوضاع، و لهذا من الطبيعي أن يكون ولاؤها لليسار، و إلى كل ما له علاقة بالتغيير الجذري، فالتيارات اليسارية تعتبر كل حركة احتجاجية وليدة شرعية لنضالها و صراعها السياسي، لهذا تهرع إلى احتضانها و دعمها رمزيا و ماديا، “فالحركات الاجتماعية هي سلوكات تنازعية موجهة ثقافيا” و سياسيا، في اتجاه التغيير و الخروج على ما هو قائم و مكرس من الأوضاع، فالحركة الاحتجاجية وفقا لأبسط فهم هي “جهود تهدف إلى تغيير أو مقاومة تغيير”، وسواء في حالات مطلب التغيير أو مقاومة التغيير، فإن هذه الحركات تظل دوما مصطبغة بالتوجه الراديكالي الذي يتعارض ضديا مع مصالح و أهداف مالكي وسائل الإنتاج و الإكراه، فالاحتجاج في جميع هذه الحالات يتأسس على الرفض و المعارضة الصريحة لما هو مكرس أو غير مكرس من أوضاع، إنه فعل للمطالبة بالتغيير أو مقاومة التغيير، الشيء الذي يجعله ممارسة ضد نظامية ترمي إلى إعادة كتابة تاريخ النسق و علاقاته السوسيوسياسية وفق خطاطة مغايرة قد لا تكون في صالح من يملك أكثر. و هذا البعد المضاد هو ما يعطي لفكرة الصراع السياسي معنى واقعيا ” يكشف بذاته عن ضرورة التغيير في العلاقات الاجتماعية “و السياسية التي تعتمل داخل النسق، فليس غريبا أن تكون أكثر الحركات الاحتجاجية قادمة من دنيا اليسار إن فكرا أو ممارسة، و بتوجيه قبلي أو احتضان بعدي.
3- في سياق متابعتكم للانتفاضات الاجتماعية التي يعرفها المغرب منذ بداية القرن، برأيكم ماهي أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين انتفاضات القرن الماضي؟
إن التأمل النقدي لمسارات انبناء احتجاجات مغرب القرنين التاسع عشر و العشرين فضلا عن الموجات الجديدة من الاحتجاج في فجر هذه الألفية، سينتهي لا محالة إلى مأزق تصنيفي آخر، على غرار مأزق التصنيف الفئوي الذي اختبرناه في الفصل الثاني من هذه الدراسة، فالشروط المولدة للاحتجاج تظل مرتبطة بلحظتها التاريخية، و نقطة الصفر في اندلاع الموقف الاحتجاجي، تظل بدورها مختلفة من زمن لآخر، و من ممارسة لأخرى. ذلك أنه لا توجد خطاطة جاهزة و نمطية لسوسيولوجيا الاحتجاج المغربي، فحينا يكون الاحتجاج بجينات سوسيواقتصادية و حينا آخر يكون بلبوس سياسية، و في مناسبات أخرى يكون خارجا من رحم البعد الثقافي أو الديني، و في أوقات أخرى يندلع بشكل عفوي، و بغير سبب واضح المعالم.
لكن و بالرغم من تعذر بناء تلك الخطاطة، فإن ذلك لا يمنع من استقراء أقوى لحظات الاحتجاج المغربي و اكتشاف شروط إنتاجها، ففي زمن السيبة و الانتفاضات يمكن تخمين الإجابات المحتملة لانبناء الحركات الاحتجاجية و أشكال تصريفها لمفعولها و مضمونها في النسق المجتمعي، و على درب هذه المتابعة يمكن توزيع شروط إنتاج الحركة الاحتجاجية بالمغرب إلى الأزمة البنيوية و الصراع السياسي و العامل الاجتماعي فضلا عن رهانات التفريغ و التعويض الرمزي.
4- ماذا تقصدون بالأزمة البنيوية كشرط مؤسس للاحتجاج بالمغرب؟
تسجل الاحتجاجات أقوى حضور لها في ظل أزمات بنيوية تعتري النسق المجتمعي، فثمة علاقة واضحة بين ظهور الحركات الاحتجاجية و بين ” وعي عام بأن المجتمع يواجه مشاكل اجتماعية و اقتصادية و أوضاعا سلبية كبيرة ، و لكن دون كفاءة على حلها “. و هو ما يعبر عن الأزمة البنيوية. فانتفاضة مارس 1965، ما هي إلا نتيجة موضوعية لأزمة بنيوية انخرط فيها حينئذ النظام السياسي المغربي، و عجز عن تدبيرها و التحكم في مخرجاتها و مدخلاتها بأقل الخسائر الممكنة و أكثر وسائل الاحتواء فاعلية.
فالصراع الدائر بين القصر و الجيش و الأحزاب، و البحث المستمر لكل طرف عن مزيد من المشروعية للتحكم في صناعة القرار، أفرز تباينا في الرؤى و الاستراتيجيات، مثلما أنتج صراعا حاول فيه كل طرف أن ينتهي من الآخر باستثمار مختلف آليات العنف و العنف المضاد، و هو ما أدى نهاية إلى تعميق الأزمة و تجذيرها في مختلف مناحي و حقول النسق، الشيء الذي ساهم في تأجيج التوتر و تقوية عناصر الصراع، بحيث كانت مذكرة وزارية كافية لإشعال فتيل التمرد و الاحتجاج .
إن النظام السياسي المغربي خلال زمن الستينات بدا مأزوما للغاية، و لعل هذا ما جعل الاحتجاج يظهر بشكل عنيف و عفوي، و يقابل أيضا من طرف صناع القرار بردود أكثر عنفا و ضراوة. فالحركات الاحتجاجية هي نتاج موضوعي لمناخ من الأزمة البنيوية، تتكثف على إثرها الأحداث و تترسب عبرها السلوكات و الخطابات التي تمهد لانبناء علاقات معطوبة بين الفاعلين في النسق، تنتهي ختاما بالتعارض و العنف و العنف المضاد.
إن الأزمة البنيوية تعبر عن درجة متقدمة من العطب و الاختلال، يعسر معها الضبط التام لكافة تفاصيل الحياة المجتمعية، مما يقوي من احتمالات الخروج عن طوع السائد، و يؤسس بالتالي لاحتمالات التوتر و الاحتقان، فالأنساق التي يعتورها العطب القديم، تكون مرشحة للاختلال و اللاتوازن، و لهذا يفهم كيف يرتبط واقع السيبة بفترات الأزمة التي تكون انتقالا معيبا للحكم أو تراخيا لمؤسسات الضبط أو اختلالا مباشرا في تدبيرها لحقول النسق.
5- ثمة عامل آخر منتج للفعل للاحتجاجي يتوزع على الصراع أليس كذلك؟
في مستوى آخر من القراءة تظهر القرارات المخزنية كعنصر حاسم في إنتاج السلوك الاحتجاجي، ففي أعقاب أي قرار ممهور من طرف السلطة المركزية أو ممثليها، و يكون متعارضا مع مصالح الفاعلين في النسق، يجد المتضررون من ذات القرار أنفسهم محتجين و متظاهرين و مقتصين لمصالحهم، و هو ما تكرر كثيرا في مغرب القرن التاسع عشر، فعيطة بنيس بمدينة فاس كانت ردا مباشرا على تراجع المخزن عن إلغاء المكس الذي أرهق كاهل الدباغين، فبمجرد حدوث البيعة خرج أمين الأمناء بنيس يبغي جمع المكس، و هو ما اعتبر نقضا لسابق اتفاق و تعاقد رمزي بين المخزن و الدباغين، فما كان من خيار أمام المتضررين إلا الاحتجاج و نهب دار بنيس و محاولة قتله.
كما أن القرار المخزني القاضي بإلغاء السوق الجديد الذي أقامه حرفيو مراكش، كان سببا مباشرا في اندلاع ثورتهم التي لم تنته إلا بالتفاوض مع متزعمها الإسكافي لحسن سلام و تصفيته بعدئذ، مثلما كانت قرارات أخرى مساهمة بدرجة معينة في تقوية مؤشرات السلوك الاحتجاجي و تصريفه في أشكال متعددة تحتمل عنفا مضادا لعنف سابق عليه. ، مما يعني أن الفعل الاحتجاجي هو رد فعل مباشر على فعل سابق عليه، يوازيه أو يفوقه في درجة العنف المضمر و المعلن، و النتيجة أفعال و ردود أفعال تنكشف في قرارات مالكي وسائل الإنتاج و الإكراه المنتجة للحنق و الموجبة للرفض من جهة، و السلوكات الاحتجاجية التي ينخرط فيها الأفراد و الجماعات أملا في التغيير و التجاوز، ليستمر الفعل بالضرورة في إنتاج رد فعله الممكن ، كما أن الحركات الاحتجاجية تنتج في الزمن المغربي بفعل التوظيفات السياسية في إطار صراعات النسق، فثمة حركات بعينها، ما كان لها أن تندلع لولا رهان التوظيف السياسي، كعنصر حاسم في سيرورة الانبناء و الإنتاج، فانتفاضة مارس 1965 ما هي إلا نتيجة موضوعية لسلسة من الإخفاقات و الصراعات السياسية التي بصمت علاقة القصر بأحزاب المعارضة و جيش التحرير، فيكفي أن نعرف أنها جاءت في أعقاب الإقالة المفاجئة لحكومة عبد الله إبراهيم و إنهاء حركة شيخ العرب فضلا عن وصول التوتر و القمع إلى أقصى درجاته، ، إنها بهذا المعنى انتفاضة تمتح من الصراع الدائر بين القصر و المعارضة، و تعد ” تعبيرا عن رفض حالة الاستثناء ( التي ستعلن في يونيو 1965)، و هي بذلك محركة من طرف القوى السياسية التي تم على حسابها الإعلان عن حالة الاستثناء”. فالاحتجاجات تتنامى في المجالات التي يحتدم فيها الصراع و الاحتقان، و لا يجد الطريق الأنسب و السوي لتصريف حمولاته و شحناته،” فمع تزايد أعمال العنف و القهر الحكومي، تتزايد أعمال العنف و الاحتجاج غير الرسمي”.
في حركة 14 دجنبر 1990 أيضا، يلاحظ أن عامل الصراع السياسي كان محركا لهذه الحركة التي جاءت في عز الجفاء السياسي الذي كان عنوانا، لزمن طويل، لعلاقة القصر بالأحزاب اليسارية و بعض المركزيات النقابية التي كانت قد عبرت عن نيتها في تنفيذ إضراب عام، و هو ما تم تسويقه على نطاق واسع بواسطة جرائد المعارضة. فالاحتجاج يكون انعكاسا و امتدادا لصراعات الحقل السياسي، بل إنه يصير الأسلوب الأكثر فعالية بالنسبة لأطراف الصراع، من غير صناع القرار طبعا، للتعبير عن مضمون صراعهم و معارضتهم، و لعل هذا ما يجعل الأحزاب و النقابات تسعى دوما لاحتضان الفعل الاحتجاجي و استعماله كرأسمال رمزي في تقوية الحضور داخل النسق.
6- لكن الملاحظ أن العامل الاجتماعي يظل الأكثر حيوية في تفسير السلوك الاحتجاجي مغربيا؟
يظل هذا العامل من أكثر العوامل وجاهة في تفسير السلوك الاحتجاجي بالمغرب، فأغلب الحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب، كانت بسبب وطأة الظروف المعيشية و عسر التكيف معها، فمن أعماق الهامش المقصي تنطلق الشرارات الأولى للسلوك الاحتجاجي،” فمن هوامش المدن أو من الضواحي الحمراءكما يقول شامبار دو لوي ،تنطلق هذه الاحتجاجات، باعتبارها المجالات التي تأوي من لا يملكون وسائل الإنتاج و الإكراه.
فالزيادة في أثمان المواد الاستهلاكية الأساسية، كانت عنصرا حاسما في صناعة انتفاضات 1981و 1984 و 1990، و قبلها حركات التمرد و السيبة، فأمام توالي سنوات الجفاف و تعذر الوفاء بالكلف المخزنية تخرج القبائل من مجال الطاعة إلى مجال البيعة، خصوصا في لحظات الضعف التي تطرأ على السلطة المخزنية جراء انتقال في الحكم أو صراع حول إدارة دفته.
فأغلب حركات التمرد و الاحتجاج كانت تقع في زمن العسر و الجفاف، فالاحتجاج المغربي يكون في كثير من ظواهره بقوة الفقر و التهميش، بل إن أكثر الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم العربي كانت من أجل الخبز ، و من أجل تحسين ظروف المعيشة و إقرار العدالة الاجتماعية ، ” و لذلك يظهر أن هناك ارتباط مزدوج بين انفجار الانتفاضات و إعادة النظر في سياسة دعم القدرة الشرائية الشعبية”.
و يجد العامل السوسيواقتصادي وجاهته أكثر في الانحدارات الاجتماعية للمشاركين في أقوى الانتفاضات و التمردات، و كذا أماكن اندلاعها، فهم في الغالب يتحدرون من هوامش المدن أو من القرى، و ينتمون إلى أقل الفئات دخلا و أكثرها فقرا ، كما أن المجال البنائي للانتفاضة يكون في الغالب من أحياء الصفيح و السكن العشوائي أو بصفوة القول من المجالات التي أخطأتها مشاريع التنمية.
يمكن التعبير عن هذا الملمح بإعادة طرح سؤال البدء من جديد، فلماذا يحتج المغاربة؟ و ما الدافع المركزي الذي يجعلهم يخرجون متظاهرين و مطالبين بالتغيير؟ هناك أكثر من سبب وجيه يحضر في تفسير شرط انبناء الفعل الاحتجاجي بالمغرب، لكن بالرغم من ذلك يظل الشرط الاجتماعي من أكثر الشروط قوة في إنتاج الاحتجاج. فعندما تضرب القدرة الشرائية و ترتفع أسعار المواد الأساسية، و يتعذر الوصول إلى الماء الشروب و يتأكد بالملموس أن التنمية البشرية أخطأت طريقها إليهم ، حينئذ يخرج المغاربة محتجين بمختلف الأشكال و الممارسات معبرين عن امتعاضهم و مطالبين بالتغيير
و لهذا يفهم كيف أن السؤال الاجتماعي كان، و سيظل، من أكبر الأسئلة التي تؤرق بال الفاعل السياسي، إنه سؤال مفتوح على كل الرهانات، و مفتاح لكل الاحتمالات، و اعتباره رقما أساسا في معادلات التحرك و الاشتغال أمر لا مندوحة عنه، فكل مكونات النسق السياسي تراهن على “الاجتماعي”، و تجعله الهدف الأقصى لممارساتها و خطاباتها. خصوصا و أن الذاكرة الاحتجاجية في العالم العربي أساسا تؤكد أن أكثر الأحداث عنقا و مواجهة بين السلطة الحاكمة و الجماهير، كانت على خلفية دواع اجتماعية،
7- ألا يمكن اعتبار هذه الحركات الاحتجاجية كتنفيس اجتماعي عن مجمل السخط؟
من مقترب آخر يمكن تمثل السلوك الاحتجاجي بالمغرب كمناسبة لتفريغ المكبوت السياسي، و الاقتصاص من المسؤولين عن تفاقم المشكلة الموجبة للاحتجاج، و لو بصيغة رمزية،” فالقوى التي لم تستفد من عوائد التنمية، أو تلك التي تستشعر أنها استفادت ، أقل مما كانت تتوقع أو أقل من حجم تضحياتها و مساهماتها في هذه العملية ، قد تلجأ إلى ممارسة العنف للاحتجاج على النظام القائم باعتباره المسؤول عن عملية التوزيع”، إن الأمر أشبه ما يكون بانتقام من التقسيم غير الطبيعي للعوائد التنموية، على اعتبار أن ” الحركات الاجتماعية تتحرك وفقا لتطور خطي من الشعور بالغضب إلى فعل احتجاجي للجماهير”،و لو بهدف التفريغ و التعويض الرمزي عن المفتقد و المغتصب خطأ و كرها. “فالتجمع يولد إحساسا بالقوة والعنف و اللامسؤولية، فالتجمع يجعل عدوانية بعض الأفراد المقموعة عادة، تنفلت من قيودها، إنه يخلق ويحرر، في نفس الوقت، التوترات المتراكمة الناتجة عن خنق الطاقات الفردية والجماعية”.
و لهذا يلاحظ كيف تتحول شعارات مسيرة للتضامن مع الشعبين الفلسطيني و العراقي إلى انتقادات لاذعة لعمل الحكومة، و كيف تتحول التشجيعات أثناء متابعة مباراة رياضية إلى التعبير عن الغضب الشعبي من انسداد آفاق الشغل و عسر الحال. إن الاحتجاج المغربي بهذا المعنى يعد فرصة لتفريغ المكبوت السياسي، فالانضواء في الجماعة يساعد الفرد على امتلاك مزيد من الجرأة كما يؤكد غوستاف لوبون في سيكولوجية الجماهير، و هذه الجرأة الزائدة تمكن من تصريف الشحنات المكبوتة بفعل القمع أو الخوف، خصوصا في ظل الأنظمة الاستبدادية، و منه يتحول الموقف الاحتجاجي في كثير من الأحيان إلى فضاء للتفريغ السيكولوجي أكثر من فضاء للمطالبة بالتغيير.
هذه أبرز الأسباب الثاوية وراء اندلاع الحركات الاحتجاجية في المتن المغربي، و هي عوامل لا تشتغل دوما في انفصال تام عن بعضها البعض، بل تحضر بشكل جمعي أو جزئي، لتساهم في عمليات الإنتاج و إعادة الإنتاج. و الواقع أن المساءلة المستمرة للفعل الاحتجاجي بالمغرب تكشف هذا التأرجح بين الحضور الجزئي أو الجمعي لهذه العوامل، فإذا كان هناك من انتفاضات و تمردات و ثورات قد نتجت عن سبب واحد مباشر، فثمة حركات أخرى تضافرت عدة عوامل في إنتاجها و تجذيرها، بل إن فرضية السبب الوحيد تظل الأقل بروزا في تفسير السلوك الاحتجاجي المغربي.
8-كيف يمكن فهم تنامي هذه الانتفاضات من خارج النقابات والأحزاب السياسية؟ وعلى ماذا يؤشر ذلك؟
نلاحظ أن النخب بالمغرب تظل أكثر ابتعادا عن الاحتجاجات الاجتماعية، و لا تسجل حضورها في الفضاء العمومي تعبيرا عن الاحتجاج إلا في اللحظات التي تفترض ذلك، و لاعتبارات مصالحية بالأساس، لا تنأى عن تقوية الرأسمال الرمزي و تدعيم أسهم المشروعية، و لهذا يمكن ملاحظة محدودية، إن لم نقل، انعدام اللحظات التي تكون فيها النخب السياسيةفي واجهة الاحتجاج، مما يؤكد أن الممارسة الاحتجاجية بالمغرب هي ممارسة جماهيرية مرتبطة بالقاع الاجتماعي في أكثر تمظهراتها، بحيث تظل الاحتجاجات النخبوية محدودة جدا، و مقتصرة على اللحظات التاريخية المرتبطة بهواجس تقوية الرأسمال الرمزي و شرعنة الوجود و الانتماء إلى صف الدفاع عن مصالح الذين هم تحت. فقليلة هي اللحظات التي تحتج فيها النخب و تنزل إلى الشارع تضامنا مع حركات المعطلين أو مناهضي غلاء المعيشة، و قليلة هي النخب السياسية التي تسجل حضورها في مثل هذه المناسبات، في حين تكتفي الغالبية العظمى من قادة الأحزاب و النقابات في الظل تنتظر مناسبات أخرى لا يحتمل فيها اللجوء إلى طلب خدمات الأجهزة الأمنية و لا تكون متعارضة مع مصالح الدولة، للخروج و تصدر الصفوف الأولى، ثمة طلاق بائن إذا بالمغرب بين قسم كبير من النخب و الاحتجاج الاجتماعي المنتصر للهامش أولا و أخيرا.
6- بنظركم كباحث في الحقل الاجتماعي ما هي حدود آفاق هذه الانتفاضات؟
إن الإخفاق مثلا و الخفوت السريع للحركات الاحتجاجية ظل ملازما لكثير من التجارب الرافضة للأوضاع القائمة، و قليلة هي المناسبات التي استطاعت فيها هذه الحركات أن تغير مجريات الأحداث و تصوغها لصاح مطالبها، فهل الأمر يتعلق بقوة الطرف الآخر الذي يتوجه إليه الاحتجاج؟ أم أن الأمر متصل ببساطة بالضعف الإيديولوجي و التنظيمي للاحتجاج نفسه، على اعتبار أنه خارج من رحم العفوية و مرتبط بالتفريغ السيكولوجي أكثر من مطلب التغيير و التجاوز؟
إن سؤال الإخفاق و الخبو السريع يظل من أكثر الملامح ثباتا في اشتغال الحركات الاحتجاجية بالمغرب، فما أن تندلع الانتفاضة، حتى تنتهي سريعا، و من غير الوصول إلى الهدف المنشود، و ما أن تنظم الوقفة الاحتجاجية أو يتم قطع الكيلومترات الأولى من مسيرة المشي على الأقدام حتى تنتهي الحركة الاحتجاجية و تصير منتمية إلى الفائت و المفتقد، و دون أن يتم تحقيق المأمول و المحتج بشأنه. ذلك أن القنوات التفاوضية أو القمعية أو التنموية سرعان ما يتم العمل بها في مواجهة أي خروج جماهيري، و إذا كانت السنوات الأخيرة قد شهدت اتساعا في الاعتماد على أسلوبي التفاوض و الجواب التنموي، و لو بشكل تكتيكي ، فإن العقود السابقة كانت تضمن للدولة استعمالا سعيدا لخدمات الأجهزة الأمنية بما فيها الجيش و مدرعاته و ذخيرته الحية لا المطاطية.
إن هذا الخفوت السريع للحركة الاحتجاجية هو ما يعيق مسألة الانتقال إلى مستوى الحركة الاجتماعية كممارسة قادرة على تدبير أعطابها و اتساقاتها وفق منظور زمني طويل موسوم بالتنظيم و وضوح الرؤية و الأهداف، ثمة عسر ذاتي و موضوعي يجعل من الحركات الاحتجاجية مجرد ممارسة محدودة في الزمان و المكان، لا ينكتب لها دوما الانتشار المجالي أو الزمني، ” فالاضطرابات و الانتفاضات الثورية تستنزف طاقتها بسرعة” فغالبا ما يتم تطويق الانتفاضة و إبطال مفعولها، إما باللجوء إلى خدمات الأجهزة الأمنية أو باستثمار الأدوات الإيديولوجية التي تتمثل في فتح قنوات التفاوض و الحوار و الاستجابة الجزئية لبعض المطالب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























