من النشر الورقي إلى النشر الإلكتروني
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 30 مارس 2009 الساعة: 12:50 م
من النشر الورقي إلى النشر الإلكتروني
مبدعو العوالم الافتراضية
عبد الرحيم العطري
بالأمس القريب عقد المدونون المغاربة جمعهم التأسيسي بالرباط، و قبلئذ بشهور أطلق مجموعة من أبطال الحرف و السؤال على ضفاف وادي السيليكون، مجلة لاتحاد كتاب الإنترنيت المغاربة، و في بحر العام 2005 عمد الأديب الأردني محمد سناجلة إلى الدعوة إلى تأسيس اتحاد كتاب الإنترنيت العرب، الذي يستعد اليوم لتنظيم أول انتخابات رقمية لتجديد هياكله المنتخبة، و مابين هذه اللحظات الدالة كانت القارة السابعة (الأنترنيت) بأخبار اليوتوب و الفايس بوك و المدونات و المواقع و النشر الإلكتروني تؤسس لحضور مختلف في تفاصيل المجتمع المغربي، فهل يتعلق الأمر بميلاد ثقافة افتراضية جديدة؟ و هل انتهى زمن السجال الورقي لينطلق و يتواتر زمن الإبداع بين نسيج العنكبوت الافتراضي؟ و كيف يسجل المغاربة من آل الحرف و السؤال حضورهم في هذه العوالم الجديدة؟
"مع الحدث" من الشروق الثقافية لهذا العدد يحاول أن يرتحل بكم إلى ضفاف أودية الافتراضي، بحثا عن إجابات محتملة لهذه الأسئلة، فإلى بعض من صبيب نت و نقرات ماوس….
هجرة نحو الافتراضي
هناك مبرارات موضوعية لا ذرائعية هي التي حسمت هذا الاختيار، و دفعت بالفكرة إلى أقصاها، لتترجم مدونة أو مسكنا افتراضيا على ضفاف وادي السيليكون، فدواعي اختيار الكتاب المغاربة لهذه المساكن يمكن توزيعها على مستويين على الأقل:
مستوى الحرية و الاستقلالية: و هو عنصر حاسم في الاختيار، فلقد تعودنا في مشهدنا الثقافي على أن النشر يظل في كثير من الأحيان مرتبطا بالانتماءات و الولاءات، و هذا يكاد يبين مثلا في النشر بالجرائد الحزبية التي ما زالت تعمل بمنطق حارس البوابة كما هو معروف في الأدبيات الإعلامية، فمن يحمل بطاقة الحزب ينشر له نصه و لو كان موغلا في الرداءة، و من لا يدين للمؤسسة التي تصدر الجريدة بأي ولاء يذكر، فسلة المهملات تصير خير مستقبل لنتاجاته و لو كانت عميقة الشكل و المحتوى.
مستوى المقروئية: علينا أن نعترف أن النص الذي ينشر في الجريدة الورقية، يظل عمره الافتراضي، من حيث التداول، قصيرا جدا، كما أن قراءه لا يتجاوز عددهم المئات في أحسن الأحوال، و ذلك بالنظر إلى محدودية القراءة و الإقبال على المنتوج الثقافي بالمغرب، لكن عندما ننتقل إلى وادي السيليكون، فإن القراء يعدون بالملايين، و قد لا يجد المرء الوقت الكافي للرد على كل البريد الوارد.
يمكن القول بأن الانترنيت جعل الكثيرين من آل الحرف و السؤال لا يموتون غيظا بسبب تأخر بعض الجرائد أو المجلات في نشر إبداعاتهم، أعصابهم ما عادت تحترق بسبب اعتذار المسؤول عن الجريدة عن نشر مقال بسبب معارضته لمصالح مالكي وسائل الإنتاج و الإكراه، أو تشويهه للمقال بسبب "اجتهاده" الزائد أو إخراجه الرديء. بفضل الشبكة يقوم الكاتب بنشر إبداعاته على الفور، في أكثر من موقع، و في أكثر من دولة، و بعدما كان لا يقرأ هاته الإبداعات إلا نزر قليل من المغاربة الذين يدمنون على شراء الجرائد، فإنه اليوم يقرأ من طرف الآلاف بل الملايين.
مقصلة النشر الورقي
من أكثر العوائق التي تسيج الفعل الثقافي بالمغرب، هناك مشكل ارتفاع تكاليف النشر، فأسعار طباعة و نشر و توزيع الكتب تظل الأكثر ارتفاعا في مجموع الوطن العربي، كما أن دور النشر لا تغامر بنشر عمل ما لشاب حديث عهد بالكتابة، بل إنها صارت اليوم بعد انطلاق عملية الدعم لا تنشر إلا ما هو مدعوم أصلا من وزارة الثقافة، فضلا عن ما له صلة بالمقرر المدرسي.
لكن اليوم و بفضل القارة السابعة المفتوحة على عوالم الإنترنيت الافتراضية، يمكن القول بأن فزاعة النشر الورقي لم تعد تخيف كثير من الكتاب، نظرا لانبناء مساحات و صيغ جديدة للنشر على ضفاف وادي السيليكون، و بأقل الخسائر الممكنة و بأكثر درجات الانتشار و الحضور. فالنشر الإلكتروني غير مكلف ماديا، فتكفي زيارة موقع أدبي، و إتقان عملية "أضف مقال"، لنشر النص في أقرب الأوقات، و دون أن يتعرض النص المنشور لمقص الرقيب أو يرفض نشره أو يتلكأ المسؤول عن التحرير في نشره، و لو كانت جرعة الجرأة و الشغب المعرفي عالية بين حروفه.
ما يميز النشر الرقمي هو سرعة و كونية الانتشار و تواضع كلفة النشر، فنشر الإبداعات الفكرية يمكن أن يتم في إطار المدونات أو المواقع الخاصة في أقل من دقيقة، و في أقل من يوم واحد بالنسبة لمواقع المجلات الإلكترونية، كما أن المتلقي المفترض للمنشور على ضفاف الإنترنيت لا يعد بالمئات شأن ما ينتظره المبدع المغربي، إن هو غامر بنشر كتاب ورقي، بل يعد بالملايين، و من مختلف بقاع الأرض، كما أن الكلفة تظل زهيدة للغاية مقارنة مع ما يتطلبه نشر كتاب ورقي.
أسئلة الجودة
النشر الرقمي له حسنات بهية، لكن بالنظر إلى ما بات يعرفه عالم الإنترنيت من سرقات أدبية مفضوحة، و استعمالات غير مأذونة للنصوص من قبل الآخرين، فإنه يغدو سيئا للغاية، فهناك بعض المواقع التي لا تجد أدنى حرج في السطو على مواد الغير و توظيفها شر توظيف في سياق ما يخدم مواقفها الملتبسة و العدائية، و هناك كتاب آخرون يعمدون إلى تغيير العناوين و قلب النصوص و نشرها باسمهم دونما خجل.
لهذا فمن أكبر مساوئ النشر الرقمي هو أنه شرع أبواب السرقة الأدبية أمام أشباه المثقفين، كما أنه منحهم فرصة لتفريغ أحقادهم و سمومهم تجاه الدول و الأشخاص و المؤسسات، في استغلال رديء و بشع للحرية التي يتيحها السفر عبر وادي السيليكون.
و عليه يمكن القول بوضوح تام بأن النشر الإلكتروني لا يمكن أن يصنع مبدعا، إنه يوسع دوائر الانتشار فقط، أما الإبداعية فلا تكون بالصدفة و لا بالماركوتينع الإلكتروني، بل يجذرها المشروع الفكري و الإبداعي الذي يحمله المبدع في أعماق. ما يؤسس الفعل الإبداعي ، و ما يؤصله و يجذره في مشهد التلقي و المتابعة ، هو ما يحوزه هذا الفعل من إمكانيات ، و ما ينطوي عليه من رؤى و قيم تشذ عن العادي و الاعتيادي ، فالعمق المعرفي و الأصالة الإبداعية هي التي تميز المنجز الإبداعي . و هذا التميز يعد بامتياز جسر عبور محتمل نحو الانتشار . فتسجيل الحضور في المشهد الثقافي يكون عبر الممارسة الجادة التي تقطع مع الاختزال أو التعميم .ما يعبد الطريق أمام أي كاتب و بغض النظر عن انتمائه العمري، هو التميز و الفرادة.
المآل الملغز
النشر الإلكتروني تماما كما النشر الورقي هو محطة جديدة في مسار تطور الكتابة و الكتاب ، إنه امتداد لتجارب غارقة في القدم عرفت الحضارات الإنسانية خلالها عدة أنماط للكتابة و التدوال الثقافي ، فمن الكتابة و النقش على الصخور ، إلى الكتابة المسمارية إلى الكتابة على ورق البردي و الثوب و الرقاع ، إلى ظهور المطابع و توسيع دوائر الانتشار و التواصل الإبداعي . إلى عوالم النشر الرقمي على ضفاف العوالم الافتراضية للشبكة العنكبوتية .
الأمر متعلق إذن بتطور طبيعي صنعته الاجتهادات الإنسانية ، إنه تطور يشي باحتمال أكيد للجذر واقعيا في مختلف الميادين ، في الطريق إلى دول و منظومات إلكترونية مائة في المائة . لكن هذا التطور و إن كان بطعم الاكتساح ، فإنه لا يلغي بالمرة النشر الورقي ، فالمجتمع البشري أمامه مسافات زمنية كبيرة للقطع مع هذا النشر و الانتقال بالتالي إلى فرضية صفر ورقة .
لهذا فالاستعاضة عن النشر الورقي بالنشر الإلكتروني لا يمكن أن تكون سريعة جدا ، بل تتطلب تطورات و مخاضات حضارية عميقة ، إلا أنه يلاحظ اليوم أن النشر الإلكتروني خصوصا في الضفة الأخرى ، بات واقعا و فعلا أثيرا بالنسبة لكثير من الكتاب و المبدعين ، أما في هذا الهنا و الآن ، فما زالت الأمية الإلكترونية تعيق انخراط كثير من المبدعين المغاربة في وادي السيليكون ، فالقلة من آل الحرف و السؤال هم الذين انخرطوا في هذه العوالم ، في حين ما زالت الغالبية العظمى خارج زمن الإنترنيت.
و على سبيل الختم يتوجب التأكيد مرة أخرى على أن النشر الإلكتروني يفسح الطريق نحو الانتشار الواسع، لكنه لا يحسم التميز و الإبداعية، أي فالنص المنشور إلكترونيا، يعد متلقوه بالملايين، و من مختلف دول المعمور و مع ذلك فهذا الانتشار الواسع لا يمكنه أن يصنع الإبداعية، فهناك كتاب يسجلون حضورا قويا في مختلف مواقع الإنترنيت، و لهم مدونات و مواقع شخصية، لكنهم لم يصلوا إلى العالمية، فقط لأن نصوصهم لا تحمل أي عمق إبداعي، مثلما هناك بالمقابل مبدعون "ورقيون" يرفضون الانتماء إلى القارة السابعة، و مع ذلك فإنهم يؤسسون حضورا نوعيا في أزمنة الإبداع المائزة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























