ميتا سكيزوفرينيا
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 1 يوليو 2007 الساعة: 19:04 م
قصة قصيرة
ميتا سكيزوفرينيا
عبد الرحيم العطري
البيت:
قليلا ما يوجه الكلام إلى آل بيته، يكتفي بإعطاء الأوامر بتقطيب الحاجبين و إجحاظ العينين، فبعد أن يطرح عنه اللباس الرسمي و يدس جسده النحيل وسط " الدراعية " يتصنم قبالة التلفاز برفقة أخبار الجزيرة و جرائد الأمس و اليوم .
الزوجة المغلوبة على أمرها تأتيه بالشاي " الصيك " و تنصرف إلى مطبخها لتواصل يوميها المعطوب، الأولاد يفترض فيهم ألا يزعجوه بالمرور من " الصالة " حيث يقيم برفقة سجائره و كتبه و كتاباته، فهو الكاتب المشهور الذي تسير بذكره الركبان ، و من الضروري أن يستغل فرصة وجوده بالبيت في القراءة و التأمل و الاستماع لجديد الأنباء ، فكل خبر يمكن أن يصير مشروع رواية أو مقال لعموده اليومي بجريدة الحزب.
و لأنه سعادة الكاتب المشهور ، فلا ينبغي للأبناء أن يزعجوه بطلباتهم التافهة ، و ينبغي للزوجة أن تفرك قدميه بالماء الفاتر المملح و تلبي كل رغباته المريضة دون اعتراض ، إنه فداحة الكاتب بتعبير رئيس جمهورية الليل
الحزب :
الكرنفال الانتخابي على الأبواب ، سعادة الكاتب يهفو إلى تذوق جزء من الكعكة ،كما فعل آخرون يفوقهم درجة في العلم و الحضور ، لقد استقر رايه على الدخول إلى حرب التزكيات للظفر بوكيل لائحة ما ، غنه يعرف جيدا أن الهدف أكبر من إمكانياته ، لكنه يعي بالمقابل أن شيخ الزاوية أو الحزب ، فلا فرق ، لا يريد غير مريدين أوفياء ، يرددون أذكارة و مقولاته ، و يصرون على عبادته و تمجيده صباح مساء.
لقد علمته الأيام كيف تلعق الأكتاف و الأحذية ، و علمته حكايا الزمن الرخيص كيف "يضبع" الناس من حوله، و يغريهم باتباع طريقته المثلى ، ألم ينفق مالا وفيرا في سبيل الحصول على مخ الضبع الذي يضع نتفا منه في خاتمه و حافظة الوثائق و النقود؟
في مقر الحزب المكترى حديثا ، و الذي كان حتى عهد قريب مجرد دكان لبيع الزريعة ، سيصول سعادته، ثمة تجمع بالمناسبة يدعو إلى استعراض العضلات السياسية و تأكيد الانتماء إلى الهامش و الهامشيين…أملا في الظفر بوكيل اللائحة .
الشارع :
من حانوت الزريعة سابقا ، مقر الحزب حاليا ، إلى الشارع حيث تحلو له ممارسة لعبته المفضلة ، اللهاث وراء فتيات في عمر الزهور ، لإغرائهن بوجبة أكل باذخة بالماكدونالدز. بين شارعي محمد الخامس بوسط المدينة و فال ولد عمير بأكدال يوزع قسطا من الوقت لاهثا وراء فتيات يناضل من أجلهن في جمعيته المنشغلة بمحاربة الاستغلال الجنسي للأطفال.
يقترب من ماريا ذات الأربعة عشر ربيعا / خريفا ، يعرض عليها " مشاركة الطعام" في مطاعم العم سام ، تلي الدعوة من غير تردد ، تطلب أغلى ما يطلب ، إنه قانون الاستغلال . لا يتردد هو الآخر في تلمس أجزاء من خريطتها السفلية ، لا تبدي ذات الأربعة عشر خريفا أية ممانعة ، لقد تعودت على شقاوة كبار السن ممن أصابتهم لعنة المراهقة أخيرا ، إنهم يجزلون العطاء ، و فوق ذلك ، فهم يكتفون باللمس و " الشفوي " لا غير ….
المقهى :
إلى النادي السياسي ، على مقهاه الأثيرة قبالة البرلمان ، يستمر أمام الواجهة الزجاجية ، المطلة على القبة إياها ، يطلب قهوة سوداء ، يشعل سيجارة شقراء ، يمعن في التأمل ، يتأمل المؤخرات ، يتأمل المعطلين و المكفوفين و حملة الرسائل الملكية ، و قد أشبعوا ضربا من قبل الأجهزة القمعية .. يتأمل القبة البرلمانية … يتأمل و لا يحرك غير السكر في قاع الفنجان.
يأتيه رفيق من الحزب ، ينطلقان في قراءة الطالع السياسي ، يطرحان كل احتمالات التحالف و الائتلاف و كل ممكنات الخريطة السياسية القادمة ، يحلمان نفسيهما وزيرين في الحكومة أو مستشارين في ديوان أحد الوزراء ، هذا أقل ما ينبغي أن يقدمه لهما الحزب جزاء لهما على قراء المقر و تجييش الناس .
المصلحة :
ثلاثة أخبار يمكن أن تجعل رئيس المصلحة يخدمه في مسألة الترقية الاستثنائية ، هناك خبر أول باهض الثمن ، يحق له أن " يصبح" به على فخامته ، فالمهندسة المعينة حديثا ، و التي أشاعت بين الزملاء و الزميلات أن قريبا لها قد رحل إلى دار البقاء ، و استطاعت بذلك أن تظفر بيوم عطلة ن كانت برفقة عشيق لها بالماكدونالدز ، و من حق فخامته أن يعرف درجة الاستهتار و الكذب المقيت الذي يتقنه هؤلاء الموظفون الجدد .
خير ثان يجدر أن ينهيه إلى علم فخامته ، إنه متعلق بموظف مقبل على التقاعد خرج البارحة قبل موعد المغادرة الرسمي بحوالي عشر دقائق، و بالنسبة لثالثة الأثافي ، فلها علاقة بمستقبل فخامة رئيس المصلحة ، فقد سمع في الحزب أنه مرشح لمنصب أكبر ، مباشرة بعد نهاية الكرنفال الانتخابي.
قدم الأخبار الثلاثة لفخامته، و غادر قبل الموعد الرسمي بساعة على الأقل، مدعيا أن أحد أقربائه قد انتقل إلى الرفيق الأعلى…
الزاوية:
في الزاوية يقرأ الورد اليومي ، و يجاهد النفس لامتشاق خطو المريد في حضرة الشيخ صاحب الرؤى و الكرامات التي لا تنتهي ، فالمرور من الزاوية قد يعبد له الطريق نحو قشدة المجتمع ، ألم يقل ماركس بأنه مجتمع يحكمه أجداده و أنه مجتمع خاضع للموتى؟
فلا بأس من عبادة الأولياء و الانضواء تحت لواء الزوايا و التضحية بالنفس و المال في سبيل كسب رضا الشيخ و بركته ، فهو العارف بعلوم الظاهر و الباطن ،و خدمته و التقرب إليه أولى درجات سلم القطبية و المشيخة .
سعادة الكاتب المشهور أتاه " الحال" ، إنه غائص في شطحاته الصوفية ، يحرر الجسد من أثقاله و ذنوبه و يغسل الروح من أدرانها ، و في العنق سبحة عظيمة من عطايا الشيخ العارف ، يواصل ، و يحلم بالوصول ، إلى الدرجات العلى ، في الأرض قبل السماء " إلا ما جاتش في اللورد مع الكتابة و لا الحزب ، تجي مع الزاوية "
العيادة:
يستلقي فوق الأريكة و يلقي ما بجوفه إلى طبيبه النفسي، يعلن العجرفة في البدء ، و يقول له بأنه أتاه فقط لأن الأمر يتعلق بموضة مجتمعية ، فعيادة الطبيب النفسي صارت موضة يتبجح بها علية القوم ، فهو لا يأتيه اقتفاء لهذه الموضة ، و ليس من أجل العلاج ، إنه بصحة جيدة …
لكن سرعان ما يجهش بالبكاء ، متذكرا طفولته البائسة ، حيث زوجة الأب تمرغ كرامته في التراب ، ينطلق في الحكي عن عجزه الجنسي ، عن مخاوفه من الظلام و العلو و الأطفال ، عن عشيق زوجته الذي اكتشفه فوق فراشه ، عن الفتيات اللواتي يعشق تلمس خرائطهن السفلية ، و الدفاع عنهن في إطار جمعية محاربة الاستغلال الجنسي..
إنه يشعر بارتياح أكبر كلما لفظ ما بداخله في وجه الطبيب ، لهذا يحرص كل أسبوع على زيارته ، مؤكدا في كل حين أن الموضة و العدوى الاجتماعية هي التي تدفعه إلى المجيء ، فسعادته بصحة جيدة .
البيت :
في البيت رقم 2 تستقبله الزاهية التي انتشلها ذات مساء من الشارع ، لتصير عشيقته الخاصة بعدما كانت ملكا للجميع ، و أساسا لمن يدفع أحسن ، سيمضي معها الليلة، مكتفيا باللمس و الشفوي ، و ليعتصر عجزه ، فكؤوس" الدجين" كفيلة بالمحو و النسيان.
الزاهية سعيدة بسعادته ، فهو يجزل العطاء و يؤدي ثمن الكراء، و يملأ الثلاجة عن آخرها كل أسبوع ، و فوق ذلك كله ، لا يجيد غير الكلام البذيء ، من دون ممارسة حقيقية ، فأهلا و سهلا برجل طاعن في السن ، بكاتب مشهور ، بمتزوج عاجز ، بسياسي لامع ، بمريد عارف ، و جمعوي مناضل ، بمريض نفسي ، بكل هؤلاء في واحد ، يمنح بيتا و يدفع أحسن ، أما الممارسة الحقيقية ، فيمكن تدبر أمرها مع رفيقه في الحزب الذي يأتي للسؤال عنه ، كلما غاب عنه ، أو مع حارس العمارة الذي يحمل إليها القفة ، فهناك الكثيرون المستعدين لأداء هذه المهمة و على الوجه الأحسن و الأمتع.
البيت مرة أخرى:
قليلا ما يوجه الكلام إلى آل بيته، يكتفي بإعطاء الأوامر بتقطيب الحاجبين و إجحاظ العينين، فبعد أن يطرح عنه اللباس الرسمي و يدس جسده النحيل وسط " الدراعية " يتصنم قبالة التلفاز برفقة أخبار الجزيرة و جرائد الأمس و اليوم .
الزوجة المغلوبة على أمرها تأتيه بالشاي " الصيك " و تنصرف إلى مطبخها لتواصل يوميها المعطوب، الأولاد يفترض فيهم ألا يزعجوه بالمرور من " الصالة " حيث يقيم برفقة سجائره و كتبه و كتاباته، فهو الكاتب المشهور الذي تسير بذكره الركبان ، و من الضروري أن يستغل فرصة وجوده بالبيت في القراءة و التأمل و الاستماع لجديد الأنباء ، فكل خبر يمكن أن يصير مشروع رواية أو مقال لعموده اليومي بجريدة الحزب.
و لأنه سعادة الكاتب المشهور ، فلا ينبغي للأبناء أن يزعجوه بطلباتهم التافهة ، و ينبغي للزوجة أن تفرك قدميه بالماء الفاتر المملح و تلبي كل رغباته المريضة دون اعتراض ، إنه فداحة الكاتب بتعبير رئيس جمهورية الليل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























