الطبعة الخامسة عشرة من المعرض الدولي للكتاب و النشر بالبيضاء
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 30 مارس 2009 الساعة: 12:48 م
مع الحدث
الطبعة الخامسة عشرة من المعرض الدولي للكتاب و النشر بالبيضاء
بأي جديد عدت يا "عيد الكتاب"؟
الدار البيضاء: عبد الرحيم العطري
مساء الأحد الماضي أسدل الستار على النسخة الخامسة عشرة من فعاليات المعرض الدولي للكتاب و النشر و التي نظمت هذه السنة تحت شعار "في مملكة الكتاب"، فما الجديد الذي حملته هذه الدورة؟ و ما أقوى لحظاتها؟ و ما الذي طرأ عليها من إخفاقات؟ و كيف استقبلها المبدعون و المهنيون و عموم الزوار؟ و ما الدرس أو الدروس الأثيرة التي يمكن الخروج بها من "مملكة الكتاب"؟
فقد احتضن مكتب معارض الدار البيضاء كعادته دورة جديدة من فعاليات المعرض الدولي للكتاب و النشر، الذي تنظمه وزارة الثقافة بشكل سنوي، و قد عرفت هذه الدورة الخامسة عشرة المنظمة خلال الفترة من 13 إلى 22 فبراير، مشاركة 41 بلدا عربيا وإفريقيا وأوربيا وآسيويا وأمريكيا و548 من العارضين من بينهم 198 عارضا مباشرا.
و كانت السنيغال ممثلة لدول جنوب الصحراء ضيف شرف هذه الدورة التي اشتملت أيضا على برنامج ثقافي ضم ما يقارب 117 لقاء يتوزع ما بين محاضرات وندوات وقراءات شعرية وتقديم مجموعات كاملة من الكتب، و هو ما يعني أن هذه اللقاءات ستستضيف 298 مفكرا وكاتبا من بينهم 199 مغربيا و99 من المشاركين العرب والأجانب منهم الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم والكاتب الفرنسي الأفغاني الأصل عتيق رحيمي. كما تم تنظيم لقاءات تكريمية لعدد من الأسماء الثقافية المغربية والعربية.
في هذه الورقة نقرأ بعضا من إجابات محتملة على أسئلة البدء، في محاولة لاكتشاف نواحي القوة و الضعف في معرض لم يعد له "الحق في الخطأ" بحكم تراكماته و احترافيته، و لأجل ذلك فقد كان التردد على الدار البيضاء لأكثر من مرة ضروريا لاستجماع الخلاصات و بناء الملاحظات، فإلى "مملكة الكتاب"…
سلطة المقدس أولا
جولة سريعة في أروقة المعرض ستجعل الزائر يخرج بنتيجة مفادها ألا سلطة تعلو على "سلطة المقدس"، فالكتاب الديني يملأ رفوف مختلف العارضين، و بنسب عالية، تجعل من حضورية كتب أخرى تنفتح على العلوم الإنسانية مجرد استثناء.
فالكتاب الديني الذي أثيرت بصدد دخوله زوابع خلافية على عهد وزير الثقافة السابق محمد الأشعري، هو الذي يبيع أكثر، حسب تعبير أحد العارضين المشرقيين الذي يقول " نحن في دارنا نتوفر على كتب مهمة في العلوم الإنسانية، لكننا نوثر إحضار الكتاب التراثي و الديني لأنه يباع أكثر".
المراهنة على الكتاب الديني لم تكن من فعل دور النشر المشرقية، بل انتقلت عدواها إلى دور النشر المغربية أيضا، فدار الأمان مثلا حرصت على أن تكون السلطة كاملة للمقدس، و هذا ما ينتقد الباحث خالد عاتق بالقول" حتى الدور المغربية انساقت مع هذا التوجه، لقد كان من الأفضل أن يسموه معرض الكتاب الديني".
و في سياق ذي صلة يقول نور الدين درواش في بيان له نشره بموقع هسبريس بأنه "في الوقت الذي تُمنع فيه العديد من دور النشر والتوزيع السُنِّية، يُفسح المجال لكثير من دور النشر والتوزيع التي تروج للفكر الشيعي الغالي ومن هذه الدور"مؤسسة الأعلمي للمطبوعات"الشيعية اللبنانية التي اعتدتُ شخصيا على زيارة رواقها كل عام منذ ما يقرب من عشر سنوات وكنت في كل مرة ألاحظ خطورة ما تنشره من أفكار شيعية سواء من خلال المراجع الكبرى للمذهب الإمامي الإثنا عشري، أومن خلال بعض المؤلفات المعاصرة أومن خلال بعض كتب الأطفال التي تدُسُّ سموم الرفض والطعن في الإسلام في عسل حب آل البيت"، كيف السبيل إلى تدبير هذا الاختلال في العرض؟
بالطبع لا يمكن للوزارة عن تجبر العارضين على أنواع الكتب التي يتوجب عليهم عرضها، و حتى إن حاولت ذلك فإن سيناريو زوبعة الكتاب الديني مع الوزير الأشعري من الممكن أن يعاد بنفس التفاصيل أو بحروب رمزية و مادية أكبر في ظل مشهد سياسي مفتوح على الصراع و الخلاف بدل الاختلاف. لهذا لا تتعب الوزارة نفسها بتحديد سقف العناوين المطلوبة في كل تخصص، لضمان نوع من التوازن بين المعارف و التخصصات المطروحة.
الطفل أولا..من يصدق؟
العارضون لا يراهنون على المقدس الديني فقط للرفع من مداخيلهم، بل إنهم يهتمون أكثر "بثقافة" الطفل، فقد تبين لهم منذ الدورات الثلاث الأخيرة، أن لعب و قصص الأطفال تبيع أكثر تماما، كما هو الأمر بالنسبة لسلطة المقدس، خصوصا و أن المدارس الخاصة باتت تنظم، مع انعقاد كل دورة، رحلات لتلاميذها إلى "مملكة الكتاب"، هذه الرحلات التي تفيد أيضا أصحاب هاته المدارس الخاصة في الرفع من مداخيلهم أيضا.
يصرح لنا طفل قادم من الرباط يدرس بإحدى المدارس العالية الكعب بأن والديه دفعا مبلغا ماليا يقدر ب 300 درهم لقاء هذه الرحلة، علما بأن التغذية على حساب والديه لا المدرسة، فيما يصرح طفل من مدينة الدار البيضاء أن هذه الخرجة إلى المعرض استوجبت من أسرته دفع واجب مالي يتحدد في 60 درهما، و دونما حديث بالطبع عن وجبة الغذاء.
تعليقا عن شغب الأطفال و صراخهم الذي يعلو جنبات المعرض خصوصا يومي السبت و الأحد، يقول الأستاذ محمد دحمان الذي وجد صعوبة بالغة في الوصول إلى كتب تهم تخصصه الجامعي و هو الأنثروبولوجيا، "كان من الأفضل أن تخصص وزارة الثقافة دورة أو معرضا خاصا بكتب الأطفال يقام على هامش هذا المعرض، إنني لا أعرف هل أنا في معرض للكبار أم للصغار" و يضيف دحمان قائلا " من المهم أن نهتم بأدب و ثقافة الأطفال، و شيء مفرح أن نجد الأطفال يتسابقون على الكتب، لكن لنتأملهم، إنهم لا يلهثون إلا وراء الألعاب و الحلويات، كما أن من يؤطرهم من المربين و المنشطين، لا علاقة لهم بالكتاب، إنهم في خرجة استجمام لا غير".
الأعطاب المكرورة
نفس الأعطاب التي تتكرر كل سنة، كانت الدورة الخامسة عشر من عيد الكتاب على موعد معها، و هي أعطاب متصلة بالبرمجة و التنظيم، و التي جعلت المفكر المغربي عبد الله العروي يغادر في صمت بعدما دعي لتقديم و مناقشة كتابه الجديد الموسوم ب "السنة و الإصلاح".
فعلى الرغم من الجهد التنظيمي الذي بذله المسؤولون عن هذه الدورة، و الذي انعكس في الرفع من منسوب الحركية الثقافية للمعرض، و توسيع دوائر النقاش حول جملة من الاهتمامات النظرية و الفكرية التي تبصم المشهد المغربي، و كذا تنويع المتدخلين و المحتفى بهم، فإن هناك من البياضات و "الأخطاء" ما يسيء إلى تجربة ناضجة من العطاء على درب "الاقتصاد الثقافي".
فأحيانا كانت مواعيد الأنشطة تتداخل فيما بينها، خصوصا عندما يتعذر بدء اللقاء الأول في ساعته، فيكون متعذرا أيضا انطلاق النشاط الثاني في موعده و هكذا دواليك، مثلما يكون الإقبال أحيانا على بعض الأنشطة مثيرا للشفقة، فقد لا يتجاوز الحضور أصابع اليد الواحدة، بل إن بعض الندوات كان فيها المتدخلون أكثر من الحضور، فأين موطن العطب؟
يجيب القاص و الصحافي هشام لمغاري الذي قدم كتابه زين الكلام خلال فعاليات هذه الدورة بالقول " لا بد من التفكير بشكل عملي و تشاركي في تدبير هذه الأعطاب، فالمعرض الدولي للكتاب و النشر هو مناسبة متميزة في سمائنا الثقافية، و علينا أن نحصنها ضد الأخطاء التي لم تعد مقبولة بالنظر إلى عمر المعرض، و أقصد هنا بالتحديد الأخطاء التنظيمية التي يمكن تجاوزها بالتنسيق المسبق" و يستطرد لمغاري قائلا " و على العموم فالمعرض يحقق التميز دورة بعد أخرى، و أعتقد أنه سيكون أكثر تميزا في القادم من الدورات".
سلطة المدنس
هناك واقعة تتردد أكثر في التحليل السوسيولوجي و الأنثروبولوجي تتأسس بالضرورة على تواتر المقدس و المدنس، ففي الوقت الذي يلتهب فيه الحديث عن المقدس، يكون هناك و بنفس القدر، حديث آخر وفق جدل خفاء و تجل، عن المدنس. هذه الواقعة تأكدت ثبوتيتها أكثر في المعرض الدولي للكتاب و النشر، فبالرغم من سلطة الكتاب الديني و حضوريته المطلقة في أغلب الأروقة و الرفوف، فقد كان للمدنس حضور مواز وفق تفاصيل و خطاطات أخرى.
فلربما غيرت "عاملات الجنس" وجهتهن الاعتيادية، فبدلا من التوجه صوب عين الذياب و وسط المدينة، فقد وجدن في المعرض خير سبيل لعرض خدماتهن، شريطة ارتداء "عباية" خليجية و التردد على دور العرض المشرقية، و في مقدمتها الرواق السعودي الذي كان الأكبر.
فلم يكن المعرض حكرا على عشاق الحرف، و لا على الأطفال المكرهين على أداء ثمن الرحلات، بل كان ل "عاملات الجنس" حظ معلوم من "كعكة المعرض"، فقد كن يعرض، كما الجميع، خدماتهن على من يدفع أحسن، و هو ما تكرر أيضا مع كثير من الفتيات اللواتي كن يعملن كمساعدات للعارضين المشارقة، و اللواتي تحولن مع اندلاق أيام المعرض إلى خليلات بدل مساعدات.
و في هذا الإطار يقول أحد الكتاب المغاربة( فضل عدم ذكر إسمه) " لقد زرت رواق إحدى الدور العربية المحترمة في ثاني يوم من المعرض، كانت المساعدة تعمل بجد، و كان صاحب الرواق الذي يبدو لبنانيا من لكنته، يعمل بدوره بجد على تشجيع الزبناء على الاقتناء و تقديم خصم مهم، عدت في يوم آخر رغبة في شراء كتب أخرى منه، و الحصول مجددا على خصم مهم، لكن حضرته، لم يكن مستعدا للدخول معي في أي نقاش، لقد صرح بالثمن و أشاح عني بوجهه، إنه منشغل بالحديث إلى مساعدته التي لم تعد واقفة كما السابق، بل جالسة بالقرب منه في جلسة حميمية على ما يبدو". رفعت الأقلام و جفت الصحف، إنه مشهد متكرر بنسب أعلى في أروقة أخرى، صارت فيها سلطة المدنس تتواتر و تتتواشج بشكل غرائبي مع سلطة المقدس، فهل هو الدرس السوسيولوجي القديم؟
بأي جديد؟
بأي جديد عدت يا عيد الكتاب؟ إنه السؤال الذي ظل يتردد باستمرار، طيلة أيام المعرض، على الأقل لدى من يحرصون على زيارة المعرض كل سنة، متطلعين إلى شراء "خير جليس"، طبعا لن يكون إلا جاحد و حاطب ليل أيضا من يقول بأنه ليس ثمة جديد في هذا الموعد الثقافي؟
لقد كانت بعض الدور المغربية و المشرقية تحرص على تقديم الجديد و بصيغ جديدة أيضا، فدار توبقال للنشر قدمت أكثر من عنوان مهم و بتخفيض يصل إلى 25 بالمائة، و هو نهجه المركز الثقافي العربي لكن بنسبة تخفبض محصورة فقط في 15 بالمائة، في حين كان المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الأكثر إيجابية في مسألة التخفيض، فبالرغم من تقديم منشوراته بثمن شعبي، فإنه قدم لزوار المعرض هدية مائزة تمثلت في تخفيض يصل إلى 50 بالمائة، ليستحق من غير شكل لقب "الرواق المواطن".
إن مسألة التخفيض تدعو مرة أخرى إلى التساؤل عن الغاية من إقامة المعرض، فليس هناك من سبب لتنظيم المعرض غير تقريب القاريء من الكتاب، و ذلك بتوفيره بأثمنة تشجيعية، معلن عنها بشكل ممؤسساتي، فقليلة هي الدور التي تعلن عن نسبة تخفيضاتها، لتظل القاعدة المعمول بها في باقي الأروقة هي "الشطارة" و "الله يجعل الغفلة بين البيع و الشاري".
من جهة ثانية يؤكد الأستاذ العلوي سعيد باحث متخصص في التاريخ بأن "بعض الكتب تبدو غالية مقارنة مع سعرها في السوق، فمثلا كتب المنظمة العربية للترجمة و مركز دراسات الوحدة العربية لا تختلف في ثمنها عما هو معمول به في مكتباتنا المغربية، و هكذا بإضافة ثمن التنقل و التغذية ذات الأسعار الملتهبة بالمعرض، يصبح ثمن الكتب أكثر بكثير من سعره في السوق".
إن هناك حاجة قصوى إلى إعادة النظر في علاقة الوزارة بالعارضين، فلابد من دفتر تحملات بشروط جديدة يحدد آليات الاشتغال من أجل تجويد و تنويع الأداء، و ذلك بالحرص على تنظيم العرض وفق تخصصات محددة حتى لا يضيع الزائر في ركام العناوين التي تعرض كيفما اتفق، و كذا العمل على التنصيص علنا على نسبة الخصم و تطبيقها، هذا بالإضافة إلى تنويع المعروض بدل الاقتصار على الكتاب التراثي و الديني أو الإبداعي في أحسن الأحوال، فثمة مساحات فكرية و علمية تظل نصوصا غائبة في أزمنة المعرض الدولي.
لقد انتمت الطبعة الخامسة عشرة من "مملكة الكتاب" إلى سجل الفائت، تاركة وراءها ركاما من الأسئلة حول التنظيم و أعطابه و سلطة المقدس و المدنس و التهاب الأسعار و مسؤولية الناشر المغربي و العربي في تنويع أفق القراءة، و بالرغم من كل "الأخطاء" التي سقطت سهوا فإنها تظل دورة مائزة تعيد إلى المتتبع بعضا من الاطمئنان بشأن واقع القراءة بالمغرب، فالكتاب، و ضدا في زمن النت و الصورة ما زال مخطوب الود، فلنفرح قليلا بهكذا نتيجة…..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























