ظاهرة الشغب بالملاعب الرياضية
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 11 أكتوبر 2008 الساعة: 16:03 م
شغب رياضي أم احتجاج اجتماعي؟
عبد الرحيم العطري+
“جينا و جبنا معانا لي فوميجين..و علا الروبلا معولين”، “الحوكوما تعرفنا..و يا البوليس دير بالك منا”، “جمهور المكانة.. طلعات ليه الكانة”، إنها نماذج من شعارات غاضبة لشباب و مراهقين يصرون على تشجيع فرقهم المفضلة أو الاحتجاج على هزيمتها، بالارتكان إلى ثقافة الشغب.
ففي مباراة ديربي البيضاء التي جمعت بين فريقي الرجاء و الوداد يوم 20 أكتوبر 2007 لاحت ممكنات العنف و العنف المضاد، في شكل تخريب و حرق للممتلكات الخاصة و العمومية، و هو ما أفضى إلى خسائر جمة و اعتقال نحو 37 شخصا على خلفية هذه الأحداث التي كانت صناعة مغربية خلال العديد من المنافسات الرياضية التي عرفتها السنوات الأخيرة. هذا فضلا عن رحيل أطفال في عمر الزهور نتيجة هذه الأحداث.
فكيف نقرأ سوسيولوجيا ظاهرة الشغب في الملاعب الرياضية؟ و كيف نفهم و نتفهم البدء و الامتداد في اشتغالها و انطراحها؟ فما هي هوية آل الشغب الرياضي؟ و هل يتعلق الأمر قبلا و بعدا بشغب مغربي فائق الخصوصية؟ و كيف يتأتى التجاوز عن طريق صياغة مناخ رياضي سوي تنتفي من جنباته حالات العنف و العنف المضاد؟
محاولة في التأطير
لكن قبل الانطلاق في تفكيك هذه الأسئلة يتوجب علينا في البدء أن نحسم في المفهوم، ليس من باب الترف الفكري، و إنما لضرورة منهجية صرفة، فما الذي نقصده تحديدا بالشغب؟ و ما الذي لا يدخل في خانة هذا التوصيف؟ و كيف كان بدايات الشغب محليا و دوليا؟
كانت الرياضة، و كان العنف مصاحبا لها في كثير من اللحظات التاريخية، بدءا من اليونان، و مرورا بالقرون الوسطى، و انتهاء بتنظيم منافسات كرة القدم، التي ستصير اللعبة الجماهيرية الأولى في العالم، و كيف لا يكون العنف مصاحبا للرياضة، و هي تتأسس قبلا على ” تنظيم العنف”، فالرياضة تحيل في أبسط تعريفاتها على تنافس مشروع يتوسل بالقوة لتأمين الانتصار، إنها تبدو، كما الانتخابات، كحروب سلمية لتحقيق الامتياز و الفوز.
ففي كل تجمع بشري، يكون العنف محتملا، بسبب تباين الرؤى و المواقف و الانتماءات. لكن في منتصف ثمانينيات القرن الفائت، سيصير العنف مكونا باصما للفرجة الرياضية، و ستلوح في الأفق ظاهرة الشغب من على مدرجات الملاعب الرياضية، ففي التاسع و العشرين من ماي 1985، سيشهد ملعب “هيزل” أحداث شغب فائقة الخطورة كانت من توقيع مشجعي فريقي ليفربول و جيفنتوس بمناسبة نهائي الكأس الأوربية،و هي الأحداث التي ذهب ضحيتها 39 شخصا. و ليصر بعدئذ توصيف الهوليغانز دالا على ممارسي الشغب الرياضي.
فالهوليغانيزم Hooliganism يؤشر في اللغة الإنجليزية على الشغب و الفوضى، و هو مفهوم بدأ يردد على نطاق واسع بدءا من ستينيات القرن الفائت من طرف وسائل الإعلام، للتأشير على حالات الفوضى التي تعقب الهزائم أو الانتصارات التي تعرفها مباريات كرة القدم، و هكذا و بسبب استحالة مثيري الشغب Troublemakers أو Hooligans إلى رقم أساس في فهم السلوك الفرجوي و دينامية الحشود و الجماهير، فإن الأنظار العلمية ستتجه مباشرة إليهم في محاولة لفهم دواعي الشغب و جذوره الأولية، خصوصا و أن ظاهرة الشغب ستعرف انزياحات متوالية عن متنها الأصلي، و ذلك بدءا من تجاوز رقعة الملعب في شكل اشتباكات بين اللاعبين أو اعتداءات على الحكام، إلى مجال المدرجات في صيغة مشاحنات بين المشجعين و أجهزة الأمن، و أخيرا في مستوى نقل ممارسات الشغب إلى خارج الملعب بتخريب الممتلكات الخاصة و العامة.
إن الشغب يحيل مفهوميا على أفعال بصيغة المفرد أو الجمع، تخرج عما هو مسطر ن قواعد و ضوابط، إنه اختراق قصدي أو عفوي لمعايير العقل الجمعي، الشيء الذي يدخله في خانة الشذوذ، و عندما يصير الشغب مفتوحا على المجال الرياضي، فإنه يكون بدافع الاستنكار و الرفض و الاعتراض و الرفض و إبداء الامتعاض من شيء ما، أو يكون أحيانا بسبب الاحتفاء و التعصب لإنجازات الفريق. فالشغب داخل الملاعب الرياضية يدل على نوع التحرك الفجائي، و على شكل من الهبات و الهزات الاجتماعية التي تنتشر داخل الملاعب أو خارجها في أعقاب الهزيمة أو الانتصار.
فالشغب الرياضي يعبر عن حالة من الفوضى الاجتماعية تغيب فيها عناصر الضبط الاجتماعي، و تتعالى فيها بالمقابل إمكانيات و ملامح العنف و الانفلات و الصراع، فالشغب يندلع بشكل عفوي و يتجاوز سقف مولداته و شروط إنتاجه المباشرة، بسبب افتقاده للتنظيم و الهدفية الاستراتيجية، مما يجعل منها مجرد ” رد فعل عنيف و هدام، محدود و عابر، محدد مجاليا و اجتماعيا و ليست له مطالب و أهداف واضحة “. و هذا كله يفضي بنا إلى القول بأن الشغب الرياضي هو حركة جماهيرية عفوية لا تتردد في اللجوء إلى العنف، محدودة في الزمان و المكان، توجبها عوامل و شروط موضوعية، و تدل على اختلال عميق في النسق المجتمعي.
في أعقاب حادث ملعب هيزل انبرى مجموعة من الباحثين إلى تحليل الأسباب الثاوية وراء بروز ظاهرة الشغب بالملاعب الرياضية، و بعد استجوابهم لعشرات المشجعين و المتدخلين في صناعة و تدبير الفرجة الرياضية، انتهى هؤلاء الباحثون إلى التأكيد على أن مثيري الشغب هم في غالبيتهم من الشباب و المراهقين و المهمشين و العاطلين، و وفقا لنتائج الدراسة فإن “70% من الهوليغانز يتحدرون من أوساط عمالية، و أكثر من 40% منهم يعانون مشاكل أسرية و 35% منهم لا يمارسون أي عمل”[1]
إن ظاهرة الشغب الرياضي التي تتواصل آثارها خلال مباريات كرة القدم، لا ينبغي النظر إليها بغير العين السوسيولوجية، فالأمر لا يتعلق بتشجيعات رياضية تقفز على المعتاد، أو انزلاقات غير محسوبة، إنه البحث المستمر عن فريق/ وطن آخر، بانتماء جديد و هوية أخرى، فكل عنف ما هو إلا محصلة لعنف سابق عليه، و العنف الذي يجنح إلى الدخول فيه المشجعون الرياضيون من الشباب و المراهقين، ما هو إلا نتيجة للعنف المسلط عليهم تهميشا و إقصاء من طرف مالكي وسائل الإنتاج و الإكراه، و هذا ما يتضح من خلال تأمل انحداراتهم الاجتماعية، و أوضاعهم السوسيواقتصادية، فجمهور الرجاء البيضاوي المتهم دوما باقتراف الشغب، يتحدر في غالبيته من هوامش البيضاء و من أكثر المناطق التي أخطأتها مشاريع التنمية الإنسانية.
فالظاهرة تلوح مركبة و فائقة التعقيد تماما كما تركيبية المجتمع المغربي، إذ تتداخل في صناعتها عوامل متعددة الأبعاد و المستويات، تتوزع بالأساس على أسباب اجتماعية و تربوية و ثقافية و اقتصادية و سياسية، و هذا ما يوجب التحليل التركيبي لمستوياتها و انطراحاتها، أملا في الفهم و التفسير.
فبممارسة بسيطة لنوع من السوسيولوجيا العفوية يتضح أن غالبية ممارسي الشغب تتراوح أعمارهم ما بين 16 و 22 سنة، و يتحدرون بنسب عالية من أحياء الصفيح و مناطق السكن العشوائي التي أخطأتها مشاريع التنمية، كما أنهم ينتمون إلى أسر فقيرة تعوزها إمكانيات العيش الكريم، و هم فضلا عن ذلك انقطعوا مبكرا عن الدراسة و لا يعملون إلا بشكل مؤقت في مستوى الأعمال الحرفية، أو لا يعملون بالمرة.
كما يلاحظ بأنهم يتعاطون المخدرات، و قد سبق لبعضهم أن مر من تجربة السجن، إنه البورتريه الأكثر تركيبية للمشجع الرياضي الذي يمتشق دروب الشغب، و ينخرط في الفوضى الرياضية التي تعقب الهزائم أو الانتصارات. لهذا يصير الشغب احتجاجا بديلا عما يعانيه هؤلاء الشباب من تهميش و إقصاء، فثمة بحث عن هوية و انتماء جديدين، بمواصفات مختلفة تنتفي من جنباتها إمكانات التهميش.
ففي الحريك الرياضي نحو البارصا و الريال، بدل الانتصار للبطولة الوطنية، كما نلاحظ بقوة في مدن الشمال، نكتشف انهجاسا بالانتماء إلى زمن / وطن آخر يقدم ما يفيد باحترام فكرة الانتماء و الهوية. و بما أن الوطن لا يقدم هذه الفكرة على أحسن وجه، فإن الحريك الرياضي و العنف المضاد الذي يرافقه يظل جوابا محتملا على قلق الهوية و الانتماء في هذا الهنا و الآن
شغب رياضي أم احتجاج اجتماعي
لكن ما الذي يجعل من هذه الحركة المشاغبة أو غيرها مستقطبة لمزيد من التأييد الجماهيري؟ فأي حركات الشغب تملك درجة عليا من الحشد الجماهيري؟ و أيها أكثر تهيؤا للانمحاء و التراخي؟
هنا يقترح علينا علم النفس الاجتماعي أكثر من جواب لفهم الظاهرة، فأمام تنامي أعمال الشغب ذات البعد الجماهيري، قفزت إلى واجهة النقاش المعرفي و داخل أكثر من مطبخ علمي، أسئلة الانتقال من الشغب بالمفرد على الشغب بصيغة الجمع، و في شكل انتفاضات و تمردات قد تنتهي بثورات تقطع مع الفائت كليا. و على درب هذا التساؤل المعرفي ستظهر مقاربات فرويد و تارد و غوستاف لوبون من خلال كتابه الموسوم بسيكولوجية الجماهير، هذا بالإضافة إلى جان بودريار الذي نحت مفهوم الأغلبية الصامتة، و بول أديلمان الذي أنتج إنسان الجماهير، و سيرج موسكوفتشي الذي انتهى إلى عصر الجماهير.
لقد كانت أكثر الأسئلة التهابا في ظل هذه المشاريع و المقاربات الفكرية، متصلة بالسلوك الجماهيري، و علاقة الأفراد و الجماعات بالقادة و الظروف التي تصنع الواقعة الجماهيرية، و الشروط التي تحدد انبناءها و مآلها، و لهذا بدت انشغالات هذه المباحث العلمية الجديدة أكثر أهمية ليس فقط بالنسبة للمحتجين و المشاغبين الذين يرون أنفسهم و سلوكاتهم في مرآتها، و لكن بدرجة أكبر بالنسبة لمسيري حقول المجتمع، الذين باتوا في حاجة ماسة إلى التحكم في اندلاق الحركات الجماهيرية، خصوصا مع شيوع الاحتجاج و سهولة انطلاق شراراته حتى من قلب التجمعات التأييدية و الرياضية و الاحتفائية.
يقول غوستاف لوبون بأن معدلات الانفعال عالية لدى الجماهير، لأنها تكون “مرتهنة في تعاطيها مع النسق و مستجداته إلى كل المحرضات التي تعكس تقلباتها المستمرة، ذلك أن دوافع القوة و الهيمنة هي التي تحدد مساراتها بعيدا عن القصدية”[2]. فحتى الفرد لا يكاد يبين أثناء المد الجماهيري، ثمة عملية محو تحيق بإرادته، ليجد نفسه منساقا مع ما ينحته الفعل الجماهيري من ممارسات و اتجاهات. فالتأثير على الجماهير لا يكون إلا بتوافر شرط “التأثير على عواطفها اللاواعية”[3].
و بالطبع فمن يقود الحركة الجماهيرية يتوجب عليه استثمار هذه المعطيات باحترافية بالغة، فالحركات الجماهيرية مستعدة قبلا للخضوع لقائد قادر على صناعة المعتقد و تنظيم الفعل و أجرأته واقعيا، فعن طريق”التأكيد و التكرار و العدوى و الهيبة الشخصية”[4]، يتمكن القائد المفترض من التحكم في الجمهور،لكن هل بمقدور الآخر الذي تتوجه إليه احتجاجات الجماهير أو خروجها العفوي، أن يتحكم في مساراتها؟ و هل يمكنه فعلا تحجيم حركتها و توجيهها نحو أهداف الشرعنة التكريس؟
إن الحركات الاحتجاجية الجماهيرية تندلع غالبا في لحظات الاختلال و الأزمة العالية التوتر، ففي اللحظة التي تتعارض فيها بشكل خانق مصالح المحافظة و التكريس مع رهانات التغيير و التجاوز، و لا تصير عمليات الاحتواء أو التطبيع أو حتى التهميش مفيدة في شيء، حينئذ يكون كل تجمع جماهيري قابلا لممارسة الاحتجاج، و لو كان التجمع من أجل الاحتفاء، تماما كما هو الأمر بالنسبة لجماهير كرة القدم أو الحفلات الغنائية. و الواقع أن الأنساق التي تختزن في حقولها مؤشرات الأزمة، نجدها تستشعر الخطر دائما من التجمعات الجماهيرية، و لهذا تهرع إلى تطويقها و استعراض عضلاتها الأمنية في وجهها، هذا في أحسن الأحوال، إن لم تكن قد منعت انوجادها و لم ترخص لها منذ البدء، لهذا نلاحظ كيف أن كل مباراة رياضية تكون مستوجبة لاستنفار أمني عالي التوتر.
إن الجماهير المحتجة لا تتحرك في الغالب وفق خطة معدة سلفا، و حتى إن وجدت هذه الخطة، فإنه لا يتم الانضباط إليها كلية، إنها تتحرك منهجسة بالتجاوز و الانتهاء من شروط اللحظة الراهنة، أملا في صياغة غد مختلف. و على طول هذا التحرك، تطفو إلى السطح كل الخبرات المكبوتة بفعل القمع و التهميش، و التي كانت تتحين الفرص للتعبير عن ذاتيتها، لينطلق مسلسل من العنف المضاد بدءا من ترديد الشعارات “المهذبة” إلى الأخرى النابية فالتخريب و إضرام النار و النهب، و ذلك تبعا لمولدات الاحتجاج و ظروف تطوره و أشكال مواجهته من طرف مدبري الحقول المجتمعية.
من مقترب آخر يمكن تمثل الشغب الرياضي بالمغرب كمناسبة لتفريغ المكبوت السياسي، و الاقتصاص من المسؤولين عن تفاقم المشكلة الموجبة للاحتجاج، و لو بصيغة رمزية،” فالقوى التي لم تستفد من عوائد التنمية، أو تلك التي تستشعر أنها استفادت ، أقل مما كانت تتوقع أو أقل من حجم تضحياتها و مساهماتها في هذه العملية ، قد تلجأ إلى ممارسة العنف للاحتجاج على النظام القائم باعتباره المسؤول عن عملية التوزيع”[5]، إن الأمر أشبه ما يكون بانتقام من التقسيم غير الطبيعي للعوائد التنموية، على اعتبار أن ” الحركات الاجتماعية تتحرك وفقا لتطور خطي من الشعور بالغضب إلى فعل احتجاجي للجماهير”[6]،و لو بهدف التفريغ و التعويض الرمزي عن المفتقد و المغتصب خطأ و كرها. “فالتجمع يولد إحساسا بالقوة والعنف و اللامسؤولية، فالتجمع يجعل عدوانية بعض الأفراد المقموعة عادة، تنفلت من قيودها، إنه يخلق ويحرر، في نفس الوقت، التوترات المتراكمة الناتجة عن خنق الطاقات الفردية والجماعية”[7].
و لهذا يلاحظ كيف تتحول شعارات مسيرة للتضامن مع الشعبين الفلسطيني و العراقي إلى انتقادات لاذعة لعمل الحكومة، و كيف تتحول التشجيعات أثناء متابعة مباراة رياضية إلى التعبير عن الغضب الشعبي من انسداد آفاق الشغل و عسر الحال. إن الاحتجاج المغربي بهذا المعنى يعد فرصة لتفريغ المكبوت السياسي، فالانضواء في الجماعة يساعد الفرد على امتلاك مزيد من الجرأة كما يؤكد غوستاف لوبون في سيكولوجية الجماهير، و هذه الجرأة الزائدة تمكن من تصريف الشحنات المكبوتة بفعل القمع أو الخوف، خصوصا في ظل الأنظمة الاستبدادية، و منه يتحول الموقف الاحتجاجي في كثير من الأحيان إلى فضاء للتفريغ السيكولوجي أكثر من فضاء للمطالبة بالتغيير.
العنف و العنف المضاد
إن الحقل، أي حقل كما يقول بيير بورديو يتأسس على الصراع و التنافس، و عندما نستعير مفهوم الحقل البورديوي و نطبقه على زمن الشغب الرياضي، فإنه يتراءى كحقل مفتوح على الصراع و العنف و العنف المضاد بين من يفيد من خيرات الحقل و من لا يفيد. و بالطبع فإن “الحقل يتحول إلى جهاز عندما يتمكن المهيمنون من القضاء على مقاومة و ردود أفعال المهيمن عليهم”[8]، لكن هل القضاء على هذه المقاومة و ردود الأفعال ممكنة في نسق الاحتجاج المغربي؟
إنه لا يمكن فهم العنف إلا من خلال العنف المضاد، فالفعل يستتبع رد فعل محتمل، و في سياق الرد تنكشف هوية الفعل الأصلي و احتمالات الردود القادمة، لهذا ينصرف هذا المبحث إلى التفكر في العنف الذي تنطوي عليه الممارسة المشاغبة بالمغرب من خلال حاصل المقابلات و نتائج الملاحظة الميدانية، أملا في مزيد من الفهم و التفسير للسلوك المشاغب في ملمحه المغربي.
“إن علم الاجتماع لا يختزل ما هو فردي إلى ما هو جماعي، كما ظن ذلك غالبا، بل يسعى إلى معرفة كيفية انبثاق المطلب الخاص أو الواقعة المفردة من ثنايا النسيج الحياتي المشترك”[9]. فرهان البحث عن شروط إنتاج الفعل الاجتماعي و تفهم آليات إعادة إنتاج، هو ما ينشغل به البحث السوسيولوجي، و هو ما يعد رهانا مركزيا في مقترب العنف و العنف المضاد في الممارسة الاحتجاجية، “فالمجتمع هو نتيجة صراعاته، ليس المجتمع ماهية بل هو حدث”[10]، و لهذا يتوجب إيلاء الأهمية القصوى لهذه الصراعات و الأحداث التي تفيد كثيرا في قراءة الثابت و المتحول في علاقة الأفراد و الجماعات بالشغب الرياضي.و لهذا “فإن مجتمعا ليس إلا مزيجا من الصراعات الكامنة و المكشوفة..و من العنف و الفوضى”[11]، و من العنف و العنف المضاد أيضا.
الاحتجاج/ الشغب الرياضي يصير بهذا المعنى رسالة موجهة إلى من يهمهم الأمر تنتظر جوابا يترجم عن طريق تغيير الأوضاع التي اقتضت الخروج في وجه المؤسسة، لكن هذه الرسالة لا تحتمل دوما هكذا جواب تغييري في المغرب، فالردود لا تكون على نفس الدرجة و النوع، فقد تتجه رأسا نحو المأمول و المحتج من أجله، و قد لا تجد جوابا و تظل الفكرة و الممارسة الاحتجاجية كصيحة في واد، أو أنها تجد الرد القمعي الجاهز الذي لا يتوانى في طلب خدمات الكلاب المدربة و القنابل المسيلة للدموع أيضا.فالمهم هو أن يتم الانتهاء من “شغب” المحتجين و منعهم من الاستمرار في تخريب الممتلكات العامة الخاصة.
فالاحتجاج مغربيا يقابل في خطواته الأولى بالتجاهل و اللامبالاة من قبل المسؤولين، و يقابل في حالة ارتفاع منسوبه النضالي بنوع من الحوار الذي لا يعني حل المشكل، بقدر ما يدل على الرغبة في تدبير المشكل و إرجاء حله، حفاظا على صورة المؤسسة لا غير. أما في حالة بلوغ الاحتجاج درجة الإحراج و التعارض المطلق مع رهانات تلميع الصورة، فإن الدولة أو المؤسسة لا تجد حرجا في اللجوء إلى العنف الذي يكون من توقيع قوات حفظ النظام الرسمية أو حتى بواسطة أجهزة الأمن الخصوصي.
لكن هذا سلم التدبير هذا لا يكون وفق هذه الدرجات في شأن التعاطي مع الهوليغانز المغاربة، فالجواب الأمني القمعي يكون الأكثر جاهزية للانتهاء من التشجيعات و حوادث الشغب التي صارت تخرج من فضاء الملعب إلى الشارع العام عقب الهزيمة أو الانتصار، و هذا ما يؤكد المنحى الاحتجاجي للشغب الرياضي المغربي، فأحداث الشغب ليست مرتبطة دوما بهزيمة الفريق/ الأنان بل حتى في حالة الانتصار و الاحتفاء يمارس الهوليغانز طقس التخريب، مستدمجين تلك القولة القديمة ” هرسوا هرسوا الحكومة تخلصو “.
“إن الهدف الرئيس للسوسيولوجيا هو النظر في الأشياء المخفية و قول ما هو مسكوت عنه، و جعل الفاصل ما بين القول و الفعل واضحا”[12]، و لهذا يتوجب الانشغال، و إلى أقصى حد ممكن، بكشف الحجب و تفكيك غير المسموح بتداوله و فهمه، ففي المخفي و اللامفكر فيه، يصير للسؤال السوسيولوجي معناه المعرفي النوعي و قوته الرصدية في قراءة منطق الحقول و صراعاتها و تحولاتها التي تحكي تاريخا من العنف و العنف المضاد.
فكل الفاعلين في الحقل يختبرون صنوفا من الردود لمقاومة و مواجهة العنف الذي يستهدفهم، فمثلما يجد البعض في الخربشة على طاولات المدارس أو رشق القطار بالحجارة أو تمرير آلات حادة على صباغة السيارات الفارهة، ممارسة لعنف مضاد ناجم بالضرورة عن عنف سابق عليه متمثل في التهميش و الحرمان و خلافه، فإن المحتجين بدورهم يختارون الشعارات و اللافتات و الشارات جوابا على عنف سابق أو قادم بعد تدخل الأجهزة الأمنية.
فكل طرف يسعى لقول كلمته في إطار اللعب الدائر في إطار الحقل، و كل طرف يسعى إلى أن تكون كلمته مسموعة بأعلى صوت ممكن، حتى يؤسس حضوره و يضمن استمراريته، لكن جولات اللعب، و بشكل مؤقت لا غير، تحسم لصالح الأقوى المالك طبعا لوسائل الإكراه و الإنتاج. فالمهيمنون يعملون دوما على توجيه منافع الحقل نحو ما تقتضيه مصالحهم و رهانات تحصين استمراريتهم كأسياد في حقل اللعب.
إنه قانون اللعب الذي يبصم مسار الحقول و الأنساق في اشتغالها و انطراحها المجتمعي، و هو القانون الذي يترجم نهاية بوضعية اللا انتصار و اللا هزيمة. فالمهيمنون و المهيمن عليهم يستمرون في إعادة إنتاج وضعياتهم و مآلاتهم الاجتماعية، بالقدر الذي يضمن استمرار العلاقة المركزية: هيمنة / خضوع.
تساؤلات قادمة
ما يقع في الملاعب الرياضية و خارجها أيضا من ممارسات الشغب، لا يمكن تفسيره بمنطق الحقل الرياضي فقط، إنه ظاهرة مركبة تتجاوز رقعة الملعب إلى مجموع النسق المجتمعي، فالشغب الرياضي ملمح من ملامح الاحتجاج الاجتماعي بالمغرب، إنه عنوان آخر لمغرب العطب و الاحتقان، فهناك الكثير من الصيغ البديلة للاحتجاج التي تظهر في مجالات المركز، و تكاد تظهر في التطرف الذي يتجاوز المجالين الديني و السياسي إلى تطرف أذواقي يهم الملبس و الموسيقى و أنماط العيش و السلوك و لغة التواصل و الانتماء، ففي هذه المستويات نلمس عنفا مضمرا و معلنا، و نقرأ منحنيات من السلوك الاحتجاجي. كما تبرز في مستويات الثقافة العالمة في شكل رسائل مفتوحة ( رسائل خالد الجامعي مثلا)، أو في الخط التحريري الذي نحتته لنفسها مجموعة من الصحف المستقلة ( المساء، تيل كيل، لوجورنال، نيشان مثلا )، و التي صارت تملأ الفراغ الذي أحدثه انتقال المعارضة التقليدية إلى دفة التدبير الحكومي.
ففي الكتابة على الجدران و الكتابة الإبداعية أيضا نكتشف جوانب أخرى من الاحتجاج غير المتظاهر في الشارع العام، كما أنه في العزوف عن المشاركة في الانتخابات و مقاطعتها بالمرة نكتشف سلوكا احتجاجيا مختلف النوع و الدرجة، فانتفاء الصراع من الشارع العام لا يدل على انتفاء الصراع كلية، إنه يتحين الفرص للانطراح بأشكال متعددة، لا تحيل في قراءتها السطحية على البعد الاحتجاجي، لكن بتعميق النظر فيها، يتأكد أنها أشكال أخرى للاحتجاج و التعبير عن رفض القائم من الأوضاع.
لهذا فإن الاحتجاجات تراوح أمكنتها التقليدية و تنتج لنفسها مساحات أخرى عن طريق التحوير و الاستعاضة، إنها تنتقل من أمام البرلمان و من زمن المدرسة و الجامعة، إلى الملاعب الرياضية في إطار الشغب الرياضي الذي يتجاوز فعل التشجيع، إلى التخريب و ممارسة العنف حتى في حق قوات مكافحة الشغب، و إنها تنتقل من مجالها الحضري إلى أكثر المناطق بعدا و ارتباطا بفكرة المغرب غير النافع، و إنها تتحين الفرص للظهور على هامش كل تجمع بشري في انتظار حافلة أو قطار أو في طابور أداء فواتير الكهرباء أو طابور موعد الاستشفاء و العلاج .
و بالنظر إلى هذه التركيبية التي تبصم ظاهرة الشغب الرياضي، فإن التساؤلات المنذورة للقادم من الأيام، من الممكن أن تتوزع على الحال و المآل، فكيف السبيل إلى إحلال اللاعنف مكان العنف في جغرافيا الرياضة المغربية؟ و كيف يتأتى تحجيم الشغب و إقرار السلم الرياضي؟ و أي المقاربات أجدى و أنفع لتأهيل السلوك الفرجوي الرياضي؟
+++++++++++
+أستاذ علم الاجتماع
الهوامش
[1] محمد عباس نور الدين، قضايا الشباب في المجتمع المعاصر، مطبعة فضالة، المحمدية، الطبعة الأولى، 2000.ص.144.
[2] غوستاف لوبون ، سيكولوجية الجماهير ، ترجمة و تقديم: هاشم صالح ، دار الساقي ،باريس، طبعة سنة 1997.ص 23.
[3] غوستاف لوبون ، سيكولوجية الجماهير ،نفس المرجع ، ص.55.
[4] غوستاف لوبون، نفس المرجع ، ص .76.
[5] حسنين توفيق إبراهيم ، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراه (17)، بيروت، الطبعة الأولى، 1992.ص.306.
[6]مجموعة من الباحثين، الحركات الاجتماعية في الوطن العربي، تقديم: سمير أمين ، تحرير: عزة خليل، مركز البحوث العربية و الإفريقية و المنتدى العالمي للبدائل ، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006. ص.29.
[7] فاوستو أنطونيني،عنف الإنسان أو العدوانية الجماعية،مرجع سابق. ص70.
[8] Pierre Bourdieu, Questions de sociologie, éditions Minuit, paris.1980.p.268.
[9] جان دوفينو، نشأة العلوم الإنسانية، في كتاب: تساؤلات الفكر المعاصر، ترجمة: محمد سبيلا، دار الأمان، الرباط، الطبعة الأولى.1987..ص.32.
[11] آلان تورين، هل فكرة المجتمع ضرورية، نفس المرجع. ص.63.
[12] Alain Touraine, pour la sociologie, éditions seuil, paris.1974.p.60.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























