مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

قصة قصيرة : الرحماني و الكرين كارت

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 3 فبراير 2007 الساعة: 13:00 م

الرحماني و الكرين كارت

ألقى بجسده النحيل على حصير متهدل ، واضعا مرفقه الأيمن على وسادة ملأى بالتبن ، رجلاه تعبثان بتراب الأرض المتشققة عطشا ، قبالة ناظره تمتد الأرض الموات ، التي لم يستغلها أحد مذ تنازع مع إخوته على الإرث .

قبالته أيضا ينتصب إبريق من " لابروص" يرقد فيه شاي " زاعم " جدا ، به يهزم مرارة الوقت و يذيب ساعاته التي لا ترحل إلا بعد طول عناد ، و من أعلى شجرة التين الظليلة يتدلى " الترانزستور " الذي ورثه خفية من والده الذي كان يحكم أرض الجنوب ، لا شيء يقلق راحته غير كلاب " خيمة المكي " التي لا تنقطع عن النباح ، تماما كما المكي الذي لا يسلم من لسانه أي كان . هدوء موغل في الهدوء لا يكسره إلا النباح من جهة و الأخبار العاجلة التي يحملها الراديو ترانزستور من جهة أخرى .

****

صوت المذيع يؤكد أن العدو الصهيوني يواصل غاراته الجوية على الجنوب اللبناني ، دون أن ينسى توجيه ضربات أخرى إلى غزة …و حزب الله يرد له الصاع صاعين " ألا إن حزب الله هم الغالبون " ". يفرح الرحماني كثيرا بهذا الخبر العاجل ، يلقي كأس الشاي " الزاعم " في جوفه دفعة واحدة ، يتحسس حلاوة سكر القالب ، يضرب كفا بكف ، و يحدث نفسه بصوت عال " ها المعقول ..  الله يعطيك الصحة آ سي حسن نصر الله ".

يقف الرحماني ليعدل موجة الترددات أملا في " القبض " على إذاعة أخرى ، يفاجئه صوت مذيع رسمي و انبطاحي لدولة ما بين المحيط و الخليج ،  يتعالى من أعماق الترانزستور  صوته الماسخ مؤكدا أن حزب الله جر المنطقة إلى دمار شامل ، و أن ذات الحزب يعرقل عملية السلام !!!

****

يستل من " قب " جلابته الصوفية عصا رقيقة مجوفة تنتهي بغليون صغير من الطين ، إنه" السبسي " الذي أهدته إياه محجوبة حفيدة القايد العيادي الذي كان يملك الرقاب بقبائل الرحامنة ، يعمر"شقفه" ب " كيف " خالص عمل على قصه طول الصباح ، يضرم نارا هادئة فيه و بعود ثقاب من ماركة السبع المشمع ، إنه يرفض القداحات التي صارت بدرهم واحد ، مثلما يرفض الأخرى التي يستعملها سادة القوم ، من أجل عود الثقاب الشمعي يقطع مسافة لا تقل عن عشر كيلومترات ، حتى يجده بالفيلاج .

يهدي إلى صدره المهترئ مزيدا من دخان الكيف المعتق ، يتحسس " السبسي " و يتذكر لياليه مع محجوبة ، يتذكر عرضها القاضي بالرحيل إلى بلد العم سام  أواخر السبعينات  ، يطفئ نار الندم فيما تبقى من شاي بكأس " أمل حياتي " . فالكأس في دنيا الكيف لا تصلح للشرب فقط بل تستعمل كمنفضة  لأعقاب السجائر و " طفيات السبسي "، و تلك إبداعات  أخرى من توقيع ديوان الحشاشين.

****

كلاب المكي الذي صار مالكا للأرض و الناس بعدما كان مجرد "خماس" يعمل لدى القايد الرحماني ، و ب" الخبزة " لدى آخرين، كلابه لا تنتهي من النباح طيلة اليوم ، وحدها كما صوت المذيع الرسمي تخرق هدوء دوار الحنيشات جنوب بن جرير . نباحها يصل إلى حدود دوار الحجرة البيضاء الذي يستقدم منه الكيف من عند ولد الطاهرة ، وحدها كلاب المكي الذي صار برلمانيا ، كما المذيع لا تجيد غير النباح ، غير آبهة مثل سيدها بما يحدث في لبنان و فلسطين و العراق و كل البقاع التي تحاول دولة الكرين كارت أن تطوعها و تنهب خيراتها .

المذيع الرسمي كما المكي و كلابه يؤكد مرة أخرى أن فرنسا و أمريكا قد توصلتا إلى حل أمثل يجنب المنطقة مزيدا من حمام الدم ، الرحماني يخرج بصاقا متخثرا من تجاويف الرئة المهترئة بفعل الكيف ، يشتمه قويا " آ تفو .. الله يلعن اللي ما يحشم … بل الكاروش لاخر" …يعود للسبسي.. يعمر"شقفه" ب " كيف " خالص عمل على قصه طول الصباح ، يضرم نارا هادئة فيه و بعود ثقاب من ماركة السبع المشمع.

****

يدس يده في" قب " جلابته  مرة أخرى، يخرج إعلاما من السفارة الأمريكية يؤكد له فوزه في قرعة الورقة الخضراء ، هذا ما أخبرته به صاحبة نادي الإنترنيت بالفيلاج ، و التي ملأت له قبل سنة و نيف استمارة المشاركة في ذات القرعة ، يتذكر أنها يومئذ طلبت منه أن يأتيها بصورة من مقاس 5*5 ، و بسبب هذا المقاس اضطر إلى السفر إلى مراكش ، حتى يلبي رغبات العم سام ، المختلف عن الجميع ، فكل الإدارات و الدول تطلب صورا من مقاس 3*4 أو 3*2 بالنسبة للكارني ديال التعريف ، إلا هذه ال " أمريكا " التي تقول للعالم أجمع " و العمى .. خمسة على عينكم جوج مرات " .

ها الورقة الخضراء بين يديه ، و ها الطريق بدت سالكة نحو محجوبة التي انقطعت أخبارها مذ هاجرت نحو ذاك الهناك ، لما جردوها من الأملاك ، فهل يفعلها هذه المرة و يسافر بحثا عن شقيقة القلب التي لم تولد مثلها في البلاد ؟ تراه فاعلا ماذا؟

****

المذيع الرسمي يتعالى صوته من الترانزستور كما المكي و كلابه ، يذكر المستمعين بأن حزب الله و حماس و سوريا و إيران و كل الشرفاء في هذا الوطن الجريح يعرقلون مسلسل السلام ، يمعن في تحليلاته العطنة ، و يخبر بعدد القتلى ، و يختم بمقولته الماسخة بعد الانتهاء من أخبار الموت و الدم و الانبطاح " أيها المستمعون الأعزاء أترككم مع هذا الفاصل الغنائي "، يعقبه مباشرة صوت تلك المعتوهة التي تجيد العراء أكثر من الغناء " خلي الواوا … بوسي الواوا …"

الرحماني يرسل إلى الرئة المهترئة مزيدا من دخان الكيف ، يخرس الترانزستور ، فكلاب المكي أفضل ، النباح أفضل من الغناء البورنوغرافي على إيقاع القنابل و دم الشهداء  " ا تفو على بني كلبون ، بل الكاروش لاخر … بنت اللفعة الكرطيطة .. واش هاذا وقت الواوا .. و لا وقت الويل … الله ينعل اللي ما يحشم ".

****

الترانزستور معلق في الهواء ، إبريق الشاي " الزاعم " منتصب فوق الحصير المتهدل ، كلاب المكي تواصل عادة سيدها ، الأرض الموات التي تكتنز أسرار " مساخيط مولاي عبد العزيز"  تتراءى لعين كستها " الجلالة " اللعينة ، السبسي ذكرى محجوبة عاد إلى موضعه الأثير ، الرحماني يقف إيذانا بانتهاء جلسة المساء ، عليه أن يقصد ولد الطاهرة بدوار الحجرة البيضاء ، كي يجود عليه بربطة كيف" كتامية " الأصل ، و منه إلى الفيلاج كي يحضر ماركة السبع المشمع ، إعلام السفارة الأمريكية بيده اليمنى ، يتأمله جيدا ، تبدو له الطريق نحو العم سام و محجوبة الذكرى البهية قصيرة جدا ، ما عليه إلا أن يحضر وثائق أخرى و ينعم بالورقة الخضراء ، و يتحرر من لعنة الأرض الموات و المكي و كلابه ، تراه ماذا فاعلا ؟

****

يغادر شجرة التين قاصدا ولد الطاهرة ، يراوغ مساره العادي كي يتجنب خيمة المكي ، لا يريد أن يكلم إنسيا هذا المساء ، يريد حلا ، يريد قرارا ، الرحيل أو البقاء . من طريق ملأى ب " الزعبول" يتمشى الرحماني ، إلى أن يصل إلى بئر " غظيفة "  ، يتذكر ما قضاه من ليال برفقة محجوبة قرب هذه البئر ، يتأمل صفحة الماء البادية من فوق ، يتحسس إعلام السفارة ، تتشنج يده بعض الشيء ، يكوم الإعلام إياه ، يسويه من جديد ، يفكر ، لا يفكر في أي شيء ، يفتت الإعلام الأمريكي و يلقيه في عمق البئر .

لا مجال ، لا ورقة خضراء بعد اليوم ، و لا محجوبة قبلا و بعدا ، أنى له و الذهاب إلى ذات البلاد التي تذيق بني عمومته سوء العذاب؟ لن يكون رحمانيا قحا كما أجداده الذين كانوا من قبائل السيبة ، و لم يستطع المخزن تدجينهم بالمرة إلى أن نعتوا بمساخيط مولاي عبد العزيز ؟ لن يكون هو الرحماني الذي رفض نفس العرض الذي قدمته محجوبة و بشروط أفضل  ذات زمن بعيد ؟

****

يسرع الخطو في اتجاه دوار الحجرة البيضاء ، ليستقدم الكيف الكتامي ، يدير زر الترانزستور ، و يضبطه على إذاعة غير رسمية ، تفرحه أخبار القذائف التي يسقطها حزب الله على العدو الصهيوني ، يرسل دعوات صالحات إلى حسن نصر الله و كل الشرفاء في الوطن العربي الجريح ، و بالمقابل يرسل عظيم الشتائم و اللعنات إلى العدو الصهيوني و كل عرابيه و حلفائه العلنيين و السريين من أبناء العمومة أيضا .

لا مكان له و لا حياة له غير الذهاب و الإياب ابتغاء الكيف أو عود الثقاب ، و ارتشاف الشاي " الزاعم " قبالة الأرض الموات ، و على أخبار الترانزستور و كلاب المكي ، هذا ما انكتب عليه مذ رحلت محجوبة و رحل الخير و الخمير عن بلاد يقال أنها لو " صيفت " لكان للوطن طعم آخر .

 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين