زمن الخيبة و السقوط
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 25 أكتوبر 2007 الساعة: 18:05 م
زمن الخيبة و السقوط
قراءة في الليل العاري لعبد الرحيم العطري
بقلم الناقد المغربي : الدكتور محمد رمصيص
تنهض البنية العميقة لقصص ’’الليل العاري’’ علي فعلي الرفض والفضح : رفض القبح والتخلف و فضح العلاقات الزائفة.و تلاقي هذين الفعلين كفيل بتوليد كتابة مشخصة لجملة من التناقضات القائمة بين الذات والعالم.. كتابة ترى في التمرد والانطلاق غاية الإنسان الذي كبل بالقيود منذ مولده وحتى مماته. وهذا يجعلها تندرج في سياق الأدب الكاشف/ الفاضح المتصف بطرحه الصريح لأوجه القبح في واقعنا المؤلم، صراحة جارحة لكن يجب أن تقال و تواجه ..كتابة تحرك الرغبة في معرفة ما وقع بنية إسقاط قناع الواجهة الزائف وتصر على تعرية الخسارة الفادحة لجل شخوص هذه المجموعة من خلال لغة محكية تنبض بالبؤس والشقاء ولذلك فهي تدق بعمق في وجدان القراء . إنها كتابة الوجع الجامع بين الإدانة والفضح والاعتراف مادامت المسؤولية مشتركة على هذا المال المخزي وان بنسب متفاوتة. وهذا بالذات ما يجعل من المجموعة القصصية مرثية في حق الماضي المر والحاضر الرث.. مساقات سردية ناطقة بعلامات دالة على هول السقوط وحدة الانحدار …
-1قراءات في عتبات المجموعة: أ-عتبة العنوان: يعد العنوان خطابا مكثفا وقولا مضعفا عاكسا لأبعاد ما يعنون. انه نواة المعنى العام ولذلك فهو يوجه النص ويعكس قصدية القاص. فالليل العاري كعنوان مركب يحمل عدة مفارقات دلالية : أولها جمعه بين العري والليل بخلاف التمثل الشعبي الذي يجعل من الليل ستارا واقيا وحجابا في وجه فضائح الأفراد والجماعات .ثانيا دلالة العنوان تسير باتجاه عكسي لمرجعيات أدبية تجعل من الليل زمنا للحلم والخلود للراحة، في حين أن القاص يخلق منه لحضة للكوابيس والتصدع بل إن ذاكرتنا الحكائية تجعل من السرد المقرونة بالليل إرجاء للموت إلى وقت لاحق في حين أن القاص يجعل من الحكي موتا مجازيا لجل شخوصه بسبب العهر أو الاعتقال و ما شابه. ليصير الليل زمنا مفتوحا على تعاقب الأيام المرة رائما اكتساح الزمن التاريخي الحديث بكاملة و نشر جسد الحكاية عليه. أقصد زمن الهزائم الممتد فينا، فيصير العري ميزة لتحرير الحكاية من مكبوتاتها. ثالثا: الليل زمنا سالبا لأنه مخصص للنوم والنوم ربيب الموت في حين يجعل منه القاص زمنا للصحو واليقظة والتحديق في تعفنان ذاتنا الجمعية. رابعا : إن ورود العنوان جملة ا سمية يدل على تبات الصفة وملازمتها للموصوف أقصد ثبوت العري المخزي ماضيا وحاضرا .والعري في هذا المقام يروم تشخيص العطل والكشف عن امتداداته بقصد تقييمه في أفق تجاوزه إن توفرت الإرادة لذلك. ب- صورة الغلاف:ينداح سواد الصورة على حواشي الغلاف، ويغمر الظلام أكتر من نصف واجهة المجموعة ،وتنحصر بقع الضوء في نهاية النفق حيث ظلال امرأة ورجل يتوجهان نحو مجهول لا ينكشف إلا بقراءة المجموعة ..علما أن اللون الأسود يرمز لقوى الشر .وبذلك فالنص البصري يسند عنوان المجموعة.إن ذاك الذهاب إلى اللامكان أو إلى مكان ما.يخلق نوعا من التشويق لدى المتلقي ويحفزه على معرفة الوجهة المقصودة ومآل ذاك الخروج الليلي.كما أن الإبقاء على التباس وجهي امرأة ورجل الصورة خدم مقروئية المجموعة أقصد أن دلالة النصوص القصصية هي المنفذ الوحيد لرسم بور تري واضح لهذين الشخصين.. ويبقى التساؤل قائما :ما هي نتائج هذا الخروج ؟.وهل استطاع شخوص هذه الأضمومة تسخير الليل لصالحهم ؟أم أنهم خضعوا له ؟ذلك ما سنتوقف عنده بالإنصات لنبض النصوص… ج-الاستهلالات:يشكل الاستهلال امتدادا نوعيا للعنوان ونوعا من الاغناء له.غايته تعميق رغبة التلقي وفتح شهية القراءة..وسيلته في ذلك تكثيف المعنى.وفي هذه الأضمومة وردت الاستهلالا ت نتفا شعرية لأسماء تسبق شهرتهم المكتوب،الأمر الذي خدم مقروئية المجموعة وخلق نوع من التناوب بين شعرية النثر وجمالية الشعر..إن أسماء من قبيل: بريفير ونيرودا ولويس أركون تستدعي يقظة مضاعفة من أجل التقاط ثراء مقولهم وتماسه بالنصوص القصصية..وبذلك يعيش القارئ متعة اكتشاف دلالية مزدوجة ..فقط تجب الإشارة هنا أن بعض الاستهلالات تؤطر القصص وتتماهى معها :ريتسوس وأخماتوفا نموذجين .وبعضها الآخر يضيء فقط المعنى الإجمالي للنص دون التطابق الدلالي بينهما’’استهلالات بريفر ونيرودا نموذجين’’. 2 مدارات الفواجع والسقوط: ينطبق على الأفراد ما يحكم الجماعات من ماسي و خنوع وان كانوا ينطلقون من موقف التمرد والرفض فإنهم ينتهون للاستسلام.فهذا’’المعطي,,يثور في وجه عطا لته ويجرب السفر سرا لأروبا عله يغير وجه حياته ،لكنه يفشل ليتجرع قطران البلاد مكرها.وتلك ’’سعاد,,تتمرد على تصور العائلة للزواج باعتباره صفقة تجارية ..لكنها سرعان ما تفصل عنوة عن زوجها لتصير عاهرة محترمة.وقس على ذلك التحول المخزي لحياة’’ محمود,,من أقاصي اليسار إلى وسط اليمين .مدارات مزلزلة تقدم شخوص المجموعة منقادين لمصائر مفجعة ومحكومين بقدرية تراجيدية بسبب انفصالهم الأبدي عن موضوع رغبتهم..وبالتالي عيشهم موتا رمزيا وحملهم لوعي شقي..شخوص تفترق لتلتقي في الحانة كفضاء رحمي مفارق يجمع بين الماسي المزلزلة والضحك الماجن. مكان لكل أصناف الحرمان والتهميش وتفريغ المكبوتات و المرح الزائف.فضاء موقض للذكريات النائمة مند الطفولة ومجال لتسو يد بياضات المراهقة..لنتأمل لقاء شخوص القصة الأولى عند نفس النفق المسدود.يقول السارد في ص5:’’شاب سرقت الكأس منه شبابه،استحال إلى شبح قاتم يستعمر يوميا تلك الزاوية المظلمة أسفل الحانة –طالب الفلسفة-اكتفى بارتشاف جعة باردة قريبا منها،فهذا المشروب السحري بمقدوره أن يطفىء نيران الشهوة ويبعد عنه ألم الانهيار الفظيع والموت السريري الذي تغرق فيه الجامعة والمجتمع عموما..المعطي الذي جرب ’’الحريك’’أكثر من مرة،فهو مهووس بالضفة الأخرى،لقد جرب مختلف فنون الهجرة السرية،لكنه في كل مرة يكتشف أمره ويعود خائبا نحو قطران البلاد,,إن جل الشخوص تبدو على خلاف مع زمنها المنشطر .ويصرون على تفجير دواتهم من داخل الحانة المحيلة على طمأنينة زائفة ودفء كاذب ،مادام مرتادوها كائنات معرضة للمتابعة وتوقيع العقاب…وهذا يزيد جراحهم انفتاحا وعمقا وإيلاما بشكل دائم..وأعمقها الجراح التي أسندت لطالب الفلسفة/الرمز..والفلسفة هنا كنسق تأملي يسعف السياسي على تأسيس مجتمع حداتي .غير أنها في هذا السياق تأخذ عطلة مفتوحة من قلق السؤال وتنساق خلف اللذة فيخبو بريقها،لترمى صحبة العهر في المعتقل .إن هذه الكينونة الزاخرة بالضياع والألم تؤشر على المآل التراجيدي الذي وصلناه.مسار يغلب الغريزة على العقل والحاجة على المبدأ فيصير الحاضر أكتر تعفنا من الماضي ومؤشر على مستقبل أكتر سوءا.يقول السارد في ص8’’قريبا من سيارة الأجرة كانت سيارة الأمن’’الواشمة,,في انتظار الثلاثة الضابط يسأ ل الطالب عن ’’الكارني,,الذي نسيه أثناء صرف المنحة ’’طلع’’بهذه العبارة حسم الضابط الموقف.ياسمين تنظر باندهاش كبير لما يحدث،الأم هي الأخرى تستجيب لأمر الضابط اطلعي ابنت الفاعلة والتاركة ياسمين ما تزال مسمرة في مكانها تحت عمود نور فقد مصباحه،سيارة الأمن غادرت دون أن تأخذها مع الآخرين.بقيت وحيدة وسط شوارع المدينة النائمة برفقة القطط والكلاب الضالة.,, إن فعل الصعود’’طلع’’ الذي يصر عليه المخزن بمناسبة وبدونها ،يعيشها المجتمع بشكل معكوس .أقصد الهبوط الحاد في القيم والسلوك والمبادئ وكل نواح الحياة وهو هبوط يؤشر على انطفاء شرارة المشاركة الفاعلة في بناء الصالح العام.وما فقدان العمود لمصباحه إلا رمزا لما نرومه .إن التحول الممسوخ الذي مس محمود وسعيدة وطالب الفلسفة كمشاريع مثقفين يحيل على تراجع الوضع الاعتباري للأنتلجنسيا كقلة راشدة طالما راهنت على البعد الخلاق للمعرفة ودورها في المشاركة الايجابية في صنع الواقع .وفي ضل عطل هذه الرموز يصاب المجتمع باخصاء وعقم دائمين وان كان النقص يعد محركا أساسيا لتجاوز العطل فانه في هذا المساق يحيل البشر إلى كائنات ممسوخة :العقل عندهم مسير بأوامر الغريزة والضمير يتمتع بعطلة مفتوحة..وهي حالة خال سعيدة التي استضافته بحب طفولي فكان جزاؤها فقدان بكارتها.يقول السارد في ص47:’’اقترب منها محاولا تقبيلها لكنها صدته،ما كانت قبلة عائلية،ثار الخال وأمسك بها ،قطع الملابس وهتك العرض ،لم يشفع بكاؤها ولا توسلها عنده..,,إن تبعات هذا الفقدان الذي أصيبت به ’’سعيدة’’هو الذي تحكم في مصيرها حيث أضحت تمتهن الدعارة والسكر المفرط علهما يسعفان في محو الفاجعة دون جدوى..لتنضاف إلى الكائنات الليلية الهشة ..تحول مربك ومخز يشمل سعيدة وياسمين وسعاد هذه الأخيرة التي تحولت من إيمانها العميق بالحب إلى تقديس الجنس ..ولنا أن نتساءل هنا :هل يبرر طلاقها تعاطي العهر؟بمعنى هل يمكن أن نجعل من الصدفة مبدأ؟تماما كما حدث للشرطي الأكتع .أقصد هل ينبغي انتظار صدفة حادثة السير للقصاص من مصاصي دماء أبناء الشعب الكادح ؟وهل يكفي القصاص من بيادق الآلة المخزنية دون رموزا لفساد بالقمة ؟اننانطرح السؤال للتأمل رغم معرفتنا باختلال موازن القوى لصالح الخصم… 3-الخيبة وجراح الوطن: تتصف خيبة هذه الأضمومة بالشمولية والإحاطة .فالطالب الجامعي بعد التخرج يجد نفسه عرضة للعطالة ،والمقاوم ’’الحاج عمر’’يحرم من بطاقة الانتساب لجيش التحرير و’’سعيدة’’تفقد فارس أحلامها الذي فضل ’’نصرانية ’’تكبره بعقدين من الزمن …وحتى الدين تحسنت ضر وفهم المادية فبواسطة العهر والقوادة.ليصير الجميع كائنات ممسوخة تسير في منحدر بلا قرار ..يسعون لمجد خادع وهم يحملون الهزيمة بأعماقهم .يراوغون الجراح بالسكر والدعارة لكنهم سرعان ما يكتشفون تشوهاتهم في مرآة الليل.فهدا يكرر نفسه بدون انقطاع بحثا عن لذة مسروقة وتلك منعدمة الكرامة تصطنع حبا زائفا لتوفير لقمة عيش للأولاد.فيضيق الوطن الجريح بهده الأصناف..وطن مل من استنهاض الهمم فصارت الخيبة والتنكر للمبادئ الأصيلة هي العملة الرائجة ..يقول السارد في ص17:’’القلب يعتصر ألما على ضياع في زحمة المبادئ وخذلان الشهادة،وفي اللب شيء مما راج في ’’نادي الأسرة ’’من أسئلة شقية عن الوطن .فما الوطن يا حياة ؟ها ثقوب الوطن صارت أكتر إيلاما فمن يقدر على حياكتها..’’إن تجدر الخيبة في وجدان كائنات المجموعة يجعلها تقبل بأقل ما تستحق وتوهم نفسها بأنها تمارس مهام جليلة في حق الوطن الجريح حيث الزيف صار شعارا للمرحلة ..والمسئولون يوهمون المواطنين بصرف رواتب مستحقة ..والمواطن صاحب الشهادة العليا يوهم مسئوليه بأنه يؤدي عمله بتفان وهكذا إلى ما لانهاية ..والمتضرر الأكبر هو الوطن يقول السارد في ص23:’’بعيدا عن المعطي الذي ترك شهادته العليا في الفيزياء فانبرى يطهر المدينة من فضلاتها بعدما أهداه رئيس الجماعة ’’السلم واحد’’جزاء له على مشاركته الفاعلة في الحملة الانتخابية ’’انه زمن الضياع والتبذير الأخرق لجهود الشباب المؤهل علميا وهذا ما يجعل تخلفنا مضاعفا ويحسب على تاريخنا الحضاري البطيء أساسا حيث القيم تعيش غربة عن ذاتها بسبب تحول القبح لجمال والخطأ لصواب والكل يدين الكل وان كانت المسؤولية مشتركة وان بنسب متفاوتة جدا. فصار ت الأغلبية مستمرأة للرياء ومصرحة ب:’’ما جدوى الصدق والحقيقة إن كان الزيف هو ما يملأ الدنيا؟أنهم يكذبون علينا في كل لحظة،في الجرائد في الراديو والتلفزيون ،في الخطب والندوات والمحاضرات والانتخابات والإعلانات،ونحن أيضا نكذب عليهم بالتواطؤ والمسايرة والمباركة والمصاحبة والطاعة العمياء’’إن نزيف الوطن يصل مداه عند مقارنته بأوطان أروبا الغربية ،فيتضح التباين ويعمق من خيبة المواطن وجراح الوطن المفجوع في خيراتها و أبنائه الذين تقوى لديهم الإيمان بان النور يأتينا من الغرب رغم أن الشمس تشرق من الشرق لنتأمل هده القرينة النصية الدالة بعمق في ص21: ’’لابد من الهجرة نحو البلاد التي أخبره صديقه الشاعر محمد بلمو بأن العاطلين بها أسسوا منظمة تدعى’’ العطالة السعيدة’’يناضلون عبرها من أجل إقرار حق دستوري في العطالة سبحانك ربي آل الشمال يناضلون من أجل العطالة .وآل الجنوب ضاقت شوارعهم بالضائعين والمعتصمين والمضربين عن الطعام والكلام والراغبين في الاحتراق والموت في مقبرة المتوسط.’’
إن كتابة عارية ومعرية من هدا القبيل تروم رصد الزمن المغربي الضائع والكشف عن زمن الجزر والتراجع والعمل على تشخيص انهزامية الشخوص قصد جلو حجم الخسارة والسقوط،وقياس شساعة التخلف.ولهذا فالمجموعة تغيب عنها البطولة لأنها ترصد زمن انهزامي موسوم بحالة من العطل المستديم والتردي الموجع الشيء الذي جعل مجمل ملفوظات الشخوص خليط من اللوعة المرة والبوح الحارق بهول الخسارة ووشوك النهاية الفاجعة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























