مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

انخرس الهاتف .. فأين الجثة ؟

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 1 يونيو 2006 الساعة: 22:18 م

بحثا عن معنى الصداقة

انخرس الهاتف .. فأين الجثة ؟

عبد الرحيم العطري

         ذلك الهاتف العجيب الذي كان مزعجا حد الابتذال لم يعد يرن …تلك المكالمات الساخنة التي كانت تأتيك من كل حدب و صوب لم يعد لها أي أثر …أولئك المتملقون  من لاعقي الأكتاف و الأحذية ، الذين كانوا يحرصون على تقديم فروض الطاعة و الولاء بمناسبة و بغيرها ، صاموا عن مكالمتك ، جميعهم تركوك وحيدا في " عزلة المائة يوم " ، لم يعودوا بحاجة إلى مهاتفتك و إخبارك بالتافه و المهم أملا في كسب عطفك و رضاك …حتى من كنت تظنهم أحبة قاطعوك و تركوك تائها في بيداء من اللانهائي …أهكذا تكون نهاية المشوار ؟ أهذا هو المعنى الحقيقي للآخرين ؟ الفائت كله كان زيفا و سرابا أخاذا؟

فحتى عهد قريب لك يكن بمقدورك تناول الطعام دون أن تزعجك مكالمة هاتفية من ذاك الهناك ، و لكن ها أنت اليوم تستطيع أن تتعرف على ما يرقد في أحشاء الهاتف النقال من برامج و ألعاب ، دون أن تتلقى اتصالا واحدا، لكن لا يهم إنه درس آخر من دروس زمن الرداءة و العفن يفترض فيك أن تلتقطه على وجه الدقة و السرعة معا …

***

         الهاتف يرن مجددا ، بات مزعجا للغاية هذه المرة ، لقد تناهى إلى علمهم أنك عائد إلى عهدك البائد ، جميعهم يخطبون ودك ، يكذبون و يقولون بأن الزمن هو ما منعهم من الاتصال بك في الأيام الماضية ، إنهم يتضامنون معك تضامنا لامشروطا ،و يعتبرونك نبيهم و مرشدهم  البهي نحو الخلاص ، لم يعد لك الوقت من جديدا للعب بهاتفك ، لن تستطيع تناول الطعام من غير رنينه المزعج ، تغير الرقم الهاتفي ، لكنهم يصلون إليه ، عبثا تحاول التخلص من ظلهم الثقيل ، هاهم مرة أخرى يحاصرون لحظاتك الجديدة و يعلنون الانتماء لصلاتك ، فأنت الخلاص و المنتهى …

***

        

كثيرا ما أرقك سؤال الصداقة في الأيام الأخيرة ، كثيرا ما لاح أمامك السؤال ذاته عميقا و حارقا جدا ، لم تقلب قبلا  التفكير في الصداقة كمعنى محتمل للأخر و الأنا ، لم تتعب نفسك بالمرة بالبحث عن معناه أو لا معناه ، ربما لأنك مثقل بالأصدقاء ، أو ربما لأنك لا تحوز صديقا واحدا بالمرة ، أحيانا نكتشف أننا غارقون في البلاهة و التفاهة ، عندما نتيه في هذا الزمن الصعب بلا معنى الأشياء .

         لكن دوام الحال من المحال ، كل شيء يتغير و ينمسخ أيضا ، و لا عجب إنه زمن المسخ و الانهيار الفادح . عندما يلدغنا الوقت ، يستيقظ فينا السؤال الغائب ، تماما كما الألم الكريه ، يستمر الوخز في الأعماق ، يدفعنا الألم نحو تعنيف السؤال و التحرر و لو بشكل مؤقت من مقارباتنا الكسولة ، بحثا عن معنى الصداقة …

***

في أحلك اللحظات يلوح البدر ، و في قيعان الألم و الأزمة تنجلي الحقائق ، و تنكشف الأشياء ، فالمعنى لا يوجد إلا خلف الظاهر ، و لا يصير الوصول إليه ممكنا إلا برفقة العذاب و التشظي …

         عن الصداقة يقولون هناك في الضفة الأخرى ، هناك بالضبط في مدينة الأنوار بأن الصديق حقا هو من تأتيه في وقت متأخر من الليل ، و تقول له و أنت ترتجف خوفا و ربما ندما بأنك قتلت ، فيقول لك مباشرة و من غير تردد أو أدنى ارتياب في أمرك أين الجثة ؟ ، حتى يساعدك على التخلص منها ، و بعدها يمكن أن يمطرك بعبارات اللوم و التأنيب ، ذلكم هو الصديق الذي لا يخذلك في عز الضياع ، ذلكم هو الصديق الحقيقي الذي لا يوصد الباب في وجهك و ينضم إلى جوقة المتهمين و المطالبين برأسك و لو كنت مظلوما ….

***

         هنا و الآن ، في ظل زمن متعفن ، تتأسس فيه العلاقات على النفعية و المصلحية كم من صديق يمكن أن يقول لك أين الجثة ؟ من الأفضل ألا يتعب المرء نفسه بالبحث عن جواب لهكذا سؤال ، ربما لن يجد واحدا بالمرة يسأله ذات السؤال ، و بالمقابل سيجد كل الأصدقاء حوله يلعبون دور الجلاد دونما إعمال لأدنى تفكير في إمكان البراءة مما نسب إلى المرء ، كلهم سوف يديرون ظهورهم عنه و يتركونه وحيدا في العراء ، بعد أن كانوا حتى عهد قريب يتملقون إليه و يتنافسون فيما بينهم من أجل كسب وده و عطفه ، فبمجرد وقوع غير المتوقع يتفرق من حوله الأصدقاء و يلتحقون على التو بطابور الأعداء و الجلادين ….

***

         وفقا لهذا الفهم الأنواري للصداقة تحاول في زمن غير بعيد أن تكتشف عدد الأصدقاء من حولك ، و الذين بمقدورهم أن يسألوا عن الجثة؟ ، الغريب في الأمر أنهم لن يكتفوا بالسؤال عن الجثة ، سيمطرون لحظتك الفادحة بأسئلة بلهاء من قبيل: كم أسأت لنا ؟ ألم تبلغ الشرطة ؟ ما كان عليك أن تفعل هذا الجرم الشنيع ؟ …لهذا لا تتورط في البحث عن جواب لسؤال الجثة أو سؤال الصداقة ، و معناه القصي ، فمن الأفضل ألا تبحث عنه هنا و الآن حتى لا تنصدم أكثر ، و تعي جيدا أنك وحيد وسط الصقيع .. حقا تهاب الوحدة و الفقدان ، لهذا تمنع نفسك مؤقتا من طرح سؤال الصداقة …..

***

مرة أخرى ينخرس الهاتف ، لأنك عدت من حيث أتيت ، لم تعد نبيا و لا خلاصا لأحد ، العزلة تطوقك من جديد ، الطقس البارد يهاجم مساءاتك القادمة ، المعنى الهارب دوما يفر منك نحو مغاليق الليل الحالك ، تلعن اللحظة التي قررت فيها الانضمام إلى عالم تكنولوجيا الاتصال ، تهرب من عالم الزيف إلى البحر رفيقك الذي لم يخذلك قط ، تتأمل أمواجه و صخوره ، تهديه هاتفك النقال و تنتهي من الألم الذي يجلبه لك … تتساءل و الزهو يملأ صدرك ، أليس في المقدور التحرر من سلطة الهاتف ؟ ألا يمكن العيش بلا هاتف ؟

***

         تذهب إلى عالمك الافتراضي على شبكة الانترنيت ، فتجد علبة الرسائل ملأى عن آخرها برسائلهم المداهنة ..إنهم يجتاحون صمتك و انهيارك و تألقك و بهاءك …لن يتركوك وحيدا ما دامت صناعة الحياة هي قدرك الوحيد ، فاحذرهم قبل أن ينخرس هاتفك ؟ألم ينخرس الهاتف بعد ؟…بعد زوال قليل من النعمة سينخرس حتما …

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين