عالم الاجتماع المعربي الدكتور إدريس بنسعيد
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 13:32 م
عالم الاجتماع المعربي الدكتور إدريس بنسعيد:«قوة النقابي هي إسمنت البناء السياسي»
الشارع يتأجج بعد ترهّل السياسي وتضحيته بالاجتماعي
إدريس بنسعيد: «قوة النقابي هي إسمنت البناء السياسي»
جريدة المساء المغربية
30/09/2007
قال إدريس بنسعيد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن «المغرب يعيش بوادر لأخطر ما يمكن أن يواجهه مجتمع معين، وهو الفراغ السياسي، ذلك أن إضعاف الأحزاب لا يمكن أن يساعد البناء المجتمعي في شيء. ففي غياب أحزاب قوية ونقابات فاعلة، سوف نتجه نحو الفراغ السياسي الذي يتم احتواؤه من طرف المشاريع المجتمعية المتطرفة مثل ما وقع في صفرو الذي أعتبره من بشائر الفراغ السياسي وغياب التأطير النقابي»
يونس مسكين:
«أعقبت أحداث 1965 حالة فراغ سياسي معلن، أي حالة الاستثناء، استثناء على مستوى القول والعمل. بينما بعد أحداث بداية الثمانينيات، رفع الحسن الثاني شعار السلم الاجتماعي، أي أننا في حاجة إلى مدة لالتقاط أنفاسنا واعتماد الحوار. مهندس ومنفذ هذا الخطاب كان هو كريم العمراني، الذي كانت تتم المناداة عليه في كل مرة لتدبير هذا الملف»، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي إدريس بنسعيد. هذا الأخير وضع الإصبع على مكمن المفارقة والمقارنة بين وضعيتين متناقضتين لطبيعة العمل النقابي وتمظهرات الحراك الاجتماعي في المشهد السياسي المغربي، فبعد أن انتهى نظام الملك الراحل من إغلاق أبواب الفتنة السياسية والقلاقل العسكرية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، تفرغ خلال عقد الثمانينيات لتصفية آخر جيوب التعبير عن نبض الشارع، معتمدا أسلوب العصا الغليظة في قمع المظاهرات والإضرابات الناتجة عن تدهور الوضع المعيشي للأغلبية الفقيرة من ساكنة المملكة.
فبغض النظر عن التجربة المغربية، تظل الحركة النقابية «مصطلحا سياسيا قبل كل شيء، وتتطلب تواجد حزب سياسي ثوري يكون رأس الحربة في الصراع من أجل الوصول إلى السلطة، سواء عن طريق ثورة عمالية أي ما يسمى بالثورة البروليتارية، حسب منظور الماركسية-اللينينية، أو عن طريق الانتخابات حسب منظور الاشتراكية الديمقراطية. ولكي يكون الحزب الثوري مؤهلا لقيادة ثورة سياسية، كيفما كانت، يجب أن يكون متجذرا في صفوف الطبقة العاملة ومتحكما في تنظيماتها»، يقول النقابي محمد الأمراني في كتابه حول جدلية النقابي والسياسي. فكرة يعبر عنها بنسعيد بكون النقابات وإن كانت غير حاضرة في واجهة المشهد السياسي، في رأس الحربة السياسية على شكل حزب، فإننا نلاحظ أن لحظات قوة النقابات هي لحظات قوة العمل السياسي. وعندما كان الاتحاد المغربي للشغل هو المركزية النقابية الوحيدة في المغرب، كان هو الموجه للحركة السياسية في المغرب، وكان بمثابة القاعدة التي احتوت كل النظام السياسي، ومكتسبات حكومة عبد الله إبراهيم تعود إلى القاعدة النقابية التي كانت تتوفر عليها. كما أن لحظات قوة التنظيمات الطلابية ومساهمتها في صنع المشهد السياسي، هي اللحظة التي كانت فيها النقابة قوية. فقوة النقابة شرط ضروري لقوة السياسي، بل إن «قوة النقابي هي إسمنت البناء السياسي»، يقول بنسعيد.
كان الراحل الحسن الثاني أشد مناوئي هذا الترابط بين السياسي والنقابي، وأكبر العارفين بمخاطره على نظام جوهره الاستبداد وبيئته الفقر والتهميش. وعبر عن ذلك في أولى اختباراته الشعبية عندما سارع إلى إلغاء كل المؤسسات الدستورية التي شيدها بنفسه وعمد إلى ضم كل السلطات تحت عباءته الواسعة، «… إنها لم تربكني، بل على العكس من ذلك، فقد أدركت أن علي أن أمسك بزمام الأمور. ولهذا السبب أقدمت على حل البرلمان وقررت العمل بالفصل 35 من الدستور…»، يقول الراحل عن أحداث 1965. لكن تغير المعطيات الداخلية والخارجية لم تكن لتسمح له بمعاودة تجربة التزم علنا بعدم تكرارها في حق مؤسسات الدولة، وأردف عملية القمع الشديد واعتقال قيادات نقابية مستهل عقد الثمانينيات لتجرئها على تحريك شارع آخذ في الغليان، بسياسة «الحوار» والدعوة إلى «السلم الاجتماعي» كغطاء لمخططات فصل النقابي عن السياسي بإضعاف الأول واستقطاب الثاني. فكان أن « النقابات التابعة للأحزاب انضبطت لهذا القرار، لكنها في نفس الوقت، شكلت فرصة لسلم داخلي في الأحزاب السياسية، سمح بترتيب الأوضاع وإقصاء النقابي نحو هوامش القرار، ثم تيئيسه»، يقول إدريس بنسعيد.
ترتيب لم يكن الحسن الثاني ليغفل القيام به وهو يستعد لاستدراج معارضته التاريخية إلى رحاب البلاط، باعتبار القواعد العمالية والمأجورة تشكل خزانها الأساسي ولمعرفته الأكيدة بطبيعة التجربة النقابية المغربية المفتقرة إلى الوعي السياسي لدى القواعد الواسعة، نظرا لتشكلها خلال فترة الاحتلال الفرنسي من فئات بدوية اجتثت من حقولها الزراعية ليتم الزج بها في ورشات المعامل والمصانع، وظلت قيادات الحركة الوطنية مقتصرة على نخبة مثقفة أو «أنتلجنسيا» تحتكر النضال والتحدث باسم «الشعب»، متجنبة إشراك الفئات الشعبية والعمالية «حتى لا تنفلت زمام الأمور من يد الطبقة البورجوازية التي كانت تقود معركة الإصلاحات»، يقول الأمراني واصفا أوضاعا أبقت الحركة النقابية على حالها المقتصر على الكفاءات باستثناء القيادات الشيوعية المقموعة مستهل عهد الاستقلال. يمكن تقسيم النقابات المغربية، حسب بنسعيد، إلى صنفين أساسيين: الصنف الأول الذي يشكل النواة الصلبة ويمثله الاتحاد المغربي للشغل، وهو المركزية النقابية المتجذرة في أوساط المقاولات الكبرى والمهيكلة، أو ما يسمى بشركات البورصة. وهي تؤطر هؤلاء العمال منذ مدة طويلة، وبلغ هذا التأطير درجة عالية من الحرفية النقابية والسياسية. الصنف الثاني هو النقابات التي ظهرت في نهاية الستينيات، وكانت أولاها النقابة الوطنية للتعليم التي انفصلت عن الاتحاد المغربي للشغل، وترعرعت إما في أحضان الاتحاد الاشراكي أو حزب الاستقلال. هذه النقابات اتجهت إلى تأطير المستخدمين في قطاعات الدولة الكبرى، خاصة التعليم والصحة والفلاحة والقطاعات شبه العمومية ، ثم المقاولات الصغرى. وهي فئات أكثر ارتباطا بالطبقة المتوسطة منها بالطبقة العاملة، وبالتالي فإن سلوكها هو السلوك الكلاسيكي للطبقة المتوسطة الذي تفصّله الأدبيات السياسية والسوسيولوجية. فكانت لحظات ظهور النقابات المؤطرة للطبقات الوسطى وتناميها، هي لحظات قوة أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وبالنظر إلى الوضع المتأزم الذي وجد فيه نظام الحسن الثاني نهاية الثمانينيات ومستهل التسعينيات، من خلال ملتمس الرقابة والمذكرات المطالبة بالتعديلات الدستورية، ولكون أحد رموز الحركة النقابية المناوئة للقصر، نوبير الأموي، راح يناقش صلاحيات الملك الدستورية وإشكالية سلطاته بين أن يحكم وأن يسود، فإنه و»منذ بداية الحديث عن المسلسل الديمقراطي والانتقال التوافقي… أي انتقال السياسي المعارض إلى الحكم، كان ذلك مشروطا بتخليه عن النقابي، حيث تم استهلاك هذه القطيعة بين السياسي والنقابي، واعتقد السياسي أن بإمكانه الاستغناء عن النقابي وتحقيق مكتسبات للطبقة العاملة»، يقول بنسعيد، فبدأ صوت الشارع يخفت لصالح أصوات السياسيين في صالونات التفاوض واقتسام النفوذ، وقبل الجناح النقابي بوضعه تحت ظل المخططات الأولى للوصول إلى «التناوب». فـ»خلال سنة 1994 عندما أصدر الملك الراحل العفو عن المعتقلين والمغتربين، طوينا الصفحة وأردنا تدشين مرحلة انفتاح جديدة»، يقول نوبير الأموي في أحد استجواباته الصحفية قبل أن يستطرد: «إلا أنه وفي نفس السنة عشنا مجموعة من التهديدات والتشنجات كرد فعل من طرف مراكز القوى بخصوص ذلك الانفتاح…».
حصل أول تقاطب بين الجناحين السياسي والنقابي بمجرد تعرض الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لأولى مشاكله مع المخزن بعيد تأسيسه. كان ذلك سنة 1959، حيث أمرت قيادة الاتحاد المغربي للشغل بوقف الإضرابات التضامنية مع كل من عبد الرحمان اليوسفي ومحمد البصري اللذين تعرضا للاعتقال. تقاطب سوف يعود إلى الواجهة نهاية عقد التسعينيات، لكنه اتخذ هذه المرة طابعا داخليا للحزب المعارض سابقا، وبات «الحوار الاجتماعي» أشبه ما يكون بالشأن الداخلي لأحزاب الحكومة وقناة لتصريف الخلافات حول المواقع وتصفية الحسابات بين «التيار الأموي» ومعسكر الكاتب الأول بالنيابة آنذاك، محمد اليازغي.
وضع أنهك الطرفين وزاد «العهد الجديد» في تغذيته برفعه شعار الأولوية الاجتماعية وحمله لواء المبادرة، وباتت «هناك نية معلنة من طرف الدولة لإضعاف الأحزاب وتقوية الجمعيات، حيث إن الجمعيات هي التي مارست السياسة في الانتخابات، وهي التي أصبحت تعبر عن المطالب النقابية والمعيشية… هذا من حقها، لكنها ستجد نفسها متحملة لمسؤولية غير قادرة على هيكلتها»، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي قبل أن يضيف: «نحن نعيش بوادر لأخطر ما يمكن أن يواجهه مجتمع معين، وهو الفراغ السياسي، ذلك أن إضعاف الأحزاب لا يمكن أن يساعد البناء المجتمعي في شيء.
ففي غياب أحزاب قوية ونقابات فاعلة، سوف نتجه نحو الفراغ السياسي الذي يتم احتواؤه من طرف المشاريع المجتمعية المتطرفة مثل ما وقع في صفرو الذي أعتبره من بشائر الفراغ السياسي وغياب التأطير النقابي».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 11th, 2007 at 11 نوفمبر 2007 12:47 م
أستاذي الفاضل
عالم الاجتماع عبد الرحيم العطري
كثيرا ما أعود لمدونتك قصد الأستفادة من نظرتك السوسيولوجية الثاقبة لجوهر الاشياء
سعيد بالتواصل مع كتاباتك