في الطريق إلى إعادة إنتاج سيناريو العزوف و المقاطعة
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 15 أبريل 2009 الساعة: 15:52 م
جماعيات 2009
في الطريق إلى إعادة إنتاج سيناريو العزوف و المقاطعة
عبد الرحيم العطري
كل المعطيات و المؤشرات تسير في اتجاه تأكيد فرضية إعادة إنتاج واقعة نكسة شتنبر التشريعية، فجماعيات يونيو القادم من الممكن أن تكون بنفس معالم العزوف و المقاطعة، ما دام النسق السياسي المغربي ينضبط لنفس الأعطاب القديمة، فكيف السبيل إلى تجاوز هكذا وضع؟ و هل بالمقدور تحقيق مصالحة محتملة بين المواطن و السياسة و لو في العمر الميت من الطريق إلى الانتخابات الجماعية؟ و هل ستفيد هذه المليارات من الدراهم أو السنتيمات التي ستصرف خلال الكرنفال الانتخابي في إعادة الاعتبار للفعل السياسي و إضفاء معنى ما على التصويت الانتخابي؟
إن آثار السابع من شتنبر 2007 لم تنته بعد، إنها ما زالت حاضرة في تدبير خطاطات المغرب الراهن و القادم، خصوصا و أن الدروس لم تستلهم منها، فلا الأحزاب غيرت من أدائها السياسي، و لا الفاعل الدولتي غير من أسلوب تدبيره للانتخابات، فالأحزاب التي أوصدت مقراتها قبلا، باتت مؤخرا تفتح دكاكينها في الأحياء التي أخطأتها مشاريع التنمية، استعدادا للكرنفال الانتخابي القادم، معيدة إنتاج ما تقوم به دوما عشية كل انتخابات، كما أن الفاعل الدولتي واصل تقطيعاته المسكونة بهواجس انتخابية و أمنية أكثر من أي رهان آخر. بمعنى أن الدرس لم يستلهم، و أن آثار الصدمة ستلقي بظلالها على المواعيد القادمة، إننا سائرون من غير شك نحو إعادة إنتاج سابع شتنبر جديد مع فارق التسمية.
العطب القديم
لكن, كيف تشتغل الآلة الانتخابية لدينا؟ كيف يشتغل فاعلوها مع احتدام والتهاب الكرنفال الانتخابي؟ كيف يكون الموعد إياه؟ وما هي أدواته وأسلحته ما دام الأمر يتعلق بحروب سياسوية للأسف؟! وبالطبع, فلن تعوزنا الإجابات ما دامت الذاكرة الانتخابية لدينا تجيش بذكريات صادمة معبرة بقوة عن "الهولوكوست" الديمقراطي, فتجربة تزوير الانتخابات كافية لإبراز أدوات الاشتغال. وهي الحوادث التي وقعت بعيد توقيع التصريح المشترك وتعهد الجميع باحترام المبادئ الديمقراطية التي تتأسس عليها اللعبة الانتخابية. ولن نذهب بعيدا أيضا, فما حدث مؤخرا في إطار الانتخابات التشريعية الجزئية, يؤكد أن تجديد أدوات الاشتغال أمر مستبعد الحدوث!!
في ظل هذه الأوضاع الفادحة, هل يجوز لنا ولو اعتباطا السؤال عن العقل السياسي المؤطر للفعل الحزبي مغربيا؟ فبعد الانتخابات التي تطرح فيها الأحزاب نفس الشعارات أو البرامج, هل ثمة سؤال مشروع حول الاختيارات الإيديولوجية لكل حزب؟ فماذا عن الأحزاب الخارجة من أحضان القبيلة؟ ماذا عن الأحزاب التي تجمع بين أعضاء مكاتبها السياسية آصرة القبيلة أكثر من آصرة الهم السياسي الوطني؟ هل تنضبط إلى عقل سياسي نوعي يمكنها من ممارسة السياسة و دخول غمار الانتخابات بقيم جديدة تتجاوز الانتخابوية الرخيصة إلى الحس المواطناتي؟
لقد بدا واضحا من خلال الحملات الانتخابية السابقة أن الأحزاب المغربية وصلت إلى درجة عليا من التشابه في البرامج, فالكل يحمل شعار الديمقراطية الاجتماعية، والكل يقدس المبادئ التي تنحاز إلى الطبقات الكادحة، فالأحزاب بمختلف تلويناتها الإيديولوجية ترفع تقريبا نفس الشعارات و تستخدم نفس العبارات مثل العدالة الاجتماعية و التقدم و تحقيق الرفاه ، فهل هذا التشابه المشين هو الذي دفع عبد الله العروي إلى السقوط في منزلق تصنيف الأحزاب المغربية تصنيفا هلاميا؟! ينفتح على أحزاب اليسار الحداثي و اليمين الشعبي و الوسط الوطني والوسط الليبرالي ثم الوسط الجهوي، فما هي الأحزاب المغربية التي يمكن تصنيفها وفقا لهذا التقسيم؟
فقبل الدخول في تجربة التناوب التوافقي، وقبل أن ينجح المخزن في تدجين الأحزاب التقدمية و إدخالها إلى معطفه الناعم كانت النمذجة سهلة إلى حد ما، بحيث كانت الخطوط الإيديولوجية أكثر وضوحا، فهناك الأحزاب التقدمية في مقابل الأحزاب الإدارية التي تأتمر وتنتهي بما يقرره مهندسو وزارة الداخلية. لكن ما الذي حدث بعدئذ؟ الجواب طبعا نكتشفه بجلاء في مداخلة الأستاذ العروي التي عجز فيها عن القيام بتيبولوجيا حقيقية للمشهد الحزبي المغربي، فأين هي أحزاب اليسار الحداثي من اليمين الشعبي؟ وأين هو الوسط الوطني من الوسط الليبرالي من الوسط الجهوي ؟ و هل يمكن الحديث عن مفهوم الحزب في الحقل السياسي المغربي في ظل افتقاده لنظرية سياسية و لمشروع مجتمعي؟
إن هذا كله يؤكد أن العقل السياسي الذي ينضبط له الفعل الحزبي في المغرب قد أصابه الإفلاس ولم يعد قادرا على تحديد رؤاه وملامحه الأساسية، وهذا مأزق أكثر خطورة في النوع والدرجة، لأنه يعني الخصاء الفكري والعقم السياسي للحزب. و فضلا عن ذلك فالهاجس الانتخابي الذي يحكم اشتغال المؤسسة الحزبية بالمغرب يعد من مآزق الإفلاس المسؤولة عن تمييع الفعل السياسي وإفراغه من محتواه، فهذا الهاجس هو الذي يجعل الأحزاب تغط في سباتها العميق، لتستيقظ متأخرة قبيل الاستحقاقات الانتخابية وتبدأ في فتح الدكاكين السياسية وتعليق اليافطات الإسمية بهدف الاستقطاب وإعلان الوجود.
ففي الزمن الانتخابي فقط يلوح أمامنا الزعيم في عناق حار مع الكادحين والذين هم تحت، وتصير فيه أبواب الحزب مشرعة في وجه الجميع، وأطره مستعدون لحل كل المشاكل. لكن خارج الزمن الانتخابي تخبو البرامج وتغدو مقابلة أقل الأعضاء قوة في المكاتب السياسية مشروطة بموعد ومحسوبية!!
فالحزب كمؤسسة مجتمعية لا يظهر له أثر في المغرب خارج الكرنفال الانتخابي ولا ينزل قياديوه إلى القاع الاجتماعي بعيدا عن فترة الاستجداء السياسي، وهذا فعلا ما تجاوزه حزب العدالة والتنمية الذي لم يقل كلمته بعد أو لم تسمح له الجهات إياها بالحديث الفصل خلال انتخابات 2002 و 2007، فهذا الحزب الذي حصد مقاعد مهمة، و في مقدوره حصد المزيد، يشتغل عبر هياكله وبنياته على مدار السنة، ويعطي من خلال فاعليه نموذجا خاصا للنبل السياسي الذي هجرته الأحزاب التقدمية جريا وراء المناصب والمسؤوليات.
سلوك و حراك
فكيف يصوت المغاربة؟ و لماذا يختارون أو لا يختارون أشخاصا بعينهم ممثلين لهم في الهيئات المنتخبة؟ ما محددات السلوك الانتخابي مغربيا؟ ما شروط إنتاجه و إعادة إنتاجه الأولية؟
هذه و أسئلة أخرى تنشغل بالبحث عن المعنى المفترض للتصويت الانتخابي، تكاد تنطرح باستمرار، وفق جدل خفاء و تجل، قبل و بعد كل زمن انتخابي، لكنها في الغالب تظل بلا إجابات دقيقة، بسبب تركيبية هذا السلوك و انضباطه لخلفيات متعددة تمتح بالضرورة من سجلات ثقافية و قيمية متناقضة أحيانا.
إن التصويت كسلوك انتخابي لا ينبني في المغرب على معطيات عملية ورؤى تقييمية للبرامج الحزبية المطروحة في حلبة الصراع, بل يتبلور وفقا لمعايير العقل الجمعي وبصمات التنشئة الاجتماعية. وما دامت قيم القبيلة والعار والبركة وعبادة الأولياء تبصم المسار التنشئوي الاجتماعي, فإن هذه القيم تلعب دورا حاسما في هذا السلوك. وبذلك فالتصويت لا يكون على المؤسسة الحزبية ولا على برامجها واختياراتها الإيديولوجية, بل يكون أساسا على الأشخاص واتصالا بقوة بالعصبية القبلية والانتماء الإثنوغرافي, فضلا عن العار و "مشاركة الطعام" وما إلى ذلك من الإغراءات المادية "شراء الأصوات" التي تنتعش في مجتمع الفقر والفاقة.
و دائما في إطار تشريح العناصر الفاعلة في اللعبة الانتخابية، وبهدف كشف أوراقها ومقاربة طرائق اشتغالها نصادف "المرشح" كفاعل انتخابي يستجدي أصوات المواطنين للظفر بمقعد ما، فما هي ملامح هذا الفاعل؟ وما هي الدوافع الثاوية وراء انخراطه في اللعبة؟ وكيف يتمثل هذه الانتخابات؟
إن هذه "الحروب السلمية" التي تصبو إلى تحقيق التداول على السلطة تجعل المشارك فيها من المرشحين تحديدا مستحضرا لاحتمالات الربح والخسارة. وبالطبع فلكل احتمال ثمنه الخاص وإمكانياته وفعاليته التي تنطرح على طول المرحلة، لكن الاحتماء بالمخزن والاستفادة من خيراته يظل هاجسا مركزيا يؤطر هذه الاحتمالات، ذلك أن المرشح لدينا لا يلهث وراء "التزكيات الحزبية" ولا يعقد التجمعات الدعائية ولا يضطر إلى صرف الأموال حبا في خدمة الصالح العام وفي الدفاع عن "المعتقدات الحزبية". أبدا إنه لا يفعل ذلك إلا بهدف الحراك الاجتماعي لحيازة مكانة أفضل في النسيج السوسيوسياسي، فالمرشح كفاعل انتخابي يستجدي أصوات المصوتين و يحلم بالحراك الاجتماعي الرأسي ليتحرر من أوضاع مأزقية أو ليواصل التألق في سماوات المخزن والقبائل الحزبية. وهذا يظهر بجلاء في جيوش المعطلين والأميين والأثرياء أيضا الذين يصرون على دخول غمار هذه الحروب بوعي سياسي هش!
فالانتخابات بالنسبة لهم ولغيرهم مناسبة مواتية للحراك الاجتماعي، خصوصا بعد خذلان الشهادات الجامعية وتدهور الظروف المعيشية أو بسبب الصعوبات البيروقراطية بالنسبة للأغنياء الذين يرشحون أنفسهم كممثلين للمواطنين في الهيآت المنتخبة. إن هؤلاء جميعا لا يجرؤون على دخول المعمعة بدون وجود مطامح ذاتية وأخرى موضوعية لا تنأى عن الرغبة الجامحة في إثراء الرأسمالين المادي والرمزي، لتظل الدوافع المعلن عنها في الحملات والاجتماعات من حس وطني وغيرة على المواطنين مجرد خطابات مجانية لا تبرح مكان بثها.
فما الذي ننتظره من "فاعلين" من هذا النوع؟ ما الذي نتوقعه منهم في معركة الانتخابات المغربية وما بعدها ؟ هل سيتجاوزون عتبة الفقر السياسي وينتقلون بالتالي إلى تضميد الجراح الوطنية التي لم تندمل بعد؟ أم أنهم سينشغلون بتحصيل ما "خسروه" من أموال في عمليات شراء الأصوات؟!
إعادة الإنتاج
تشير العديد من المعطيات و المؤشرات إلى أن نكسة السابع من شتنبر قد يعاد إنتاجها بنفس معالم العزوف و المقاطعة في الموعد الانتخابي القادم، ما دام النسق الحزبي ينضبط لنفس الخطاطات، و ما دام ترسيم القطائع فعلا مستبعد الحدوث، فضلا عن حضورية منطق التغير داخل نسق الاستمرارية.
فالشباب مثلا في مقاطع مهمة منه لا يتمثل السياسة إلا كوسيلة للإثراء غير المشروع و الحسابات الصغيرة و الضيقة التي لا يفيد منها إلا من يملك رساميل رمزية و مادية لا تتأطر أصلا بالكفاءة و التميز و إنما بعناصر أخرى على درجة عليا من التعقيد و التركيب، كما هذه الفئة الحيوية تعي جيدا أن الانتخابات لا تصنع تغييرا في المغرب، فالصناديق الزجاجية التي تأوي أصوات الناخبين لا يمكنها بالمرة أن تغير من واقع الحال، بل على العكس من ذلك إنها تساهم في شرعنة القائم من الأوضاع و ضمان استمرارية نفس الشريط السياسي، فقط يختلف الشكل من سجل لأخر، لكن الجوهر يظل هو، فكيف نطلب من شاب لا يلمس تغييرا بسبب الانتخابات التشريعية أن يتوجه برأيه إلى انتخابات جماعية.
يبدو أن نسبة هامة من الشباب المغربي قد اعتلت بعدوى اللا رهان، فلم يعد هناك من شيء يمكن المراهنة عليه من أجل إعادة كتابة تاريخ النسق، فلم يعد الشباب و غيرهم يراهنون على أية لحظة سياسية من أجل تنسم أوضاع جديدة من الحرية و العدالة الاجتماعية، لهذا نلاحظ نوعا من الاستقالة الجماعية التي يقدمها الشباب و غيرهم من الحياة العامة، هذه الاستقالة أشبه ما تكون بحالة شرود جماعي تتمثل في البحث عن انتماءات جديدة كالموسيقى الجديدة و الشغب الرياضي و حب البارصا و التطرف الديني و الانهراق مع مسارات الإجرام و الأقراص المهلوسة
سبب آخر قد يدفع الشباب إلى صناعة الحدث مقاطعة و عزوفا في المواعيد القادمة، له علاقة بمباشرة بتمثل صناع القرار الحزبي للشباب، فهذه الفئة الحيوية لا يتم تمثلها إلا كجيش احتاطي يصلح لتأثيث المؤتمرات و الاشتغال في الحملات الانتخابية كأصوات للاحتفاء و التشجيع، فيما لا يحضر في أعلى دوائر التدبير إلا من أجل تلميع الواجهة و تأكيد الانتصار لثقافة الشباب، فالزعيم السياسي بالمغربي لا يغادر منصبه إلا بفضل ديمقراطية عزرائيل، و تجديد النخب يظل نصا غائبا في اشتغال أحزابنا السياسية، فكيف و الحالة هذه ننتظر من الشباب أن يذهب إلى صناديق الاقتراع لكي يساهم في إنتاج أوضاع لا يفيد منها بالمرة.
جماعيات 2009 كما تشريعيات 2007 لا يمكنها أن تصنع تغييرا في المغرب، فلماذا تصر وزارة الداخلية على صرف مليارين على انتخابات لن تفيد في صناعة التنمية المطلوبة؟ بل ستعيد إنتاج نفس العطب القديم الذي يجعل من التنمية المحلية نصا غائبا أو في أحسن الأحوال تنمية معطوبة أو مؤجلة؟
++++++++++++++++
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























