مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

حبل غسيل

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 1 يوليو 2007 الساعة: 19:06 م

قصة قصيرة

 حبل غسيل   

عبد الرحيم العطري

السادسة صباحا :

العصفور إياه يداعب رفيقته عند النافذة ، يخبرها ، على الأرجح ، أنه ذاهب لتلمس رزقه، يزقزق و يغرد ، ترد عليه بأكثر ، إنهما يدفعان عني هذا النعاس اللذيذ الذي يجتاحني بعد الإفاقة ، أضع راسي تحت المخدة ، أغلق أذناي بسدادتين خاصتين بالسباحة، استحلاء للنوم من جديد .

عبثا أحاول ، المنبه يعلن ضدي حربا أخرى ، الهاتف النقال هو الآخر يشارك في ذات الحرب، تماما كما تفعل السيدة المقيتة التي فوق، لقد استهلت صباحها الماسخ ب" التقرقيب " بصندلها ذي الكعب العالي ، إنها تدحرج طاولة الأكل ، تسقط منها ملعقة ، مطرقة ، صحون و كؤوس شتى … كلها تسقط فوق رأسي …" تفو الصباحاتو لله ، الله يعفو علينا من هاذ العمارة "

السابعة إلا ربع :

أحلم دوما بمسكن فردي بعيدا عن الناس ، أحلم بعمل تقني لا علاقة فيه إلا مع الآلة ، أحلم بقانون يجرم العلاقات بين الناس ، أحلم بعالم نكتفي فيه بالنظرات " لا سلام و لا هم يحزنون" …أتأملني جيدا في المرآة ، مستمرا في حياكة أحلامي المجنونة ، أراني أكبر بسرعة ، نضارتي أفتقدها مع كل استيقاظ جديد ، الشعر يغادر فروة الرأس بغير استئذان، البطن تتدلى أكثر نحو الأسفل ، أ هو المال و الجاه قادم نحوي ، فالصلع و البطن المتدلية يؤشران شعبيا على " الدوماليين".

أتحسس صلعتي القادمة ، أتذكر ما يرقد في جيبي من دريهمات معدودة لن تستطيع هزم مصاريف التنقل إلى أقرب مدينة ، أرد على مفارقة الصلع و الفقر بالغناء " العظمة ما منوش ، الفلوس اللي ما عندوش أياي .. مالي مالي هاذا ما راد الله  أياي".

السابعة و النصف :

أضع كوب القهوة السوداء على شرفة النافذة ، أشعل سيجارة من نادي التبغ الأسود أيضا ، لأستحيل بصاصا يسترق النظر إلى التلاميذ الذاهبين إلأى المدرسة و النسوة الرائحات إلى المعمل و عمال الورش المقابل ، أتجسس بين الفينة و الأخرى على الملابس الداخلية للجارة التي فوق ، و قد نشرت باتساق في الشكل و الألون ، على حبل غسيل متدل نحو رأسي تماما ، أتجسس على الملابس المهترئة للجيران الذين هم تحت ، أمط شفتي كلما مرت من الشارع امرأة مكتنزة ، أرشف قهوتي ، و اسحب دخانا من التبغ إلى الأعماق، اتذكر الليلة الفائتة التي هربت مني فيها امرأة مماثلة ، فقط لأن دريهماتي لم تقنعها و لم تغوها أكثر بالصعود إلى أعلى حيث أقيم " الجايات كثر من الرايحات"

الثامنة صباحا :

أصعد إلى حافة المصلحة ، لا أسلم على أحد ، السائق البدين يحدجني بنظرة شرزاء ، يريد أن يقول لي بأنني لم أؤد اشتراك الشهر الماضي، الموظفات اللواتي هرب عنهن قطار الزواج يحرصن على الوقوف و التململ كلما اقتربت منهن في عبوري نحو المقاعد الخلفية ، عبثا يحاولن…

" لا سلام و لا هم يحزنون" ،أستل " الطاعون" لألبير كامي بديلا عن الطاعون الذي سينطلق مع زحمة المواصلات و زعيق الحافلات عند قنطرة العدوتين المنتهي عمرها الافتراضي منذ عشر سنوات على الأقل ..تتناهى إلى مسمعي تعليقات ماسخة لنسوة من الدرجة الأخيرة يستأسدن في مقر العمل بفضل مؤخراتهن و صدورهن البارزة و الضامرة ، فلا فرق ، منهن المتزوجات اللواتي لا يجدن حرجا في حكاية نكات خليعة لزملائهن في العمل،ربما صاروا أخوة لهن بالإرضاع ، كما أفتى بذلك علامة الديار المصرية …

التاسعة إلا ربع :

قبل الصعود إلى المكتب ، أنعطف يسارا نحو المقصف، عزيز الذي فاقني دراسة و علما ، سيعد لي قهوة سوداء ، تبا له من واقع كريه ، نابغة  دوار السبيعات و كل بلاد احمر الذي حاز درجة الدكتوراه في الفيزياء النووية يعمل نادلا بمقصف الإدارة .

نتبادل نظرات تائهة ، هو يفهم ما أريد قوله ، بدوري أفهمه جيدا ، لا ننبس ببنت شفة ، أطلب منه ، بالإشارة دوما، أن يقيد الحساب إلى آخر الشهر ، تماما كما أفعل مع السائق و البقال و الصيدلي و مول الصاكة و مول الجورنال و الخضار و الجزار و كل الذين تربطني بهم علاقات التنقيد و التضريب .

أصعد نحو، مرة أخرى ، اختار السلالم بدل المصعد ، حتى لا أقابل أحدا من الموظفين التافهين أفتح مكتبي المنزوي مثلي و أنتظر …أنتظر …أنتظر …يندلق الوقت كئيبا في هذه الإدارة الظالم أهلها ، يرف الهاتف في حدود الساعة الحادية عشرة ، رئيس المصلحة الذي دخل للتو إلى مكتبه يأمرني بتدبيج مذكرة تافهة حول احترام أوقات العمل ، أنفذ الأمر في الحين ، أرسلها إليه مع كاتبته الشقراء التي تنفق كل وقتها في الشات و الهاتف و نتف الحاجبين و طلاء الأظافر .

بعد ساعة من تنفيذ الأمر يستدعيني مجددا إلى مكتبه ، يعيد إلى المذكرة مصححة بالقلم الأحمر، يجتهد كثيرا في التصحيح و الانقلاب على دروس سيبويه، لا ألق بالا لتصحيحاته الخاطئة ، أعيد كتابة المذكرة وفقا لاجتهاداته ، أعيدها إلى الكاتبة المدللة و أعود إلى مكتبي المنزوي …

الواحدة زوالا :

الإدارة تتحول إلى مطبخ عالمي ، روائح اللحوم و الخضروات و العجائن و القطاني تستعمر الأروقة، الكل منشغل بالأكل، إنها ضريبة التوقيت المستمر، و إنها الفرصة المناسبة للرحيل بعيدا عن هذه الروائح ، فحتى مراقب الباب منشغل بتحضير " كاميلته".

اخرج خفية من السلالم الخلفية لألتحق بالشارع.. هناك حيث لا يستأسد التافهون و المتملقون و صناع الدسائس و المؤامرات .. هناك حيث أتحرر من تجرع مرارة الإدارة ، فإلى الشارع …

الثالثة بعد الزوال:

استلم الجرائد من عند المعطي و ألتحق بديوان الحشاشين بمقهى الصاروخ، أطلب كأس شاي منعنع و أنطلق في قراءة العناوين لا غير ، فالمتن الصحافي ما عاد محرضا على القراءة ما دام مرتكنا إلى المهادنة و التبرير في غالبيته .

بعد التهام العناوين أدخل في سباق ثقافي مع الكلمات المتقاطعة و المسهمة ، استعين طبعا بخبرة الصارخ صاحب المقهى ، كلما مر بمحاذاتي قدم جوابا صحيحا، و من أجل الحفاظ على كرامتي المعرفية أنهره و أطلب منه أن يمتنع عن المساهمة معي في حل الشبكة.

لا أتردد بعد استكمال حل الشبكات في تدخين لفافة تبغ محشوة بالقنب الهندي ، حتى أسترد " المجاج" و أكون في مستوى ما ينتظرني من أحداث ، فالقذف و " فتيق الكلام" الذي يقابلني به أصحاب " الكريدي" يتطلب برودة دم و نفس حد القرف، و "الزطلة "كفيلة بتحقيق ذلك .

الثامنة مساء:

هناك في " التريانو" أوزع ما تبقى من اليوم برفقة قناني جعة رديئة ، هنا لا مجال للسلف ، فصاحب الحانة ينتصر لفكرة " الطلق ممنوع و الرزق على الله" ، أكتفي بجعة واحدة لقاء ما يرقد في جيبي من دراهم ،أشربها ببطء شديد أنتظر مجيء العبدي الذي يدشن شربه بكأس في صحة الجميع ، و على حسابه طبعا .

زهيرة البارميطة تعي جيدا أنني لا أتوفر إلا على ثمن هذه الجعة التي طال أمدها ، تهديني جعة أخرى حصلت عليها من زبون جديد لا يعرف قانون اللعبة ، أشكر لها فعلتها النبيلة ، اشرب في نخبها على إيقاع " العلوة لا تخمم "

العاشرة و النصف ليلا :

العبدي لم يحضر الليلة ، الجعة بالمجان من غير الممكن تذوقها مع "ولاد النم" الذين يرددون " العلوة لا تخمم" ، فإلى العمارة / المرقد ، عبر طاكسيات الغرابلية و منها إلى طاكسيات بوقنادل ، حتما ستكون الجارة التي فوق مستيقظة ، ستقرقب علي بصندلها ذي الكعب العالي ، ستمنعني من النوم ، ربما س " تركز" على سقفي ، لو كانت برفقة " صاحبها" الذي يعشق " الركيز" ، سترقص و تركز فوق رأسي ، سأمط شفتي كما العادة ، متمنيا لو كنت مكانه أستلذ برقصها الماجن.

الواحدة صباحا :

النوم يخاصمني ما العادة .. الجارة التي فوق ما زالت تقرقب الناب و السقف ، كلاب ورش البناء لا تنتهي من النباح ، آخذ كوب القهوة السوداء و السيجارة السوداء إلى شرفة النافذة ، لأمعن النظر في الشارع الفارغ إلا من حارس بئيس غالبه النوم ، أرفع رأس نحو الأعلى ، فأجد الجارة نسيت حبل غسيلها المتدلي ، أفكر في طرق بابها لتذكيرها بأن ملابسها الداخلية المتناسقة الشكل و اللون ، تبيت في العراء، أفكر في أن أكون " صاحبها " بدل ذلك التافه الذي يصعد إليها من الطابق الأول بعد أن تنام زوجته ن فأنا الأجدر بها من هذا الخائن ن على الأقل لست متزوجا و لا رغبة لي في الزواج أصلا … أفكر ..أفكر .. و أحلم .. و أحلم …

أستلقي فوق السرير دون أن أنسى ضبط منبه الساعة و الهاتف النقال على الموعد المعلوم في انتظار غد آخر ، أحملق في الفراغ و السواد بعيدا .. بعيدا في الضياع ..في حبل غسيل متدل ..كما أنا ، كما العادة في كل يوم عادي من حياة موظف عاد جد في حبل أو زمن غير عاد بالمرة.

 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حبل غسيل”

  1. جميل جداُ هذا الابداع …

    قلم رائع .. اتمنى لك التوفيق …



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين