مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

قصة قصيرة: جيل الخيبة

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 22 مايو 2009 الساعة: 11:28 ص

قصة قصيرة:

جيل الخيبات

عبد الرحيم العطري

الحروف تفر مني، العبارات لا تأتيني مطواعة منقادة، لا أستطيع إلى الانكتاب سبيلا، ربما هو عقم ألم بي، أتراني مضطر لعيادة طبيب مختص؟ أم أنني سأجد دوائي لدى باعة الأعشاب و محرري التمائم؟ عاجز اللحظة عن هزم بياض الصفحة.. أحسني راغبا في البوح، في التقيؤ، في الانكتاب،…لكن العجز يستعمرني، ربما هي لعنة الانتماء إلى أزمنة العجز و الانكسار، ربما هي ضريبة الوعي الشقي.. صدري يكاد يتصدع من فرط ما يعتمل فيه، لساني لا يسعفني، و حتى إن أسعف فمن يستمع؟

          يفترض أن أهزم البياض، يفترض أيضا أن أحكي، أن "أنظم" نصا، قصا، و ربما ألما، لي كامل الاختيار لتقرير حال و مآل هذا القول، و لنا الاختيار فقط فيما يتعلق بالألم و الضياع، فإلى البدء أو إلى المنتهى، لهذا أختار نصا عابرا لقارات السرد، عابرا لأجناس القول، و لا عجب في ذلك، إنه زمن الصواريخ العابرة للقارات و الهزائم العابرة للأنفاس، و المسدسات الكاتمة للأصوات، فكيف لا تكون حكايانا متنطعة و عصية على التجنيس؟

نحن جيل الدمار، جيل الخيبات و التشظيات، لهذا نولد في كل انكتاب، كما الموت، كما الفجيعة تنغرز في الخافق، نولد و نموت عشرات المرات، و نكتشف في كل حين أننا ندحرج صخرة العذاب باتجاه الوراء، نعيش بلا بوصلة، نبحر في اتجاه العدم، خبزنا مر و قهوتنا فادحة لم تحك عنها مساءات العرب، نفرح قليلا و نبكي كثيرا، نرقص لماما و نلبس ثوب الحداد كل عشية.

+++++

فهذا سعيد بن مسعود، من جيل الهزيمة يحكي، و يفترض فينا أن نستمع له، أليس كذلك؟

" الإسم سعيد بن مسعود، لا علاقة تربطني بهذا الإسم، هو مجرد إسم لا غير، أحمله رغما عني، لم أختره، و لم يختره حتى والداي، اختاره لهما موظف الحالة المدنية، و ما كان عليهما إلا أن يذعنان لرغبته، خبرت المنافي و السجون، تعلمت كيف أدبر أزمنة العطب، لم أجرب النضال مع اليسار، كما قد تتوهمون، فلي يساري الخاص، و مطرقتي و منجلي الخاصين، كنت و ما زلت أنانيا، فقد علمتي تفاهات الوقت أنه "أنا و بعدي الطوفان"، لا تسألوا عن مهنتي، حتى لا أصاب بالإحراج، فقط اعلموا أن الجدران و "رؤوس الدروب" باتت تعافني من كثرة اتكائي عليها.. لا أستفيق إلا في حدود الحادية عشرة صباحا، أشعل سيجارة في البدء، أرتشف قهوة ممزوجة ب "المعيار" و "ضريب المعنى"، أغادر البيت في صمت، ألتحق برأس الدرب، أدخن لفافة حشيش، و أغادر إلى مقهى الحي، أطالع جرائد اليوم "بيليكي"، و أجرب حظي مع السودوكو و الكلمات المسهمة، أدخن السيجارة تلو الأخرى، أتلقف أخبار البارصا، أساعد أبناء جيلي المعطوب في اختيار أحصنة الحظ، و لا أتردد في المراهنة على بعض "الطواكر" عندما يكون الجيب دافئا…هنا في المفهى بيتي و ملاذي أنسى أنني كنت طالب علم بالأمس القريب، أنسى أنني كنت عاشق حرف و سؤال، فقط أذكر الانتماء إلى جيل الخيبة و الانكسار"…

+++++

و هذه سعيدة بنت مسعودة، من جيل الهزيمة تحكي، و يفترض فينا أن نستمع لها، أليس كذلك؟

" لم تهدني الأيام إلا علقما، لم يمنحني أحد وردة محبة، فقط هو الموت و الضياع في زحمة الوطن، لم أستشعر يوما دفء الانتماء إلى ما يسمى وطنا، ينادونني عبر الجريدة و التلفاز: "أختي المواطنة"، عشية كل كرنفال انتخابي، و ما دون ذلك لا يطلبونني إلا باسم "البايرة" و "الفاعلة" و "التاركة".. أنا المقدودة من خرائط الهزيمة، و المجبولة على مصاحبة الفجيعة، أنا الأنثى التي ماتت فيها الأنثى، أقتل الوقت بن الكلب على حافة المدينة، أستفيق في حدود الحادية عشرة صباحا أو مساء، لا يهم الفرق، أغادر السرير بعد لأي، أو أساسا بعد سماع ما لا يسمع من "معيار"، أدخن سيجارة مهربة في "دار الوضوء"، أمطر المكان بزخات المعطر، حتى لا تكشفني الوالدة، و إن كانت تعرف أنني أدخن.. أبدأ صباحي بقهوة سوداء، أستلقي فوق اللحاف قبالة التلفاز لأسافر عبر الفظاعيات العربية، من قناة لأخرى، أستمع للأجساد الطرية و هي تتمايل عناء أو سكرا.. إلى أن يحضر أخي الذي عفا عن لحيته، لأنتقل إلى الفضائيات الدينية موهمة إياه بأنني ملتحقة بركبه قريبا.

أوهمه و أوهم والدتي بأنني ما زلت سعيدة التي خبرتها بداية الألفية الثالثة لما تحصلت على دبلوم عال في الأدب الفرنسي، أوهمهم و أوهم نفسي بأنني ما زلت كما الفائت، عاشقة حرف و كتابة، تنطلي عليهم و علي حيل الالتواء و التوهيم و أستمر في بناء اللحظة من غير تحوير أو تزوير، تماما كما الأمس، كما اليوم، كما غدا من غير شك"

+++++

و هذا مسعود بن سعيد، من جيل الهزيمة يحكي، و يفترض فينا أن نستمع له، أليس كذلك؟

" الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا، لم يعد ممكنا الاستمرار في النوم، بتثاقل أتوجه نحو المغسل، أتأملني جيدا، من خلال مرآة مكسورة، تصنع من وجهي وجوها متناثرة، أعرف أنني كذلك، المتعدد في واحد، كما تدعي إعلانات الدعاية، و هي تكشف عن ميزات ذلك الشامبوان الذي لم يستطع هزم قشرة الشعر، خلاقا لما تقسم به ذات الإعلانات، أستل كتابا ما من رفوف تسمى اعتباطا خزانة، أدخل إلى "بيت الما"، متأبطا كتابا عن ميكانيك السيارات، إنها عادة لم أستطع التحرر منها، أن أدخل برفقة كتاب إلى المرحاض، عادة أصابتني عدواها مذ علمت أن الإنسان في مجموع حياته، يقضي في متوسط الأحوال أزيد من سنتين داخل المراحيض، منذئذ قررت أن يكون ما تبقى من هاتين السنتين قراءة لمتون مختلفة و من غير تخطيط مسبق.

لكن فيم تفيد هذه القراءات؟ فها الذين يخاصمون خير جليس هم الذين يتعملقون في المغارب المخملية، فيما نحن جيل الخيبة و الانكسار، نموت من فرط الألم، نغرق في الفجيعة و لا نستطيع إلى بارقة أمل و كسرة خبز سبيلا. أترك الكتاب جانبا، ألتحق برأس الدرب لتدخين لفافة محشوة بالحشيش، يسلمني إياها، بزناس الحومة تضامنا وتواطؤا مع الخائبين

++++++++

و هذه مسعودة بنت سعيدة

صباحا أو ظهيرة، لا يهم الفرق، المهم أنني أغادر الفراش بتثاقل شديد، كل يوم، كما الأمس، كما السنة الفائتة، كما كل السنوات التي تذكرني بمراهقتي التي,…كالغد من غير شك، أترك سريرا من الحلفاء، أرفض التفريط فيه ضدا في "ثقافة الإسفنج".

أدير زر الراديو، تأتيني الإذاعة الوطنية دوما، فما أنا براغبة في الانفلات من إسار هذه المحطة، بالرغم من ظهور إذاعات خاصة و أحواض استماع و تراخيص "هاكا"، على الأقل هنا في إذاعة الرباط، ما زال الاحترام قيمة غير قابلة للتفاوض، و شخصيا يمكن أن أفرط في كل شيء إلا "الاحترام"…

أنا سيدة محترمة، و حق الرب محترمة، أحترم و لا أحترم إلا قليلا، و بسبب انهجاسي القوي بمبدأ الاحترام، فإنني أحترم رغبة جسدي في النوم كثيرا، لا أمنعه من الاسترخاء إلى منتصف النهار أو عصره، لا يهم الفرق، نحن جيل الخيبات الذي ما عاد يعطي للزمن معنى ما، و كيف نهبه المعنى و هو يفحمنا باللامعنى؟

بعد احترامي و وفائي للإذاعة الوطنية لا أتردد في القول لمنتقدي سلوكاتي " وا ميتة الحركة، لا خدمة و لا هم يحزنون"، و لا عجب في ذلك فأنا المحترمة التي ترفض واقعا و تمارسه، أبكي و أضحك، أرفض الجنوح و أمارسه، أرفض زمن العرافة و أتحسس حرزا أسفل الثدي، فما أنا إلا نتاج خالص لخيبات و انكسارات لا تنتهي، و لا طاقة لي لخيانة نصي الأصلي، النص الماكر دوما، نص الانتماء إلى اللا انتماء.

+++++

          يفترض أن نفرح بهزم البياض، يفترض أيضا أن نبحث عن ذروة الحكي، أن ننتهي من "نظم" نص، قص، و ربما ألم، لي كامل الاختيار لتقرير حال و مآل هذا القول، و لنا الاختيار فقط فيما يتعلق بالألم و الضياع، فإلى المنتهى أو البدء، لهذا أختار نصا عابرا لقارات السرد، عابرا لأجناس القول، و لا عجب في ذلك، إنه زمن الصواريخ العابرة للقارات و الهزائم العابرة للأنفاس، و المسدسات الكاتمة للأصوات، فكيف لا تكون حكايانا متنطعة و عصية على التجنيس؟

نحن جيل الدمار، جيل الخيبات و التشظيات، لهذا نولد في كل انكتاب، كما الموت، كما الفجيعة تنغرز في الخافق، نولد و نموت عشرات المرات، و نكتشف في كل حين أننا ندحرج صخرة العذاب باتجاه الوراء، نعيش بلا بوصلة، نبحر في اتجاه العدم، خبزنا مر و قهوتنا فادحة لم تحك عنها مساءات العرب، نفرح قليلا و نبكي كثيرا، نرقص لماما و نلبس ثوب الحداد كل عشية.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين