مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

دردشة حول النشر الرقمي هنا و الآن

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 25 يناير 2007 الساعة: 14:42 م

الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري لمجلة  الإنسان الجديد

 

دردشة حول النشر الرقمي هنا و الآن

****

حاورته : نادية خالد

         - ما هي بنظرك الأدوات الفنية و الإبداعية التي تضمن للكتاب الشباب النشر و الانتشار في نفس الآن ؟

        ما يؤسس الفعل الإبداعي ، و ما يؤصله و يجذره في مشهد التلقي و المتابعة ، هو ما يحوزه هذا الفعل من إمكانيات ، و ما ينطوي عليه من رؤى و قيم تشذ عن العادي و الاعتيادي ، فالعمق المعرفي و الأصالة الإبداعية هي التي تميز المنجز الإبداعي . و هذا التميز يعد بامتياز جسر عبور محتمل نحو الانتشار . فتسجيل الحضور في المشهد الثقافي يكون عبر الممارسة الجادة التي تقطع مع الاختزال أو التعميم .

         ما يعبد الطريق أمام أي كاتب و بغض النظر عن انتمائه العمري ، هو التميز و الفرادة ، لكن بالنظر إلى ظروف النشر و الانتشار الفكري و الأدبي مغربيا و عربيا ، يمكن القول بأن ثمة عوامل أخرى تصير على الخط و تحسم في النهاية مستويات و نماذج شتى لتسجيل الحضور ، و هذا يكاد يبين مثلا في النشر بالجرائد الحزبية التي ما زالت تعمل بمنطق حارس البوابة كما هو معروف في الأدبيات الإعلامية ، فمن يحمل بطاقة الحزب ينشر له نصه و لو كان موغلا في الرداءة ، و من لا يدين للمؤسسة التي تصدر الجريدة بأي ولاء ي\كر ، فسلة المهملات تصير خير ما يستقبل مجموع نتاجاته و لو كانت عميقة الشكل و المحتوى .

         عائق آخر يحول دون النشر ، يظل أكثر اتصالا بالجانب المادي ، فأسعار طباعة و نشر و توزيع الكتب تظل الأكثر ارتفاعا في مجموع الوطن العربي ، كما أن دور النشر لا تغامر بنشر عمل ما لشاب حديث عهد بالكتابة ، بل إنها صارت اليوم بعد انطلاق عملية الدعم لا تنشر إلا ما هو مدعوم أصلا من وزارة الثقافة ، فضلا عن ما له صلة بالمقرر المدرسي .

لكن اليوم و بفضل القارة السادسة المفتوحة على عوالم الإنترنيت الافتراضية ، يمكن القول بأن النشر فزاعة النشر الورقي لم تعد تخيف كثير من الكتاب الشباب ، نظرا لانبناء مساحات و صيغ جديدة للنشر على ضفاف وادي السيليكون ، و بأقل الخسائر الممكنة و بأكثر درجات الانتشار و الحضور .

      - في ظل الثورة التكنولوجية الحديثة التي طالت كل الميادين  و من بينها الطباعة ، هل يمكن القول برحيل النشر الورقي و الاستعاضة عنه بالنشر الإلكتروني ؟

      النشر الإلكتروني تماما كما النشر الورقي هو محطة جديدة في مسار تطور الكتابة و الكتاب ، إنه امتداد لتجارب غارقة في القدم عرفت الحضارات الإنسانية خلالها عدة أنماط للكتابة و التدوال الثقافي ، فمن الكتابة و النقش على الصخور ، إلى الكتابة المسمارية إلى الكتابة على ورق البردي و الثوب و الرقاع ، إلى ظهور المطابع و توسيع دوائر الانتشار و التواصل الإبداعي . إلى عوالم النشر الرقمي على ضفاف العوالم الافتراضية للشبكة العنكبوتية .

الأمر متعلق إذن بتطور طبيعي صنعته الاجتهادات الإنسانية ، إنه تطور يشي باحتمال أكيد للجذر واقعيا في مختلف الميادين ، في الطريق إلى دول و منظومات إلكترونية مائة في المائة . لكن هذا التطور و إن كان بطعم الاكتساح ، فإنه لا يلغي بالمرة النشر الورقي ، فالمجتمع البشري أمامه مسافات زمنية كبيرة للقطع مع هذا النشر و الانتقال بالتالي إلى فرضية صفر ورقة .

      لهذا فالاستعاضة عن النشر الورقي بالنشر الإلكتروني لا يمكن أن تكون سريعة جدا ، بل تتطلب تطورات و مخاضات حضارية عميقة ، إلا أنه يلاحظ اليوم أن النشر الإلكتروني خصوصا في الضفة الأخرى ، بات واقعا و فعلا أثيرا بالنسبة لكثير من الكتاب و المبدعين ، أما في هذا الهنا و الآن ، فما زالت الأمية الإلكترونية تعيق انخراط كثير من المبدعين المغاربة في وادي السيليكون ، فالقلة من آل الحرف و السؤال هم الذين انخرطوا في هذه العوالم ، في حين ما زالت الغالبية العظمى خارج زمن الإنترنيت .

      النشر الإلكتروني غير مكلف ماديا ، فتكفي زيارة موقع أدبي ، و إتقان عملية أضف مقال ، لنشر النص في أقرب الأوقات ، و دون أن يتعرض النص المنشور لمقص الرقيب أو يرفض نشره أو يتلكأ المسؤول عن التحرير في نشره ، و لو كان جرعة الجرأة عالية بين حروفه .

      و بالرغم مما يتيحه النشر الإلكتروني من انتشار واسع و سهولة في إيصال الأفكار و المواقف مع اقتصاد الوقت و الجهد ، فإن النشر الورقي ما زال حاضرا بقوة في تفاصيل المشهد الثقافي المغربي ، لاعتبارات عديدة ، أهمها أن الحواسيب و الإنترنيت لم تلج كل البيوت المغربية بسبب التنمية المعطوبة و الفقر و الفاقة ، فضلا عن كوننا لم نقض لحد الآن على الأمية الأبجدية ، فما بالنا بالأمية الإلكترونية .

      لا شك أن لكل بديل جديد تفرده الخاص ، فما هي حسنات و مساوئ النشر الرقمي ؟

      ما يميز النشر الرقمي هو سرعة و كونية الانتشار و تواضع كلفة النشر ، فنشر الإبداعات الفكرية يمكن أن يتم في إطار المدونات أو المواقع الخاصة في أقل من دقيقة ، و في أقل من يوم واحد بالنسبة لمواقع المجلات الإلكترونية ، كما أن المتلقي المفترض للمنشور على ضفاف الإنترنيت لا يعد بالمئات شأن ما ينتظره المبدع المغربي ، إن هو غامر بنشر كتاب ورقي ، بل يعد بالملايين ، و من مختلف بقاع الأرض ، كما أن الكلفة تظل زهيدة للغاية مقارنة مع ما يتطلبه نشر كتاب ورقي .

      وفقا لهذه الإشارات فالنشر الرقمي له حسنات بهية ، لكن بالنظر إلى ما بات يعرفه عالم الإنترنيت من سرقات أدبية مفضوحة ، و استعمالات غير مأذونة للنصوص ن من قبل الآخرين ن فإنه يغدو سيئا للغاية ، فهناك بعض المواقع لا تجد أدنى حرج في السطو على مواد الغير و توظيفها شر توظيف في سياق ما يخدم مواقفها الملتبسة و العدائية ، و هناك كتاب آخرون يعدون إلى تغيير العناوين و قلب النصوص و نشرها باسمهم دونما خجل .

      لهذا أقول بأن من أكبر مساوئ النشر الرقمي هو أنه شرع أبواب السرقة الأدبية أمام أشباه المثقفين ، كما أنه منحهم فرصة لتفريغ أحقادهم و سمومهم تجاه الدول و الأشخاص و المؤسسات ، في استغلال رديء و بشع للحرية التي يتيحها السفر عبر وادي السيليكون .

      - هل يمكن اعتبار النشر الإلكتروني جواز سفر نحو العالمية ؟

أي نعم النشر الإلكتروني يفسح الطريق نحو الانتشار الواسع، لكنه لا يحسم التميز و الإبداعية ، أي فالنص المنشور إلكترونيا ، يعد متلقوه بالملايين ، و من مختلف دول المعمور و مع ذلك فهذا الانتشار الواسع لا يمكنه أن يصنع الإبداعية ، فهناك كتاب يسجلون حضورا قويا في مختلف مواقع الإنترنيت ، و لهم مدونات و مواقع شخصية ، لكنهم لم يصلوا إلى العالمية ، فقط لأن نصوصهم لا تحمل أي عمق إبداعي ، لهذا أتحفظ من التأكيد على أن النشر الإلكتروني يعد جواز سفر نحو العالمية .

      مرة أرى أؤكد على أن النشر الإلكتروني لا يمكن أن يصنع مبدعا ، إنه يوسع دوائر الانتشار فقط ، أما العالمية التي تعني الانشغال العالمي بما يبدعه و يخطه الكاتب ، فلا تكون بالصدفة و لا بالماركوتينع الإلكتروني ، بل يجذرها المشروع الفكري و الإبداعي الذي يحمله المبدع في أعماقه .

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين