مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

"مسعود"..اسم على غير مسمى …وهل تنتظرون العكس?

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 30 مايو 2007 الساعة: 22:45 م

 

"

"مسعود"..اسم على غير مسمى

…وهل تنتظرون العكس?

               *هشام لمغاري -المغرب

 

لا أدري ماذا حدث لمسعود هذا اليوم ؟

بالرغم من أنه قد نام كثيرا ليلة أمس .. إلا أنه كلما هم بالنهوض إلى عمله.. إلا ويغالبه النعاس من جديد .. فيعود ليمدد جسمه فوق السرير الصوفي الساخن !

- يا إلهي كم هو مريح هذا السرير, فالنوم فوقه سينسيني حتما حماقة هذا العالم الغريب! عبثا حاول أن يقاوم النوم .. لكن هذا الأخير صمم على أن يتركه يتمدد فوق السرير !

-ماذا سيحدث إذن لو تغيبت يوما عن العمل؟ عشرون عاما من هذا العمر الغض وأنا مواظب على الحضور في الوقت ! وهل توقف العالم حين غاب الآخرون دون رجعة !

 خاطب مسعود نفسه بصوت متذبذب، حاول أن يسترد قواه التي انهارت ..

أرهقته رحلة البحث عن شيء يبهج النفس ويسرها .. فقرر أن يخمد ويلتصق بالوسادة مثل صفر صغير … فارغ طبعا !

في بعض الأحيان، يصادف فكره بقايا ذكريات عنكبوتية قديمة عالقة حضنت الجسد… وقررت أن تظل معه إلى أن يرحل إلى دار البقاء !

الطقس بارد … وحرارة السرير، وهدوء الغرفة الصغيرة, جعلوا من "مسعود" شخصا كسولا خمولا نعسانا، فتحول إلى رقم مطلق ..

صور متعددة تطوف الغرفة … ريح خفيفة تهب في أقصى الشارع … تختلط بغبار كتب قديمة اعتراها اللون الأصفر ملأت رفوف مكتبته ، وابتعلت أحلى سنين عمره.

جفون متثاقلة .. عينان غائرتان .. عرق ينصب مثل قطرات مطر تتساقط نقطة نقطة.. وبهدوء تام.

يتثاءب .. يلتفت .. ينصت إلى المذياع .. ينتبه إلى لفافة ورق كتب فوق إحداها بداية قصيدة استهلها بعبارة "كفانا حرمانا" ثم اكتشف أن قلمه انتهى مفعوله!

 يشغل التلفاز، في أعلى الشاشة تبدو جثة متحركة ذات مفعول "ايروتيكي" بلا جاذبية ولا محاسن .. في القناة الأخرى تبدو صورة مقززة، أو كما بدت له .. بقايا أخبار متآكلة .. عرق بلا رائحة يتصبب من جنبات جمجمته.. يمسحه بذات اليد التي أشعل بها سيجارة!

 عاد للمذياع .. على الأقل، هو أقل ازعاجا، واكثر تجنيبا من نوبات تصلب القلب والشرايين الذي بدأنا نسمع عنها هذه الأيام !

ثمة وقت مستقطع يلتقط فيه أنفاسه من هذه الحالة العبثية التي ألمت به .. بين الفينة ومثيلتها ينتفض مذعورا .. ليسأل نفسه :

- لست من السعادة في شيء؟

ماذا لو كان آباؤنا يستشيروننا في اختيار الأسماء .?.

 صوت ينبعث من أسفل الغرفة لم يعرف مصدره، قال له بأنها "حكاية قديمة" وله أن يبحث عن الجديد !

أوراق كثيرة مبعثرة فوق الفراش .. نظارات عيون دائرية تعود على ارتدائها قبل مغادرة المنزل خوفا من عدم العودة إليه !

بدى كل شيء يتحرك… أما هو فقد ظل متمددا مثل جثة خرساء صامتة .. كل شيء فيها يتحرك، إلا أنها لم تستطع مقاومة سحر النوم .

اختلطت عليه فناجين الشاي الأسود .. وبدت له صورة المقهى التي يرتادها .. زجاجا مكسورا وصحفا مرمية في كل مكان، وقد نشرت آخر خبر لها .. فاتته رائحة البن التي تملأ المكان.. ثم أصًدر زفيرا اختلط بصوت حزين ينبعث من ساعة غير ناطقة وضعت بجانبه لتذكره بالوقت ..  تتصاعد الحروف .. تنتشر في كل مكان .. جثمت عليه .. خنقته .. احمر وجهه .. لم يعد يعي شيئا .. لم يقاوم، اكتفى بأن يطوي ماضيه في حزن ثم أعلن النهاية!

الكتب الآن فتحت قواميسها ورحلت إلى الشارع لتصطدم بنواقيس الحانات ودخان السيارات، أخذت تروي قصصا، واستهلكت أكبر قدر من الكلام دون أن تقول شيئا !

كلما فتح عينيه تظهر أمامه صور موكب يضم أناسا عديدين لا يعرف منهم أحدا .. يكاد يتعرف على بعض ملامحهم .. يحملون نعشه في اتجاه المجهول !

-أيكون قد مات .. وهو ما يزال حيا ؟

أما نحن .. فقد انتظرناه في الصباح .. لم يحضر .. قد يكون حدث شيء ما استوجب عليه التغيب عن لقائنا.

-ما العمل إذن ؟

طرقنا باب منزله، وجدناه مفتوحا .. تسللنا في اتجاه غرفته، وكان متمدداومختفيا خلف رداء صوفي أبيض.

-استيقظ يا مسعود، لأول مرة، قبل أن تضيء الشمس مشارف السطوح، وانظر إلى وجهك في المرآة فقد يبدو مختلفا !

يقول آخر : تمعن في سحنتك التي عبث بها الزمن الذي لم يجد عليك بشيء سوى بعلاقة أبدية جمعتك مع سوء الحظ !

-كنتما أصدقاء !

حتى الحديقة الخضراء مؤقتا والتي تعودت معانقتها لتخلو بالذاكرة والنفس والجسد لهنيهة .. نخلاتها الباسقات انطوت في صمت، وأحنت هاماتها واستسلمت لتصاريف الزمن، فتركتك وحيدا.. مثل شخص منبوذ، وسط الحشائش الصفراء .. وبقايا أوراق الشجر المرمية.

متحذلق يسكن في البيت المحاذي لغرفة "مسعود" لم يقو على تحمل الغبار المنبعث من الكتب لم يجد شيئا يقوله لمحموم سوى بنصحه بأن يلجأ إلى الخزانة العمومية ليسأل عن المبيدات الصالحة للحفاظ على أوراق الكتب المتلاشية وإزالة الغبار عنها .. لم يعره أحد اهتماما ثم طوى مشيته وانصرف !

مسعود المحموم ظل واهما بوجود أناس يتقاسمونه الغرفة وينصحونه بالاستيقاظ

أكدنا له ذلك لكنه لم يصدق، أبدى حسرة كبيرة على أنه لم ينصرف إلى عمله .. اندهشنا، هب فينا الفزع .. ثم أنسابت فينا عزيمة قوية لنشارك صديقنا بهجته بعدم الانصراف إلى العمل .. والحمى !

بدى له المنظر مؤلما ..

الشعراء أمامه يتحلقون ..

الخوف يدب في أوصاله .. يعزم على الهرب بعد أن ازدادت حدة الحملقة في سحنته !

سأل أشلاءه عما تبقى منه .. بحث عن رقم تأجير خفي يضمن له عيشا كريما بعيدا عنا ، دون بطاقة توصية أو ربطة عنق  !

بدت له المقابر قادمة .. انه الجنون بعينه .. الحمى مفعولها واضح  !

الأصوات نفسها – حسب قوله – تتهمه بالعجز .. خشينا أن يكون عجزا آخر (…) لكننا نعرف مغامراته القديمة ..

يصغي إليها جيدا :

كنت تحلم كثيرا … تهوى قراءة الشعر القديم وتبحث فيه عن من يدلك .. مازلت ذلك الشخص الغامض الواقف بين انحدارين.

فجر احساساتك ومشاهداتك .. فجر شعرا كما عودتنا  !

الحمى ليست إلا شكلا مرضيا قد يأتي ويغيب .. لكن إبداعك   لا يأتي إلا مرة .. ومرة ..

عيناك تعكس صمتا مطلقا .. تمارس إنسانيتك في حالة من السوية والاتساق مع الطوية .. لولا الحمى اللعينة  !

لحيتك استطالت دون أدنى اهتمام من قبلك، وشعرك المبرقش أصبح ضيفا ثقيلا على الوسادة ..

أفق القصيدة بدأ يلوح من جديد .. المحموم في كامل عنفوانه .. فترة المخاض لم تعد طويلة  !

بعدها بلحظات، سررنا .. فهول المفاجأة كان كبيرا .. صفقنا طويلا، فاعترت وجهه ابتسامة وتلاشى الاحمرار.. كأن الحمى زالت  !

مرت فترة قاسية .. على الأقل بالنسبة له .. لكنه قهقه سريعا ثم تذكر أنه بدون عمل  !

 

هامش بسخرية محبطة :

لن تكذبني في هذا الأمر ..

أليس في كل مرة تصاب فيها بالحمى .. تنسى عطالتك .. وتستمع إلى أغان كنائسية تذكر بيوم القيامة ؟ !


 

     

قوس قزح

 إلى "م"… علها تتذكرني  !

                                  *هشام لمغاري-المغرب 

*اللون القزحي الأول :

الحياة مشوار قصير .. يبدأ بمخاض وزغرودة وينتهي في.. منفضة  !

> :

هنا والآن .. لايهم الزمان والمكان .. هي فتاة .. عفوا سيدة في ربيعها الثاني والعشرين .. تسكن في حي حقير.. لم تعد رومانسية مثلما كانت.. ترقب الشمس كلما غادرت مقعد الفصل.. وتستمع لأغاني عبد الحليم بعد العشاء، بل كست مساحة سوداء أسفل عينيها وأصبح الحزن يلازم محياها باستمرار !

"مليكة" تبخرت بعض أحلامها .. اختفت لمدة .. كانت ترغب في الهجرة، ثم عدلت عن ذلك .. لونها تغير كثيرا .. تناست كل الأماني التي كانت ترددها وتكتبها في خواطرها.. كثيرا ما يعتريني الوجوم وأنا أراقب وجهها وحركات عينيها ..

 انها هناك تترقب شيئا ما  !

*اللون القزحي الثالث :

اقتربت منها :

-مليكة .. أهلا !

تضاعف حنقي وأنا ألمح نظراتها الغريبة .. ظلت تحملق في لمدة ثم قالت :

-آه ! هذا أنت ! اعذرني ! لقد تغيرت كثيرا !

-وأنت كذلك .. ماذا تفعلين هنا؟

ضحكت .. أصدرت زفيرا قويا ثم قالت باستهزاء :

-انتظر الحافلة ! نعم .. الحافلة !

مر أمامي بسرعة شريط الأمس .. كانت أحداثه جميلة ووديعة.. خاطبتها بوداعة

-لازلت محافظة على جمالك وأناقتك رغم ..

قاطعتني بسرعة، لم ترغب في تبادل الحديث معي لمدة أطول فقالت :

-أنك تبالغ ! بالسلامة !

ودعتني ثم غيرت المكان بسرعة !

*اللون القزحي الرابع :

 

عادت للبيت متأخرة كالعادة.

..كان والدها العجوز الذي فقد بصره منذ سنتين قد خلد للنوم .. لا يستطيع أن يأتيه"شيطان النوم" إلا إذا استمع إلى عبد الوهاب.

وما أن تجف دمعة حسرته عن الأيام حتى يغالبه النعاس..

 فتحت "مليكة" باب الثلاجة الصغيرة.. تناولت الطعام البارد بنهم شديد.. ابتلعت قرصا كانت قد وضعته في حقيبتها الجلدية من جديد .. أخرجت منها ورقة مالية وضعتها فوق الطاولة … ثم دخلت غرفتها !

*اللون القزحي الخامس :

باغثها الأرق من جديد .. والليل لازال طويلا.. تتوالى عمليات التنفس القوية.. لعنت قذارة الزمن.. استيقظ حنينها للماضي القريب .. الطهارة، والبراءة. حملت ورقة بيضاء انتزعتها بقوة من دفتر تمارين أحد اخوتها… رسمت فوقها أجساما غريبة.. حاولت أن توثق ماضيها في ورقة ! ربما هي الطريقة المثلى – حسب ظنها لكي ترمي هذا الماضي في القمامة.. لكن ماذا إذا كان ماضيها هو نفسه الحاضر وقد يكون المستقبل.. انه اختيار صعب !

بدأت ترتجف ..جففت دموعها تأملت صورتها.. ابتسمت..ضحكت..قهقهت..حاولت أن تصيح.. لم ترغب في مضايقة أفراد أسرتها والجيران.. مزقت الورقة .. أخذت تصعد أنفاسا متلاحقة إلىأن بدأ النوم يداعب جفونها..

*اللون القزحي السادس :

حضنت المكان.. نفس المكان.. في نفس الموعد.. تترقب شيئا ما..  كانت أقدامها متورمة .. حذاؤها يسبب لها الوخز من كثرة الوقوف.. كانت تفكر في والدها.. وفي بضع أفكار جردتها الأيام من قداستها وجمالها.. ثم أنهت كل شيء بتنهيدة دافئة! 

 

 

 

*اللون القزحي السابع :

ضاع حلمها في دهاليز الليل ودخان الحانات .. اختلطت عليها الألوان .. وأشلاء الألوان… والشارع الآن فارغ تماما إلا من بعض باعة سجائر بالتقسيط .. وكلاب ضالة.. ومتسولين غيروا أسماءهم وأصبحوا يطلبون الصدقة بالعملة الصعبة!

*ملاحظة لالون لها :

"البورتريه" كتب في مكان خارج إطار الأمكنة!


 

 

بوبريص

           *هشام لمغاري

 

*في الشاطئ اقترح علي صديقي "بوبريص" الذي التقيته بالصدفة، أن أغير لوني لأن الشمس حارة.. كان اقتراحا لطيفا.. بمجرد إبداء قبولي سألني عن نوعية اللون الذي أرغب فيه .

ما أفهمه أن لون "طلاء" الشمس واحد، وأن المكوث "أسفل" أشعتها لساعات قد يؤدي إلى الإصابة بداء العصر! لكن تجنبا لذلك نصحني بأن أحدد اللون حتى يستطيع مساعدتي، فله من الخبرة ما يكفي!

..وما أعرفه أن الألوان الأصلية ثلاثة .. وألوان الطيف سبعة! لكنه قال لي إنها صارت ستة وثلاثين، ومازال الخبراء يكتشفون المزيد..

"بوبريص" لم يتركني أختار اللون الاعتيادي الذي كان يرسم على جسدي في كل صيف بعد كل استجمام ..

حاولت الهرب، لكنه أصر .

-الآن.. لا مجال، الألوان موجودة، وقد تبدو متشابهة ..لكنها لعبة مربحة !

أدركت حينئذ أن "بوبريص" جدي، وأن مراوغاته تنم عن ذكاء حاد لا أملك له سلاحا.. وأنا لست سوى بئيس يستنجد بالشاطئ العمومي لقضاء سحابة يومه تحت الشمس وبدون مظلة !

نصحني "بوبريص" بكراء مظلة شمسية، لم أبد رفضا واضحا لأن العملية غير مكلفة .. مادمت اخترت مظلة عادية تقيني من أشعة الشمس ما بين الثانية والرابعة !

قرأت جريدة، واتكأت على وسادة أهداها لي مصطاف لا أعرفه، ولا أظنه يعرفني .. قال لي بأن اللون الذي اختاره في هذا الشاطئ الخاص يمنحه في كل لحظة وسادة حتى أنه مل النوم، وهو عادة سيئة لا تسبب خسارة لأن عائدات اللون مضمونة !

تذكرت أنني لم أختر اللون بعد .. لضمان ضربة شمس مفيدة، وحتى المظلة التي اقتنيت ليست مجدية للسقوط بها من أعلى في اتجاه أي مكان أو مجال .. إذن فأنا رقم خاطئ في المعادلة !

في لحظة .. مر "البراح" هكذا يناديه المصطافون أصحاب الألوان .. وطالبني باللون والورقة… أما اللون فلم أحدده بعد، وليست لي رغبة في ذلك وأما الورقة فلا أدري ما هي ؟

أمر "بوبريص" البراح بالانصراف .. همس له بإشارة ثم مضى .

صوتي صار منكسرا .. مخذولا، وحركاتي متثاقلة .. فكرت في السباحة، لكن "بوبريص" صديقي الذي لم اختره، نصحني بتجنب السباحة ضد التيار لأنها قد تؤدي إلى الغرق .. كلمة الغرق أثارت في جسدي التقزز، فعدلت عن المغامرة !

الشمس بدأت تراوح مكانها وطاقتي لم تعد تستحمل هذه السوق الشاطئية .. اختلطت رنات الهواتف ومنظر ربطات العنق الأنيقة برائحة الجوارب .. وخلف المشهد أصوات كثيرة مقرفة تسمع وتباع وتشترى.. وأنا بدون لون ولا رائحة .. على الأقل الآن .. أعدت المظلة إلى صاحبها، ودعت "بوبريص" وقد كان باردا في تحيتي . ثم عدت، في الطريق إلى البيت وجدتهم غيروا طلاء الشارع .. صار لونه باهيا .. أحمر وجهي .. سررت كثيرا لهذا التغير الطارئ .. الآن – على الأقل – تغير اللون .. ليس من السهل أن تنام بسهولة وانت ضاج بالصراخ وأصوات المهرولين المتزحلقين التي تضج بها غرفة باردة.. تلوك الهراء وتمزجه بالتمني ..

….لا أنا استطعت الخروج من جلدي ولا الهراء انتهى!

 


 

مذكرات خارج المدار

      *هشام لمغاري-المغرب

 

إلى الذين قالوا لي : أنت محظوظ! فقلت لهم لنتبادل !

 

-1-

عدت متأخرا هذا المساء .. منتصف الليل وبضع دقائق .. جلت ببصري في الشارع .. كان فارغا كالعادة.. قطط صغيرة تتأمل صمت الليل .. وأخرى ظلت تبحث عن مكان إقامتها فوقفت على حافة الرصيف تنتظر من يدلها عليه.. ظلت تترقب بشغف !

-2-

المقاهي طردت زبناءها وأغلقت أبوابها وتركت الكراسي رابضة أمام الباب.. الواحد فوق الآخر في ترتيب غير متناسق .. سكون لم أتعوده .. تثاءبت .. بدأت اجر قدماي بصعوبة .. كنت في كامل وعيي .. صعدت أدراج العمارة في هدوء كامل !

-3-

فتحت باب الشقة كانت مظلمة .. عم نور المصباح الذي يتوسط أعلى الغرفة .. رحبت بي فاتورة الكهرباء التي دسها الموزع أسفل الباب.. شكرته في غيابه !

-4-

لم تكن غرفتي الصغيرة مرتبة بالشكل الكافي.. تذكرت للتو عبارة "النظام أساس النجاح" التي كانوا يلقوننا إياها في المدرسة .. أدركت أن سبب عدم نجاحي .. هم إهمالي!

-5-

خطواتي مضطربة .. تأملت وجهي في المرأة .. لم يظهر .. بحثت عنه كثيرا فلم أجده فجأة ظهر أنفي أغطسا.. وجهي نحيل.. حتى المرآة لم تعد تؤدي وظيفتها كما يجب ضحكت .. سخرت من نفسي .. ومن المرآة !

-6-

رغم التعب أصابني الأرق فتحت المذياع كنت أظن أنني سأنصت لأغنية هادئة تلاءم سكون هذا الليل .. فوجدت موسيقى صاخبة مثل صخب هذه الحياة "تعب كلها الحياة" .. لم أرقص مثل المجنون.. أصبحت أتبين كل شيء.. مررت أمامي مسرة حياتي في صور متناسقة التقطها فنان بارع .. بدأ العالم من حولي يدور .. يدور ظللت شاخصا لفترة ثم سقطت .. استيقظت بعد ذلك ساعات !

-7-

حتى الحلم صار مشكلا بالنسبة لي .. كل شعراء الجاهلية تحلقوا حولي في العلم .. واتهموني بمعاداة الشعر القديم .. أخبرتهم أنني بطلت كتابة الشعر منذ مدة إرضاء لنزواتهم !

-8-

في الصباح كان لي آخر موعد مع المدير .. انتظرته لمدة .. كان مشغولا ..ارتباطاته كثيرة .. مثلي ! اخترت مقعدا خشبيا جلست فوقه ظلت أتأمل القاعة .. قاعة الانتظار أجمل بكثير من صالون شقتي طلبت مني السكرتيرة بأن أغير المقعد ..

"خذ راحتك يا سيدي .. هذا الكرسي أحسن. من دابا شوية نعاود نعيط ليك !..

شكرتها في خجل .. ثم غيرت المقعد في هدوء.. كانت أوراقي معي .. انتظرت في شوق.. الموظفون بدأوا يتقاطرون على مكاتبهم .. وجوه عابسة وأخرى منشرحة.. لكل طبعه الخاص تبادل الكلمات نادر جدا كأنهم يؤدون "ضريبة الكلام" أعتقد !

-9-

سمعت صوتا عذبا يناديني باسمي أخيرا !

فارقت المقعد قشعريرة خفيفة لازمتني منذ بداية المشوار.. تمكنت من الوصول إلى السكرتيرة.. نظرت إلي نظرة خاطفة .. ابتسمت التفت إلى أوراقها .. شفتاي ترتعشان .. أصدرت أصواتا .. نظرت إلي مجددا .. لا ادري ما سبب هذا الخوف الذي ألم بي فجأة!.

كنت خجولا أكثر من اللازم .. تذكرت والداي وحكايات جدتي لمحت ساعة كبيرة تتوسط أعلى الجدار .. الوقت فيها يحترق سرعة مثل احتراق شعفة اقترحت علي السكرتيرة أن أعود بعد الظهر فكرت في الأمر كثير ضحكت ثم انصرفت!

-10-

عدت للبيت .. فتحت جهاز التلفزة .. داخلني حزن كبير وأنا أرى نشرة الأخبار ..غيرت القناة وجدت مسلسلا طويلا .. جالت بي شخصياته بعيدا.. صرت أحلم معها .. حلقت في فضاء الحلم والخيال .. ابتسمت .. أحسست بالانتعاش أمسكت بأطرافي العليا .. حملقت في الشاشة صور النجم والنجمة.. مازلت أحملق صرت لتوسط الغرفة مثل الصورة.. استراحة قصيرة خارج المدار .. تناسيت أخبار الحروب والدماء .. لم أدرك أن نشرة الأخبار قد  اقتربت من جديد .. دقات عقرب الساعة ارتفع صداها .. صعد "جنيريك" المسلسل، موسيقى خفيفة .. لازلت أحلم التقطت أذناي عناوين نشرة الأخبار فجأة وقعت على أم رأسي (طاق) أحسست بألم خفيف ضحكت ! شتان بين الحلم والحقيقة استمر ضحكي طويلا .. ضحكت على نفسي مثلما هي ضحكت علي أيمكن لحلم صغير أن يحلق بصاحبه بعيدا كما لو أن الجاذبية اختفت ثم يعود لوعيه فيسقط على الأرض؟!

أرجوزة "

بحثت عن صورة الإنسان في هذا العالم فلم تكشف عنها أي مرآة؟

 

-11-

كل شيء مؤقت!

حياة مؤقتة ..كلام مؤقت يمحوه كل صباح يلي انطواء ليلة مقمرة .. وجود مؤقت يخفت كما لو أننا منذ ولادتنا نسافر نحو المجهول ونبحث عن اللا مرئي .. حتى نفرج عن ذكائنا – ربما – للأجيال القادمة !

 

-12-

صخب الأصدقاء يصيبني أحيانا بالضجر، فكرت اليوم في ان أقاطع الكلام .. شفتاي أصابهما الانتفاخ .. من شدة الراحة ! !

سلمت اخيرا بأن الصمت حكمة.

-13-

خطر ببالي أن المطر يمكنه أن يحل ضيفا علينا – ولو أننا في عز الصيف – أمر جميل إذن .. أن ترسل السماء رغم الحرارة زخات مطرية في نظام بديع .. خطوط متوازية تتهاوى على وجوهنا لنحس أخيرا .. بالانتعاش !

·       ساختبأ حينها في أحد الزخات وامسح بها الغبار العالق ببعض الذكريات "الشتوية" القديمة .. ثم احتمي ها من حرارة العيش" وخبث السنين الجافة !

-14-

هناك .. على امتداد الأفق حيث توجد أكبر موجة بحرية تختفي الشمس، منظر الغروب جد بديع خصوصا حينما يتوارى ذلك القرص الملون في هدوء وفي نفس الموعد .. لم يتأخر أبدا .. الشاطئ فارغ تماما.. صرت وحيدا مع الشمسية الواقية " .. عيوني ارتبطت بذلك المنظر .. لم أجرؤ على أن اهمس بكلمات حب في غياب المحبوب!

شظايا صدئة تتساقط بين الحين والآخر في ذاكرتي تساءلت قبل أن "أرفع الجلسة" هل مازلت هناك "رومانسية"؟

صوت مجهول همس من بعيد : أسأل "منظر الغروب" علك تجد الجواب ؟!

 

 

-15-

كان صديقا أظنه كذلك .. وجدته ليلة اول ّأمس يرتجف .. أخبروني بأن ذلك من آثار "الغرور" الذي أصابه .. سخروا منه.. لم أتدخل! .. فتح حقيبته وفتش في كل أوراقه وجدها ذابلة.. فقدت رونقها واختلط المحلول المكون للأبيات التي سبق أن نظمها وأصاب التلف كل الجمل التي ركبها أعاد الأوراق المتآكلة الى مكانها حاول أن يحتمي بشيء ما لم يجد سوى ريح صامتة"!

 

-16-

أحيانا تنتابني موجة حزن غير اعتيادية .. كأنني فشلت في  البحث عن حصان طروادة ! بحثت عن السبب فلم أجده.. تساءلت عن سر هذا الحزن اللاإرادي طالعتني صور قديمة.. فتشت عن شيء ما يدعو للسرور.. عثرت عليه فجأة.. ضحكت.. غاب عني الحزن نهائيا..

          &nbsp

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “"مسعود"..اسم على غير مسمى …وهل تنتظرون العكس?”

  1. تتاتلالبلبغلبلالل



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين