مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

الشاعر و الباحث المغربي أحمد زنبير عاشق البحر و السؤال

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 30 مايو 2007 الساعة: 22:44 م

بورتريه

الشاعر و الباحث المغربي أحمد زنبير

عاشق البحر و السؤال

عبد الرحيم العطري

" ما سلا إلا فيض سحر و خيال يشدو " ، هكذا قال أحمد زنيبر عن مدينة البدء و الامتداد، عن تاريخ من الجهاد البحري و العلم و الصلاح ، عن مدينة استقبلته ذات زمن ستيني، و شرعت له دروبها و أبوابها السبعة من باب المريسة إلى باب بوحاجة على درب الاستدارة ، إنه السحر الفياض و الخيال الموغل في البهاء ، منها جاءنا الشاعر و الباحث أحمد زنيبر يجرب لعبة الانتماء و يمزق خطاطات الجاهز و النمطي بحثا عن الأصيل المفتقد.

كان ال " أحمد " منذ سنوات التحصيل الأولى يكشف عن نبوغه و انتصاره للمتخيل الشعري ، كما يعلن انشغاله الأقصى بالبحث و التوثيق ، لهذا كان ينفق جانبا مهما من وقته بين رفوف الخزانة الصبيحية باحثا عن الذخائر النفيسة ، و متأملا في كثير من اللحظات للراحل محمد حجي غاصا في بحوثه التي لا تنتهي ، منه كما من غيره من الأصلاء تعلم درس الانتماء و أخلص لحب المدينة و لذة البحث و السؤال.

في خطوه الجامعي الأول سيقدم الدليل على عمق الاختيار ، سيتجه صوب الأدب العربي ، و منه إلى الأدب المغربي ، فالشعر انتهاء ، رحلة مائزة من العام إلى الخاص ، من المشترك الجمعي إلى الخصوصية التي لا تعني الانغلاق بقدر ما تدل على التخصص المعرفي و التأصيل النظري، كان أحمد زنيبر ، و ما يزال ، على امتداد الرحلة التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد ، ينتج أكثر التساؤلات إرباكا لمنطق الأنساق، و يؤسس لكثير من المقاربات التي تقفز على المنجز و المستهلك في دراسة الأدب و تجلياته. لهذا فقد اختار في منتهى الخطو الجامعي، أن يسائل المعارضة الشعرية ، باحثا في عتبات التناص في القصيدة المغربية ، و ناحتا بذلك للمسار الذي اختطه لنفسه ، إنه مسار البحر و السؤال، البحر الذي يختزل البدء و الامتداد و السؤال الذي يمنح المعنى و يبرر الانوجاد .

إنه يشتغل وفق مشروع طويل الأمد، يتأسس على فكرة مضيئة تنتصر إلى الأدب المغربي، و تراهن على محو البياضات المقلقة التي تعتري مسافات زمنية مهمة من مساراته، فأحمد زنيبر لا يدع الفرصة تندلق دون أن يذكر بأننا نبخس الأدب المغربي حقه، و من غير وعي بخطورة الفعل و مأزقيته في كثير من الأحيان. إنه سر الانتماء لمدينة غارقة في القدم ، لسلا الفيض الساحر التي تعلم لآلها و زوارها درس الأمكنة كما الأزمنة التي تحارب الانقراض، فمن أبوابها السبعة : المريسة، الخميس، سبتة، شعفة ، معلقة ، احساين ، بوحاجة ، فضلا عن الجامع الكبير و السوق الكبير و بوطويل و الملاح ، في كل هذه الفضاءات يستدمج المرء في أعماقه عبق التاريخ و فيض السؤال ، و لما يولي وجهه شطر البحر تكتمل القصيدة و تنكتب رغم الرغم بحبات رمل و صلابة صخر ، بانسياب المشاعر و قوة الرؤى و الأفكار. إنها سلا، "فهل بعيد سلا عمر يسلو ؟ " كما يقول شاعر البحر و السؤال.

تكتبه القصيدة حين يجف الكلام ، لاهثا وراء أسطورة من فيض الزمان ، هو الرهان الأوحد على اجتياح المعنى أو اللامعنى ، هو الانهجاس بالفهم في زمن التيه و الفقد ، للشعر ألق اللذة و الصنعة عند أحمد زنيبر ، لكن القول الشعري لن يكون وحده مسكنه الدافئ ، بل هو الشعر و البحث و النقد الأدبي و الافتتان الموسيقى أيضا، و في كل هذه المرافئ اللذيذة يكون الصمت الصوفي ممارسة أثيرة لدى شاعرنا الجميل، و حتى و" إن غام الكلام" أو جف الكلام ، فإن الاقتصاد في اللغة يكون مآلا محتملا لكثير من القول و الفعل الأحمدي ، إنه يكثف العبارة، يثخنها بالسؤال، يفككها بالبحث، و يدفعها نحو الاحتمال الأقصى، لاختبار كل الرؤى و محو كل الالتباسات، أهو البحث عن الحقيقة ، كما في المتن و الاجتهاد الصوفي؟ أهو أثر المجال و الإنسان؟ مجال للتعدد و الاختلاف و إنسان خبر كل الثقافات الموغلة في أزمنة البهاء بالأندلس الفقيد؟

" لا بداية ، لا ختم لهذا الانتظار" ، هو بحث عن ذات أرهقها السؤال و أرخاها الإعصار ، هكذا يهمس أحمد زنيبر في شظايا حروف في "أطياف مائية "، يهمس للبحر الهادر ، يشكو أساه الذاتي ، و" بالهمس المنتقى " يحتمي من عنف الوقت و رداءة الألم، فالبحر في سلا ، فضاء للاحتجاج و الشكوى و تأكيد الانتماء، فيه مورس الجهاد البحري، و إليه انهرقت سيول الهاربين من بلاد مزقتها الطوائف ، كما انكتبت على ضفافه حكايا صلحاء/ ثوار اختاروه بديلا عن مجتمع فاقد للاتساق و العدل.

فليس غريبا عن سليل مدينة الماء ألا يكون مدمن بحر و سؤال ، و أن يكون دفقه الشعري كطيف ماء و موج بحر و سيل جدول و نز المطر، إنه شاعر لا يخون نص المدينة الأصل ، و لا يخرج عليها إلا بما يؤكد الحب و الوفاء، و كما الماء في فيضه ، فإن أحمد زنيبر في مشروعه الفكري و الإبداعي لا يتوقف عند سقف محدود أو زمن مغلق ، بل يعد أحبته و قراءه في العوالم الافتراضية كما الواقعية بمتابعات نقدية رصينة و دراسات عميقة المبنى و المعنى تحاور الأدب المغربي و النقد الأدبي ، فضلا عن نصوص / أوراق خارج التغطية ، و كلها أعمال لا يفصلنا عنها إلا النشر بين دفتي كتاب ، و هو أعز ما يطلب في مغرب الهشاشة و العطب. 

إنه عاشق بحر و سؤال ، و من غير الممكن أن يطمئن لإعادة إنتاج الجاهز و النمطي، لذلك فالقصيدة لا تأتيه عفوا أو قصدا، هو نفسه لا يعرف كيف تأتيه ، لا كيمياء محددة تحكم ولادة نص جديد ، و لا طقوس واضحة و مكرورة لإنتاج المعنى ، فقط هي الضرورة التي تنسحب على الذات أو الموضوع ، ما يوجب القول الشعري، ألهذا يعترف بأن القصيدة تكتبه و لا يكتبها ، بل إن الانكتاب يحدث حين يجف الكلام ، وحين يعسر المعنى و ينفقد المرء من ذاته و سؤاله .

هو درس الماء الذي لا نستحم فيه مرتين كما قال هراقليدس في الزمن الإغريقي، هو درس الأدب المغربي في ثرائه و تنوعه ، و هو درس الدرس الذي تقدمه مدينة تختزن في أعماقها كل التاريخ المغربي ، بدءا من الممالك الأمازيغية و الاجتياح الروماني ، مرورا باللجوء الموريسكي و الجهاد البحري فضلا عن تعاقب الدول المغربية، ففي سلا يمكن اكتشاف كل أزمنة المغرب القديمة و الحديثة، و لهذا من الطبيعي أن يكون أحمد زنيبر كما أحبته من آل سلا مدمن بحر و سؤال، و أن يكون مستوعبا لكل دروس المجال و الإنسان ، و أن يكون،  و هذا هو الأهم ، أحمد زنيبر الذي تكتبه القصيدة و إن غام الكلام أو جف مداده ، و ذاك الذي تأتي الصور الشعرية المائزة من يراعه ، و تتناسل الأسئلة من أبحاثه و دراساته ، و كل ذاك يحدث في صمت صوفي بليغ ، فقط لأنه شاعر يكتب الشعر بدون ضجيج مستجد لشهرة فائتة ، هذا هو أحمد زنيبر كما عرفناه و أحببناه شاعر البحر و السؤال، يحق لنا جميعا أن نفتخر به و بمنجزه الشعري و الفكري ، و أن نفرح به أيضا صديقا مبدعا فوق العادة ، فهنيئا لنا به إنسانا لم يمت الإنسان فيه، و لن يموت فيه ما دام كطيف ماء منتصر أبدا للقصيدة و السؤال.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الشاعر و الباحث المغربي أحمد زنبير عاشق البحر و السؤال”

  1. اخي قرات فكرك و حبك مدينة سلا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين