قراءة في كتاب " الحركات الاحتجاجية بالمغرب "
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 25 نوفمبر 2008 الساعة: 09:31 ص
قراءة في كتاب ” الحركات الاحتجاجية بالمغرب ”
للسوسيولوجي عبد الرحيم العطري
بقلم: عبد الرحمن علال
باحث بكلية الحقوق – جامعة محمد الأول - وجدة
صدر مؤخراً عن دفاتر مجلة ” وجهة نظر “، العدد (14)، كتاب تحت عنوان ” الحركات الاحتجاجية بالمغرب - مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي ” لعبد الرحيم العطري، الصحفي، وأستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة بن طفيل بمدينة القنيطرة، والذي يشغل في ذات الآن عضواً في العديد من الاتحادات، سواءً وطنياً أو دولياً، وله العديد من الإصدارات في المجال السوسيولوجي، لـعَـلَّ أهمها كتاب: ” دفاعا عن السوسيولوجيا “، و” سوسيولوجيا الشباب المغربي، جدل الإدماج والتهميش “. وإذا كان هناك عبد الرحيم العطري السوسيولوجي، فثمة أيضاً عبد الرحيم العطري القاصّ، إذ في رصيده الأدبي لحد الآن مجموعتين قصصيتين: الأولى أصدرها قبل سنتين، تحت عنوان: ” الليل العاري، قصص من أجل الياسمين “، والمجموعة الثانية، أصدرها منذ أيام قليلة تحت عنوان: ” القارة السابعة “.
يقع كتاب ” الحركات الاحتجاجية بالمغرب - مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي “، في 304 صفحة، ويتضمن تقديماً للدكتور إدريس بنسعـيد، أستاذ علم الاجتماع، ومنسق مجموعة الأبحاث والدراسات السوسيولوجية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة محمد الخامس، أكَدال، بالرباط، بالإضافة إلى مدخل، وعشرة فصول، كل فصل يتألف من مبحثين اثنين.
انطلاقاً من الفهم العميق لـ ” نظرية التلقي “، فإن أول ما يثير القارئ، في أول اتصال له بالكتاب، هو غلافه، وتأسيساً على ذلك، فوجه غلاف الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه، تتوسطه صورة فوتوغرافية تعود لأحداث مدينة صفرو، التي اندلعت يوم 23 شتنبر 2007، وفوق السحابة التي أحدثها إحراق الإطار المطاطي من لدن محتجي مدينة صفرو، كتب مؤلف الكتاب، العنوانَ بالنبط العريض، والذي يتكون من ثلاثة مفردات، مورداً لفظة ” الحركات ” بصيغة الجمع، كأننا بالعطري يقول لنا، إنه من التعسف المنهجي اختزال هذا المد الاحتجاجي في ” حركة ” واحدة، لأننا أمام حركات احتجاجية متعددة. وفي ظهر غلاف الكتاب، يظهر المؤلف في ” لحظة تأمل سوسيولوجية “، فيما يأتي تحته مباشرة مقتطف من تقديم الدكتور بنسعيد.
اعتبر الدكتور إدريس بنسعيد في تقديمه لكتاب الأستاذ عبد الرحيم العطري، أن عمله يأتي في إطار تناول موضوع ” ساخن ” هو الحركات الاحتجاجية، وذلك بمنهج وصفه بـ ” البارد “، ألا وهو السوسيولوجيا، معرفاً إيـّاها في سياق ذي صلة، بكونها ” متواترة وآنية بطبيعتها “، تأتي في شكل ” ردات فعل على ضغوط أو اكراهات لا تطاق “، مسجلاً ” ارتفاع صوت الحناجر “، و” خفوت صوت اللغة وبعدها المكتوب “، مُـعيباً عليها في نفس الوقت أنها لا تخلف أثراً مكتوباً (باستثناء الشعارات).
وقد اعتبر بنسعيد أن العطري يشكل حالة ” خصوبة ” استثنائية، لكونه ما فتئ يغذي المكتبة السوسيولوجية بكتب وأعمال تحظى بمتابعة مهمة من لدن القراء والمهتمين، مشيراً في سياق متصل إلى العلاقة الحميمية التي تربط الكاتب باللغة العربية، ولو أن الدكتور بنسعيد لم يجد مبرراً لكل ذلك البذخ اللغوي الموظف في متن الكتاب. وقد خلص في الأخير إلى أن عمل العطري يتوفر على نـَفـَسٍ سوسيولوجي عميق، راجياً أن تبقى كتاباته المستقبلية متسمة بنفس الرغبة الصدق والحرارة المعهودة فيه.
في مقدمته للكتاب، والتي عنونها بـ ” ممكنات التساؤل “، اعتبر العطري أن الحديث عن الحركات الاحتجاجية في المغرب، قد تواتر في الآونة الأخيرة، وأن الاحتجاج يعد فعلاً غير عادٍ، داخل تضاريس المجتمع، والذي ينطوي على الرفض على القائم من الأوضاع في غالب الأحيان.
وقد سجل أن الفعل الاحتجاجي في المغرب أصبح يفوق بكثير وتيرة الإنتاج السوسيولوجي، ليعرج في الأخير على أسباب ” انهجاسه “، بالحركات الاحتجاجية، والتي تعود إلى زمن مشاركته في احتجاجات خريجي المعهد الملكي لتكوين أطر الشباب والرياضة، وانخراطه في الاحتجاجات التي دعت إليها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، لمّا كان صحفياً بأسبوعية ” الميثاق الوطني “.
في الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان ” سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية “، توقف عن ظهور مصطلح ” الحركات الاجتماعية ” لأول مرة، وذلك سنة 1842، من طرف الباحث لورينز فون ستاين Lorenz von stein، ليفيض بعدها في تباين التعريفات التي أعطيت لذات المفهوم.
أما في الفصل الثاني، فقد قاربَ فيه إشكالية تصنيف الحركات الاحتجاجية، أو ما سماه ” تيبولوجيا الحركات الاحتجاجية “، ليرتكن في المبحث الأول من نفس الفصل، إلى التصنيف الفئوي القطاعي، رغم انطواء التصنيف على البُعد الاختزالي التعسفي، أما في المبحث الثاني من الفصل الأول دائماً، فقد سَاقَ بعض الأساليب التي تحدث عنها الباحث جين شارب في كتابة ” من الديكتاتورية إلى الديمقراطية “، وهي أساليب تعزز ” سِلمية الاحتجاج “، والتي وصلت إلى 198 أسلوباً غير عنيف.
في الفصل الثالث، سوف يتحدث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري، بشيء من التفصيل عن مسارات الفعل الاحتجاجي، والتي حددها في خمس (مرحلة الإنتاج/ التعبئة/ التعبير/ الردود/ التجذير).
إلى حدود الفصل الثالث سوف يلاحظ القارئ الذي يمتلك عيناً سوسيولوجية، أن الكاتب يتحدث في ما هو عام، لكن انطلاقاً من الفصل الرابع سوف يتحدث بنوع من التخصص، أي عن الحركات الاحتجاجية بالمغرب، وقد جعل من ” زمن السيبة ” الإطار المرجعي، والنموذج المثالي للحركات الاحتجاجية، وهو ما كان محط انتقاد الدكتور بنسعيد في تقديمه (أنظر الصفحة 10 من الكتاب)، وفي المبحث الثاني من ذات الفصل، سيعمد إلى تقديم كرونولوجيا الهزات الاجتماعية الكبرى التي عرفها المغرب المعاصر والحديث، منذ حركة الجيلالي الزرهوني، إلى ” الانتفاضات الصغرى ” داخل الانتفاضات الكبرى، التي عرفها المغرب مع إطلالة الألفية الثالثة.
في الفصل الخامس، سوف يحدد الباحث شروط إنتاج الحركة الاحتجاجية بالمغرب في ثلاثة شروط أو عوامل: العامل الأول بنيوي هيكلي، والعامل الثاني متعلق بالصراع السياسي، فيما العامل الثالث والأخير، والذي اعتبره الأكثر وجاهة، هو العامل الاجتماعي باعتباره لصيقاً بالمواطن، ومتعلقاً بـ ” اليومي “، ليقف في المبحث الثاني عند سؤال الثابت والمتغير، إذ اعتبر الإخفاق والخفوت السريع بمثابة ملامح ثابتة، فيما الاتساع الكمي والنوعي، واحتلال الفضاء العام، والارتكان إلى ثقافة اللاعنف… تعد سماتاً متغيرة، وجديدة على جسم الحركة الاحتجاجية بالمغرب.
انطلاقاً من الفصل السادس، سوف يرحل الباحث بقرائه إلى عالم المسح الميداني الوصفي، نظراً لأهميته في قارة العلوم الإنسانية، لكونه يقطع مع المعرفة العفوية الانطباعية، ويؤسس للمعرفة العلمية الواقعية، وبناءً على ذلك سـيـُعـمِـلُ ثلاث مناهج في مسحه الميداني، وهي المقابلة، والملاحظة، والمنهج البيوغرافي، ليقدم تفريغ نتائج ذلك البحث الميداني على امتداد الفصول الثلاثة الموالية.
أما في الفصل الأخير فسيقف عند ” الحرب “، المادية والرمزية التي تشن ضد الحركات الاحتجاجية، والتي تأتِ - حسب العطري دائماً - في سياق رهان إلغاء الاحتجاج من الفضاء العام، ليعطِ ملاحظاته النقدية التي كوّنها عن الحركات الاحتجاجية، والتي لخصها في : عدم القدرة على الانتقال من سؤال الذات إلى التأثير على المحيط/ غياب الالتحام الجماهيري/ انطراح الحركات الاحتجاجية كفاعل ضد نظامي مما يثير حفيظة مالكي وسائل الإنتاج والإكراه/ اليتم العلائقي والفكري والهوياتي، الذي ينتج حركة بدون بوصلة/ عدم الانفلات من إسار الأشكال التقليدية للاحتجاج/ غياب المثقف/ عدم القدرة على تحديد هوية الخصم..
في خاتمة الكتاب سوف يطرح الأستاذ عبد الرحيم العطري، سؤال الفعالية، وسؤال الاستمرارية الذي يستوجب توفـر العديد من المحددات، وإنضاج جملة من الشروط، ومشيراً تلميحاً لا تصريحاً، لبعض العناوين الكبرى لأعماله المستقبلية، مؤكداً في الأخير على غياب إدعاء بلوغ الحقيقة في قارة السوسيولوجيا، التي علمته أن الحسم لا يكون إلا بصيغة المؤقت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























