العشاء الأخير
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 25 نوفمبر 2008 الساعة: 09:34 ص
العشاء الأخير
يتنسم ريح الرحيل في كل لحظة، يصادف الانتهاء كلما رفع الفأس لحفر مثوى جديد، لمسافر جديد نحو عالم لا نعرف عنه إلا القليل، لا شيء غير الموت و القبور و “الراحلين تباعا”.
يا لقلب هذا الرجل! إن له قلبا مقدودا من حجر، يحفر قبورا و يدس فيها أمواتا، و لا ينتهي من الضحك، و كأنه يسخر من الموت الذي يسرق الأحبة على حين غرة، هكذا هو “با عروب”، شيخ طاعن في السن، يدمن الدفن مذ كان يافعا.
لا ينقطع عن التأكيد على أن “الدايمة” هي دار البقاء، وأن القبر الذي قضى عمره كله في التفنن في حفره هو أفضل أماكن الدنيا، هو قصر بديعي من غير شك؟ تسأله بحثا عن الفهم “كيف ذلك؟” ، يجيب من غير تردد،” فلا أحد يحسدك عليه ولا أحد يود أن يرثك فيه أو يقاسمك إياه هو لك وحدك..وحدك.. لن يطمع فيه أحد من حسادك الكثيرين.. تأمله جيدا كيف هو فارغ وغريب وموحش.. كل الحقائق المبحوث عنها تنغرس في أعماقه، هذا المعنى الهارب منا هو الآخر يكمن في دواخله المرعبة كل هذا الذي نتعب بحثا عنه يوجد في هذا الهنا، في التراب الذي أشقه من أجل تشييد قبر قد يرقد فيه أحدنا يوما ما”.
قبل أن ترسل الشمس أول خيوطها، يترك هامش المدينة قاصدا “مقبرة الشهداء” حيث يعمل، يمتطي صهوة “عود الريح” مارا عبر دواوير “الحاجة” و”الدوم” و “جبل الرايسي”، و مطلا على شالة الرومان، ليمرق مسرعا عبر الشارع الرئيسي، منتهيا إلى المقبرة التي تشرع عاليتها في وجه آل المغرب المخملي و سافلتها في وجه القادمين من القاع الاجتماعي أو ما كان يسمى قبلا بالطبقة المتوسطة.
قبل بدء الحفر يغير ملابسه بأخرى رثة معفرة بأتربة القبور، يحضر شايا في “حك كيكوز”، يدخن بعضا من “كيف كتامي” الأصل، يتأمل أسوار لعلو التي يجري تجميلها آنا، يتأمل الآليات التي تحفر أسفل الأوداية نفقا مؤديا إلى العدوة الأخرى، يتأمل شواهد القبور العالية الكعب، و الأخرى التي لم يستطع ذوو أصحابها بناءها و زخرفتها.
يرسل إلى صدره مزيدا من دخان الكيف الكتامي، يلعن سرا زمن الحفر و التورية، الكل يهفو إلى تجميل اللحظة و اغتيال سواد الأمس، صراع مستمر من أجل كتابة زمن آخر، بألوان بهية تخفي الألم و البؤس الغائر في الأعماق. لكن صناعة القبح تستمر ضدا في الجميع، هذا هو منطق الخلل في عالم تفر منه الحقائق تباعا.
” مولانا نسعاو رضاك و على بابك واقفين، لا من يرحمنا سواك، يا أرحم الراحمين”، إنه الدعاء الذي يعلن قدوم وافد جديد إلى عالم الموت، يتوجه “با عروب” على وجه السرعة، نحو قبر أعده بالأمس، و بالسافلة تحديدا، يستلم من المفجوعين تصريحا بالدفن، يواصل زميله أخذ ثمن القبر، يرتل الفقهاء سورة يس، فيما يستمر هو في مواراة الراحل الثرى، بحرفية بالغة و ببرودة أعصاب عز نظيرها.
يستكمل طقوس الدفن بنثر ماء الزهر و غرس بعض النباتات فوق القبر، يرفع، كما الجميع كفه بالدعاء، آملا من المفجوعين أن يكونوا كرماء فوق العادة، و ألا يعتبروا أن أجرة القبر تكفي، أحدهم يدس في جيبه ورقة نقدية لم يتبين قيمتها، يدعو له “با عروب” بالرحمة و ثواب الأجر، يرحل الجميع و يبقى وحيدا قبالة القبر، يمارس حديث الجثة فعل الباحث محمد أسليم قبلا.
يمارس عادته القديمة، يؤسس حوارا من طرف واحد مع دفينه الحديث، يبغي مساءلة الحقيقة و اكتشاف دروبها، “فمن تكون أيها الوافد الجديد؟ ما سر اندقافك إلى هذا العالم؟ و ما درس الدرس الذي انتهيت إليه بعد طول انكسار؟ و هل عانقت مجد البهاء، و أنت تغادر عالما من الزيف و الكذب المقيت؟”.
“با عروب” يغبط الراحلين تباعا دوما، طوبى لهم بالانعتاق أخيرا من موت مقنع بالحياة، طوبى لهم بحياة فائقة الخصوصية، بعيدا عن الآخر، برفقة الذات أولا و أخيرا، في بطن الأرض حيث لا مواطنة منقوصة، و لا حياة مقزمة و مغتصبة، هنا لا أحد يرغمك على الانتماء لتفاهات الوقت الحزين، هكذا هو حفار القبور سليل الهامش، فلربما يكون من القلائل الذين فهموا مبكرا أن الحقيقة هي الموت.
” مولانا نسعاو رضاك و على بابك واقفين، لا من يرحمنا سواك، يا أرحم الراحمين”، إنه الدعاء الذي يعلن قدوم وافد جديد إلى عالم الموت، لكنه دعاء مختلف في نبرته، إنه يختلط بأصوات محركات السيارات الفارهة، يتوجه “با عروب” على وجه السرعة، نحو قبر أعده بالأمس، لكن بالعالية هذه المرة، لا يطالب مشيعي الجنازة بالتصريح بالدفن، و أنى له و القدرة على المطالبة بهكذا تصريح، فكل الذين يراهم في التلفزيون من آل المغرب المخملي هنا حاضرون، بنظاراتهم الشمسية السوداء و لباسهم التقليدي الناصع البياض، زميله يضرب عن أخذ ثمن القبر، الفقهاء يرتلون سورة يس محترمين قواعد و آداب القراءة، فيما يستمر هو في مواراة الراحل الثرى، بحرفية بالغة و ببرودة أعصاب عز نظيرها.
يرحل الموكب الرسمي، يعرف من زميله أن الراحل كان من صناع القرار، يرسل إليه سرا حديث الجثة إياه، طلبا للفهم و التفسير، “كائنا من تكون أيه الصانع في عصره قرارات و سياسات، ها أنت تقيم في قبر بارد مجردا من كل السلط الرمزية و المادية”.
يلتحق “با عروب” بمخزن ملابسه، يستبدا أسمالا بأسمال، يركب عود الريح، و يمضي مخترقا ضجيج المدينة، سيارات مجنونة، مؤخرات منذورة لمن يدفع، إعلانات تستجدي جيوبا، و أخرى تلهت وراء ناخبين، طوابير لا نهائية قبالة المحلات التجارية، مشاة و راكبون يتزاحمون من أجل لحظة حياة، ضجيج على ضجيج…في انتظار رحيل فجائي ينهي المسار من غير سابق إعلام.
يضع عود الريح عند مدخل المنزل، يقيده من عجلته بسلسلة و قفل، فقد مضى زمن “النية” الذي كان يترك فيه الدراجة تبيت في العراء، ليلفيها صباحا، دون أن تصل إليها أيادي أطباء الجيوب، يرتمي في أحضان الفراغ، حيث لا زوجة و لا بنون، يدخن أكثر، يحضر العشاء الأخير، يترك رسالة للتاريخ، يرحل في صمت بارد، كما برودة القبور التي صادقها طويلا، يرحل إلى الموت الذي تمناه دائما، و دون أن يكون متأكدا من مكان اندفانه، في السافلة أم العالية؟
يرحل “با عروب” مبتسما في وجه “غساله” الذي لم يكن سوى زميله الذي يستلم ثمن القبر، يترك مشيعي جنازته حيارى في تفسير هذا الرحيل، فهو لم يشك قبلا من ألم، و لا حصد عداوات، و لا ترك أموالا وعقارات، فقط هو عود الريح و “حك كيكوز” ما يعتبرهما أعز و أغلى ممتلكاته.
يا لقلب هذا الرجل! إن له قلبا مقدودا من حجر، يحفر قبورا في حياته و يدس فيها أمواتا، و لا ينتهي من الضحك، يبستم في وجه “غساله” ساخرا من موعد العشاء الأخير، من المؤكد أنه يعي جيدا أن الحقيقة تزهر في الطريق إلى الموت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























