مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

قصة قصيرة : أحمد العربي

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 3 فبراير 2007 الساعة: 13:02 م

أحمد العربي 

قريبا سينطلق كرنفال الامتحانات ، إنها الحصص الأخيرة لاستكمال الدروس ، و ترتيب أجواء الاختبار ، لكنها المناسبة الأخيرة للاطمئنان على مبيعات الكتب ، ها هو أحمد العربي ، عفوا سعادة الدكتور أحمد العربي ، يلج المدرج جيم ، يضع محفظته المهترئة فوق مكتب فقد لونه و نضارته ، يمسح الغبار عن نظارته السميكة ، يفتح المحفظة و يخرج منها لائحة الحضور أو المبيعات فلا فرق ، كتاب" المدخل لدراسة القانون" ، يستل من بذلته الملأى بقعا ، قلم حبر أحمر و أخر أسود ، يقطب حاجبيه إعلانا عن غضب من دخول و خروج الطلبة ، يتفحص مكبر الصوت بضربه باليد ، يكح مرات عديدة إيذانا بانطلاق المحاضرة ، و قبل أن يبدأ يعيد على الطلبة نفس الأسطوانة المشروخة " المستوى في تراجع ، القانون يتطلب طالبا نوعيا ، يوم كنت في السجن ، المفهوم الجديد للسلطة ، الكتاب بثمن شعبي في المتناول ، لا بد من شراء الكتاب و إلا ……."

يتأمل قائمة الحضور التي تقدمها له دار النشر المعروفة و ليس إدارة الكلية ، أسماء من اقتنوا الكتاب يمر عليها مر الكرام ، أما غير المتقنين فيرسل إليهم عبر صوته الخشن بعض تحذير ، فمن لا يقرئ السلام"لدار السلام " ستكون النقطة الموجبة للرسوب من نصيبه .

إنه يكره ضبط الحضور ، و مع ذلك يضطر لممارسته ، ليطمئن على مداخيل كتبه الجوفاء ، يكره " لابيل " لأنه يذكره بالزمن المغلق ، بسجن لعلو بالرباط و السجن المركزي بالقنيطرة ، يذكره باغتيال التاريخ و تزييف الأشياء و كتابة سيرة الانتفاع من رصيد أحمد العربي الذي قتله الجلاد الدكاك ذات مارس كئيب من سنة 1977 .

في نفس الشهر الكئيب أودع بسجن لعلو بالرباط بتهمة النصب و الاحتيال ، إلى أن جاد عليه مكر الصدف بلحظة تاريخية لم يخطئها بالمرة ، لقد استحال معتقلا سياسيا بالصدفة كما الكثيرون من العرابين الجدد ، لم يوزع منشورا سريا يوما ، و لم يشارك قط في اجتماع لخلية سرية و لم يكن يوما رافضا للقائم من الأوضاع ، و لا مناضلا ضد " النظام " ، كان فقط من أطباء الجيوب ، يتفنن في النشل و الاحتيال .

يترك سعادته لائحة الحضور جانبا ، يطلب من طالب اقتنى المدخل أن يقرأ بصوت عال خصائص القاعدة القانونية، من أجل استذكار عام قبل الامتحان ، ينطلق الطالب الفرح بالمدخل الذي اقتناه له والده بعدما ابتاع كمية من دمه بمركز التحاقن ، الأستاذ الجامعي و المناضل الاستثنائي الخبير في كل شيء لا يريد أن يزعج نفسه بما يعانيه الطلبة و أسرهم في سبيل تدبير مبلغ كتبه العقيمة ، ما يهمه هو أن تكون لائحة دار النشر كاملة التوقيعات .

استمر الطالب الفرح في قراءة كتاب ثمنه دم والد منهك عاطل عن العمل ، بينما الأستاذ المبجل غائص في تجاويف الصدفة التاريخية التي جادت عليه بصفة المناضل ضدا في صفة النشال المستحقة إلى الآن .

لم يجد الدكاك غير طبيب الجيوب لإرساله إلى قاضي التحقيق بديلا عن ذي الإسم الحركي أحمد العربي القادم من أقاصي اليسار النبيل ، الذي عذبه و نكل به إلى أن اسلم الروح إلى بارئها ، ف "الفرخ " بإمكانه أن يسد هذه الثغرة ، خصوصا و ألا أحد ينتبه لرحيل نشال من الدرجة الأخيرة ، في حين ستقوم الدنيا و تقعد من أجل أحمد العربي .

ما شجع الدكاك على المضي قدما في خطة التزييف ، هو عدم اتصال الراحل أحمد العربي بأي كان من رفاق السجن ، لقد أتى به " اصحاب بوخنشة " و أوصوه به خيرا ، و التوصية هنا لا تفسر إلا "بالطياشة "و" القرعة" و "الشيفون" و لما لا لسعات كهرباء عالية التوتر ..جاؤوا به في جنح الظلام ، و سلموه له من الباب السري المفضي إلى المقبرة ، أملا في تقديمه على وجه السرعة إلى قاضي التحقيق و غلق الملف المطبوخ المتعلق بمؤامرة لقلب النظام ، ذات المؤامرة التي كانت تحاك خيوطها في خيالات الأجهزة القمعية لا غير .

وقف " الفرخ " مشدوها أمام قاضي التحقيق ، و هو يستمع للتهم الموجهة إليه، " الإخلال بالنظام العام ، توزيع منشورات ممنوعة ، المشاركة في أعمال تخريب ، الانتماء لجمعية غير مرخص لها …." ، لم ينبس ببنت شفة ، الدكاك أوصاه قبلا بالصمت و إلا كان مصيره كما أحمد العربي . لما خرج من مكتب القاضي استقبلته عدسات الصحافيين و أسئلتهم " كيف حال الرفاق ؟ هل عذبوكم ؟ هل تتوقع الإفراج عنكم قريبا ؟ ماذا قلت لقاضي التحقيق؟ ما الذي تودون قوله للنظام من خلال عملية  عز العرب  ؟ " .

ظل " الفرخ " مشدوها منخطف العقل و الخافق ، لا يعرف ما حدث فعلا ، متسائلا في السر عن انمساخ التهم التي اعتاد طويلا من قبل " تبادل الضرب و الجرح ،و الاعتداء على أموال الغير ،و النصب و الاحتيال" ، لكنه أدمن الصمت خوفا من غرفة الدكاك السرية ، حيث يحلو له تعذيب السجناء و إرسالهم إلى ما وراء الشمس.

لما عاد إلى سجن لعلو أحس منذ تجاوز البوابة الرئيسية التي انكتب عليها بخط رديء " الداخل مفقود و الخارج مولود " ، أحس بأنه ولد من جديد ، و أنه لم ينفقد كما السالف من وقته الكئيب ، لم يأخذه الدكاك إلى ذات " الشامبر " الذي يأوي زملاء المهنة من " أولاد علي " و بعض " الكرابة " و " صحاب البطاين " ، و " المونتيفات " الأخرى .

أخذه إلى الزنزانة السفلى المطلة على المقبرة و ضريح سيدي اليابوري ، هناك حيث يقبع " صحاب الهدرة " ممن قادتهم ألسنتهم إلى رطوبة سجن لعلو ، أبدى شيئا من المقاومة ، لكن الدكاك صفعه بقوة ، آمرا إياه بابتلاع لسانه و التقدم نحو زنزانته الجديدة .

لما انقفل الباب الحديدي استقبله الرفاق من نزلاء المكان بنشيد يبكي جراح الوطن ، أدمن الصمت عملا بوصايا الدكاك ، و لم يجب عن سيل من أسئلة قد انهمر من أفواه أجساد متهدلة جراء التعذيب " هل أنت من 23 أو إلى الأمام ؟ هل نفذت عملية عز العرب؟ هل رأيت أحدا من منفذي العملية ؟ هل أخذوهم إلى قلعة مكونة ؟… " ، نفس الأسئلة التي حاصرته لدى خروجه من عند القاضي باتت تنثر في وجهه في زنزانة الشعر و الحب و النضال و الألم الذي لا ينتهي …

الطالب الفرح بالمدخل الذي ابتاعه أبوه لقاء كيس دم ، ما زال يواصل قراءة الفصل المديد المتعلق بالقاعدة القانونية ، الطلبة الذي يجيدون الخنوع و الانبطاح ، يطأطأون الرأس من حين لآخر ، تأكيدا لسعادته ، أن كلامه كأنه اللؤلؤ و الفيروز ، آخرون في الوسط وجدوها فرصة مناسبة لتبادل رسائل غرامية عبر الهاتف النقال ، و غيرهم قليل استغلها للنوم بعد وجبة عدس مطبوخ بالصودا  أكلوها بالحي الجامعي ، في حين لم يجد البعض الآخر من سبيل غير التسلل خارجا ، هربا من تفاهات سعادته .

سعادته يطأطأ الرأس أيضا بما يفيد أنه يستمع للطالب الفرح بمدخله أو مخرجه ، فطأطأة الرأس أهم درس استفاده من حياته المزيفة ، كان دوما يصمت و يكتفي بتحريك رأسه انحناء ، حتى لما أصدر القاضي حكم عشر سنوات نافذة طأطأ رأسه و غاب عن الوعي ، إلى أن وجد نفسه على سرير مصحة السجن ، يتأمله الدكاك ، و يوصيه بالصمت مدى الحياة ، و إلا حاق به ما حاق بأحمد العربي .

استمر صامتا عن حقيقة أحمد العربي لعشر سنوات بالسجن المركزي بالقنيطرة ، استحلى فيها لعبة الزيف ، فانطلق يحكي عن خلاياه السرية و منشوراته الملتهبة و عملياته التخريبية  التي لا توجد إلا في خياله ، ثقافة المحو التي يجيدها أهلته لمسح تاريخ النصب و الاحتيال و تعويضه بتاريخ النضال و الالتزام ، الكل بات يسميه أحمد العربي ، تسمية " الفرخ " لا يرددها غير الدكاك الذي قادته خبراته في الجلد و " التعلاق " إلى أعلى المراتب ، الدكاك عقدته التي لا تندحر ، سيتعقبه إلى السونترال ، ليأمره باستكمال فصول اللعبة ، كي يجلب له أخبار الرفاق من نزلاء المكان .

من أجل تأكيد بطولاته و تجذير مكانته بين الرفاق ، سيمنحه الدكاك فرصة متابعة التعليم الجامعي و مراكمة كل الشهادات العليا ، سيغدو دكتورا في القانون و مناضلا استثنائيا و خبيرا في كل مفاهيم النسق السياسي المغربي .

بعد مغادرة بوابة السونترال ،و هبوب رياح العفو و المصالحة مع الفائت ، علما بأن المغاربة لم يتخاصموا مطلقا مع ماضيهم ، سيلتحق بالحرم الجامعي أستاذا بعد أن التحق به قبل عقد و نيف لصا محترفا يداهم الطالبات و هن يحاولن المرور من المعبر السككي ب " فيطا " . و بعدها سيصير خبيرا في كل شيء يتساوق مع الإشارات القادمة من أعلى، تماما كما وعاظ السلاطين في الزمن الفائت.

الطالب الفرح بالمدخل أشرف على الانتهاء من تلاوة الفصل المديد ، و سعادته يتمعن في عقارب ساعته ، إنه يرتب الحروف التي سيلفظها قريبا ، سيخرس بالطبع كل طالب متسائل بقولته الأثيرة " كل شيء موجود في الكتاب "، هكذا تبدأ المحاضرة و تنتهي ، تدقيق في توقيعات مقتني الكتاب ، و تحذير و وعيد لمن لم يقتنوا بعد ، و تلاوة لفصول مديدة يتجشم عناءها طالب فرح بالمدخل ، و حملقة في عقارب الساعة ، و تقطيب للجبين قبل مغادرة المدرج ، سيناريو ماسخ لتعليم معطوب و تاريخ مغشوش يتكرر أسبوعيا ، و يتواصل على حساب أحمدنا العربي المغتال خطأ في زمن الخطايا الذي لا ينتهي .

يغادر المدرج إلى موقف السيارات حيث ينتظره السائق الذي ليس إلا شابا قادما من الهامش ، خرج والده ذات مارس كئيب من سنة 1977 من البيت دون أن يعود ، سيفتح له باب السيارة ، ليأخذه نحو هامش آخر غارق في اليسار ( المادي طبعا ) ، دون أن يعي أن سعادته هو من سرق منه والده علال السرغيني المعروف حركيا باسم أحمد العربي، قدره أن يصمت و يعتصر إحساس الفقد قريبا جدا من صناع الخسارة و الألم ، و لا عجب ، إنه الزمن العربي .سعادته أيضا لا يعرف أن سائقه الخاص الذي فرضه عليه الدكاك بدون تقديم أي مبرر ، هو نجل أحمد العربي ، الدكاك أوصاه به خيرا بعدما تقاعد من منصبه الرفيع ، لكنها لم تكن وصية من وصايا الزمن الفائت ، كانت وصية بطعم المرارة و الندم ، لهذا يستمر في تشغيله سائقا دون أن يعرف السبب ، و من حسن حظه ألا يعرف ، كلاهما من حسن حظهما ألا يعرفا ، فللجهل فوائد لا يعلمها إلا الدكاك.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “قصة قصيرة : أحمد العربي”

  1. هنيئا لنا بقلمك الجميل أستاذ عبد الرحيم



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين