مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

الكاتب و الباحث السوسيولوجي المغربي عبد الرحيم العطري لملحق الأثر الجزائري

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 25 أكتوبر 2007 الساعة: 18:06 م

الكاتب و الباحث السوسيولوجي المغربي عبد الرحيم العطري

لملحق الأثر الثقافي

 

أجرى الحوار : بشير مفتي

 

-              ما هي العوامل التي دفعتك للكتابة، لأن تكون ما أنت عليه الآن شغوفا بالحرف، مليئا بالأسئلة ومتعطشا للمعرفة؟

السفر في عوالم الحرف و السؤال هو ما يعطي للإنسان معناه المفترض ، فالكتابة أو الانكتاب شرط وجودي بالنسبة لي ، بالقلم و الحرف أحارب الانقراض و أصر على الانتماء لأزمنة و أمكنة شتى ، بالكتابة أعانق الألم الغائر في الأعماق ، أنثر بدورا من الأمل و أسير على درب صناعة الحياة ، بل و فهم كيمياء الحياة .

لقد جئت إلى دنيا الحرف و السؤال بقوة الأشياء ، منهجسا بواقع يرفض الارتفاع ، مسكونا بأحلام بحجم السماء ، جئت من الهامش أبحث عن حبة فهم تبعد عني عسر المعنى و غواية الهباء ، جربت الريشة لهزم عفونة الواقع بالألوان ، جربت الشعر لتأمل العالم من بحيرة الشعر و البهاء ، جربت الصمت السلبي حينا من الدهر ، و في الأخير جرفتني الكتابة نحو أسئلتها الكبرى ، لأصنع الحياة و لو في عز الألم و الضياع ، وجدتني أخيرا بين الحروف منصتا لتفاصيل الهامش ، جاسا لنبض المجتمع ، و معبرا عن سكونه و حركيته ، مسائلا لشروط إنتاجه و إعادة إنتاجه ، عبر الحكي حينا ، و من داخل العيادة السوسيولوجية  في أحايين كثيرة .

إن الواقع الذي نندلق معه طوعا و قسرا ، لا بد و أن يقيم فينا عوسجه و ياسمينه ، إننا لا نستطيع الفكاك منه ، سلبا أو إيجابا ، لأننا في النهاية مجرد كائنات ملتاثة تدمن التساؤل و التفكير ، و لو في صيغ بسيطة حد الابتذال و الهشاشة ، هكذا نحن منذ البدء ، نشرئب بأسئلتنا نحو المعرفة و الفهم ، لهذا ينفرض علينا في لحظة ما أن نختار ، أو ربما ينكتب علينا ، الطريق المناسب لقراءة الواقع و التفكير فيه و الاقتصاص منه أيضا ، لهذا وجدتني أختار الانكتاب مبكرا ، خصوصا و أن الوالد عليه الرحمة ، كان مدمن حرف بامتياز ، لقد كان يعمل بوزارة التربية و التعليم ، كان يهديني من حين لآخر كتبا عميقة المحتوى ، ما زلت أذكرها إلى الآن .و لعل هذا الإدمان المبكر على قراءة المتون العميقة ، و التشجيع المتواصل الذي لقيته من الوالد العزيز ، فضلا عن الأسئلة القصوى التي يطرحها الواقع ، كلها عوامل كانت وراء الهجرة نحو الحرف و السؤال ، و أقول الهجرة بالضبط ، لأن الكتابة إما أن تهاجر إليها أو تهجرك ، فخط الرجعة لا ينوجد في عوالم الحرف الملتزم .

بقي أن أشير إلى أنني أكتب لأقول بأعلى صوتي : لا للقتل الرخيص ، لا للألم الرابض فوق الصدور ، لا لمن يصنعون الموت ضدا في الحياة ، لا للقبح و الخبث و الضياع ، أكتب لأقول بملء القلب و العقل لا لاغتيال الأحلام و صناعة اليأس المعتق .

-              لقد نشرت مجموعة قصصية لاقت استحسان القراء بعنوان الليل العاري ما هي أجواء هذه المجموعة والأشياء التي اشتغلت عليها ولماذا القصة وليس الرواية؟

تعتبر مجموعة الليل العاري باكورة أعمالي القصصية ، فمنشوراتي السابقة كانت منفتحة على السؤال السوسيولوجي فقط ، و القصة القصيرة كانت و ما تزال بالنسبة لي مختبرا سريا أو حديقة سرية أتحرر فيها و بواسطتها من صرامة البحث السوسيولوجي و شروطه الموضوعية التي لا تقبل التفاوض ، إنني أكتب القصة منذ زمن بعيد، و لا أرغب في الانتهاء منها ، القصة قدري و اختياري في آن ، أجدني في القصة لا الرواية ، ثمة رابط نفسي عميق يأخذني نحو هذا الجنس الأدبي ، لهذا فقد كان ضروريا ، و إن كان اسمي قد ارتبط لزمن طويل بالصحافة و السؤال السوسيولوجي ، فقد كان ضروريا ، و بعد إلحاح ثلة من الأحبة ، أن أعلن للمشهد الثقافي المغربي و العربي عن انتصاري العميق لجنس القصة القصيرة و عن انتمائي الرمزي و المادي لجيل القصة القصيرة ، و عليه قمت بنشر مجموعة الليل العاري ، بعدما ظلت لسنوات سجينة ملفات الحاسوب ، و كانت قصصا من أجل ياسمين ، الطفلة التي تعانق ربيعها السادس ، و التي انفرض عليها أن ترافق أمها يوميا إلى حانة حقيرة ، لتمارس الاستجداء ، بينما تعرض الأم جسدها لمن يدفع أحسن ، و تسير نصوص المجموعة كلها في اتجاه اكتشاف عوالم و أعطاب رواد ذات الحانة ، فالمجموعة  تتوزع على نصوص عميقة تسائل " الاجتماعي " ، و تفكك منطق الحقول المجتمعية ، في تأكيد بالغ على أن الباحث السوسيولوجي لم يغادر القاص الذي يسكنني أثناء سرد أمامنا تفاصيل الهامش و اللا مفكر فيه و المسكوت عنه أيضا .

مجموعة الليل العاري تتوزع على أحد عشر نصا مفتوحا على احتمالات القراءة و التجنيس المتعدد ، أستهلها بحكاية ياسمين لأؤكد بعدها بأن  للحزن مواويل أخرى ، فتراجيديا الليل العاري و كرنفال المبادئ و حبل الكذب و صباح خريفي و مسيو طونيو و وداعا ولا تسألوا و لعنة الكف ثم خروج في منتهى الحكي.

.الليل العاري قصص متداخلة يوحدها الانتماء القسري لألم الانكسار و الانهزام ، للقحط الروحي و الضياع الفادح ، إنها قصص من أجل ياسمين ، من أجل الإنسان الذي مات في أعماقنا جميعا ، قصص تبكي زمنا عصيا على الفهم ، و في الآن ذاته تغرد لحياة جديرة بالحياة . و الواقع أن هذا النفس الواقعي الذي بصم هذه المجموعة ، هو الذي جعل القراء و النقاد يستقبلونها بمزيد من الارتياح ، و قد لاح ذلك بينا في حفلات التوقيع التي نظمت للاحتفاء بالليل العاري ، و كذا القراءات التي انصبت عليها كقراءة الأحبة محمد فري ، أحمد الكبيري ، محمد رمصيص، إدريس عبد النور ،و محمد البوزيدي، و كلها قراءات تنتصر لهذا المتن و تنوه به ، و هو ما يجعلني مدعوا في اشتغال قادم بحول الله على شحذ كل الإمكانيات لتقديم الأفضل الذي ينتظره القراء و النقاد .

- كيف تفسر من زاوية سوسيولوجية هوس الكتاب المغاربة بجنس القصة القصيرة؟ هل هي سهولته أم صعوبته التي يتحدونها؟

طبعا تعوزنا الأرقام و المؤشرات الدالة للحسم في هكذا سؤال ، فليس هناك ما يفيد واقعيا بأن الكتاب المغاربة أغلبهم من آل القصة ، و إن كانت الملاحظة العفوية تؤكد هذه الفرضية ، فإننا يمكن أن ندحضها بدالة واقعية أخرى متصلة بإمكانات النشر و التوزيع ، فالروايات في الغالب تتطلب إمكانيات مهمة لنشرها ، في حين لا تستوجب المجاميع القصصية نفس الإمكانيات ، و لهذا يفسر كيف أن وتيرة نشر الرواية تظل مثلا متواضعة جدا مقارنة مع نشر القصص ، من جهة ثانية فالقاص أو الشاعر يمكنه أن يعلن عن نفسه على صفحات الجرائد و المجلات و المواقع الإلكترونية بيسر ، في حين يجد الروائي صعوبة بالغة في نشر روايته و لو على حلقات ، لهذا نجد القاص و الشاعر أكثر حضورا في المشهد الثقافي من الروائي ، و هذا كله يقودنا إلى الاعتراف بأن المشهد الإبداعي مغربيا مفتوح على كل احتمالات الانكتاب ، فكل صنوف الإبداع برفقة الحرف و السؤال تؤكد انوجادها و تحافظ على ألقها بين باقي الألوان الإبداعية الأخرى .

و مع ذلك يمكن القول بأن ثمة انزياح إبداعي مغربي نحو مسافات الحكي و السرد عموما ، تماما كما هو الأمر بالنسبة لكل العرب ، فحتى الشعر في الزمن البعيد و إلى الآن ، يغمره النفس الحكائي بالرغم من كل الرمزية التي تبصمه . و هذا الانزياح السردي الذي ينكشف في إدمان القصة و الرواية أفقا إبداعيا ـ تعود دواعيه المؤسسة إلى آليات التطبيع الاجتماعي التي يتعرض لها الفرد في المجتمع العربي ، فمعايير التنشئة الاجتماعية تنبني في مختلف أبنيتها و مظاهرها على الحكي و ثقافة الشفاهي ، فالثقافة الشفوية تتأسس على الحكي و القص ، و القيل و القال ، و ما نفعله قصدا و عفوا في متاهاتنا القصصية هو القيل و القال .

لهذا فالارتكان إلى جنس القصة القصيرة ليس مبعثه الاستسهال أو الاستصعاب ، بل تبرره موضوعا أنماط التنشئة الاجتماعية التي تجنح نحو الحكائي و الشفاهي ، فال " كلنا " مهووسون ، ما بين المحيط و الخليج بالحكاية و القص اللذيذ .

- اختصاصك بشكل عام هو السوسيولوجيا ، لماذا اهتممت بهذا المجال؟

إن السوسيولوجيا معرفة شقية تتوجه بأسلحتها وأدواتها إلى المجتمع "لهزمه" معرفيا, وفضح كل ما يعتمل في دواخله, وعلى أكثر من صعيد, إنها مسكونة بقلق السؤال, ولهذا تبقى دائما متهمة بالشغب والفضول, لأنها لا تطمئن للجاهز.. وهذا كله.. يجعلها تعيش حالة الاستثناء.

فبسبب ما تفرزه من تساؤلات, وما تنتهي إليه من خلاصات تكشف عورة المجتمع وشروط إنتاج "الاجتماعي" بما في ذلك هياكل السلطة ومصالح مالكي وسائل الإنتاج والإكراه والقهر في المجتمع. وكذا حضور المقدس والطابو وما إلى ذلك من الأسئلة الكبرى. إنها بسبب ذلك كله تظل علما مطلوبا حيا أو ميتا « WANTED », ومنه يصير الدفاع عن استمرار الشريط السوسيولوجي وضمان نزاهته العلمية رهانا سوسيولوجيا يجب الانخراط فيه بلا هوادة.

هكذا علم بهذه المواصفات لا يمكن إلا أن يكون مجالي و انشغالي الأكيد ، فبعد معانقة متاعب الصحافة ، وجدتني أنشغل جدا بالسؤال السوسيولوجي لأتخصص فيه دراسيا و أغوص في نظرياته و اتجاهاته حد الامتلاء و الانهجاس ، لقد وجدت في المقاربة السوسيولوجية ، ما يفيد في تفسير الأنساق ، و ملاحقة الحركيات و التحولات ، لقد وجدت في هذا العلم الشقي مساحات ذكية للنقد و المساءلة و لممارسة الشغب أيضا ، ألم يقل بيير بورديو بأن علماء الاجتماع هم أشبه ما يكونون بمشاغبين يفسدون على الناس حفلاتهم التنكرية ؟ و ألن يقل المغربي  الراحل خطأ بول باسكون بأن عالم الاجتماع ، هو ذاك الذي ، و بالضرورة ، تأتي الفضيحة من جانبه ؟

لقد وجدت في السوسيولوجيا خير السبل لتعنيف السؤال و تفجير المساءلة ، و التفكر قويا في المسكوت عنه ، إنها معرفة استثنائية لا تكتفي باليقيني و الجاهز ، بل تسعى دوما إلى فهم عمق الظواهر في المعنى و المبنى.

 

-              ودرست صناعة النخبة في المغرب كيف حللت الوضع وهل تعتقد أن الأمر يمكن أن ينطبق على نخب المغرب العربي أم أن الأمر مختلف بحسب السياقات والأنظمة التي تسير البلد؟

كيف تستوي الطريق نحو القمة؟ ما أو من الذي يعبد ذات الطريق نحو قشدة المجتمع؟ وكيف يصير بالإمكان احتلال موقع ما ضمن خارطة الذين هم فوق؟ وكيف يكون الوصول ممكنا إلى فضاءات صنع القرار وحياكة اللعب؟و بدءا ما المقصود بالنخبة ؟ ما هي حدودها و امتداداتها في النسق السوسيوسياسي المغربي ؟ و ما الذي يحدد بالضرورة إمكانات الانخراط في النخبة أو الخروج منها ؟ و انتهاء – و قبل البدء- هل نتوفر على نخبة مغربية فاعلة تخطت مرحلة الخصاء و اللافعل ؟

إنها التساؤلات الموجبة للبحث في إمكانات صناعة النخبة بالمغرب ، و لقد كان من الضروري أن نفجر مثل هذه التساؤلات ونحن نحاول البحث عن "حبة فهم" لاستيعاب شروط إنتاج وإعادة إنتاج النخبة في هذا "الهنا"، فالطريق المنتهية بصاحبها وسالكها إلى قشدة المجتمع ودوائر صنع القرار، لا تكون دوما في متناول الجميع، ولا تكون معبدة بالضبط في وجه " الذين هم تحت"  ممن لا يملكون وسائل الإنتاج والإكراه في النسق المجتمعي. فثمة أفراد بعينهم هم الذين يستطيعون حسم النهاية لصالحهم دائما، والصدفة هنا تظل محدودة الأثر.

و هذه النتيجة تكاد تنطبق على كافة الأنظمة العربية و ما الاختلافات التي قد تظهر من نسق إلى آخر إلا اختلافات في الدرجة لا في النوع ، ما دامت هذه الأنظمة في مجملها تكاد تنضبط لنفس خلفيات الانبناء و الحضور ، لهذا يمكن القول بأن النتائج التي اهتدى إليها هذا البحث يمكن الاستعانة بها في قراءة الأنساق السياسية المغاربية و العربية عموما . و قد بدا هذا واضحا من خلال التحليلات التي صادفها كتاب صناعة النخبة في عدد من الدول العربية، و التي أكد أصحابها أن آليات إنتاج و إعادة إنتاج النخب ببلدانهم لا تختلف كثيرا عما انتهى إليه الكتاب.

- الثقافة المغاربية عاشت لحظات ازدهار فكري في حقبة معينة ما هي أسباب ظهور نخبة نوعية بداخل المغرب وليس في الخارج مثلا لأنه من عادة العقول النيرة أن تظهر في العالم العربي في الخارج لا بالداخل؟

من المؤكد أن الإبداع الأصيل لا تحاصره الأزمنة و الأمكنة ، إنه يعلن عن نفسه في مختلف الأبهاء و الأنواء ، و ثنائية الداخل و الخارج ، الأنا و الآخر ، قد لا تجد كثيرا من السند في تفسير النجاحات و الإخفاقات التي قد تصادف النخب الإبداعية مغربيا ، لأن ما يحسم الشيوع و الانتشار ، لا يكون منضبطا ، على الدوام لنفس خلفية الإبداعية و التميز ، فثمة أسماء محلية الصنع فاقت شهرتها الأطباق ، و لنا في تجربة الراحل محمد شكري خير مثال ، مثلما هناك أسماء أخرى صنعت في الخارج لاعتبارات مصالحية بالأساس .

لكن يمكن القول بوثوق عال بأن أغلب الأسماء التي تلألأت في سماء المشهد الإبداعي المغربي هي مغربية البدء و الامتداد ، من تربة المغرب العميق صاغت رؤاها و توجهاتها ، و بآلام و آمال الهامش عجنت مقارباتها و اختياراتها ، فكان الألق مستقبلها و منتهاها .

كثيرة هي الأسماء المغربية التي تعد مرجعا أساسيا في كثير من المعارف و العلوم و الإبداعات الأدبية ، و السر في ذلك كله ، هو ما يتيحه هذا المغرب باتساقه و اختلاله ، بتنوعه و تشابهه ، بانكساراته و نجاحاته ، برهاناته و احتمالاته ، بكل ما يتيحه من فرص للتداول و التفكير و الإبداع ، و لهذا ففرضية التميز القادم من الخارج لا تستقيم مع المبدعين المغاربة ، لأنهم يدشنون بهاءهم محليا ، كما تشهد بذلك الأحداث و المتواليات الزمنية .

- هل تعتقد أن المغرب الثقافي مغاير للمشرق أم أن هناك صراع على مركزية معينة مشروعة بطبيعة الحال؟ ولماذا بقي المشرق بالرغم من جموده الفكري إلى حد ما مركزا متمركزا على نفسه لحد الساعة؟

بإمعان النظر في المنجز الإبداعي للمغرب الثقافي ، و اعتبارا لقوة و نوعية الأسئلة المثارة آنا فيه ، يمكن القول بأن الريادة المشرقية على صعيد الإبداع و التنوير الفكري ، لم تعد بنفس الحجم الذي كان معروفا في سنوات فائتة ، فالرؤى و النقاشات و المقاربات الفكرية و الإبداعية التي يتم تأصيلها آنا في المغرب الثقافي تبدو متقدمة نوعا و درجة عما يتم تداوله في دنيا المشرق ، و اعتقد أن ما يحدث اليوم من انتقال على مستوى الريادة و المركزية ، أمر عاد و مندرج في منطق التحولات العادية و الاعتيادية ، فالفعل الثقافي بحكم طبيعته ، لا يمكن التحكم فيه دوما ، و لا يمكن امتلاك مفاتيحه و تقرير مصائره ، بل السياق هو الذي يؤطره و يصنع إمكانات انبنائه .

إن المقاربة الكيفية و لا أقول الكمية للتداول الفكري و الثقافي بين المغرب و المشرق تؤكد أن الكفة مرجحة في اتجاه الدينامية الثقافية المغاربية ، و هذا يبدو طبيعيا بالنظر إلى مضمون الرؤى التي أصلها المفكرون و المبدعون القادمون من المغرب العربي ، أمثال محمد عابد الجابري ، و عبد الله العروي و طه عبد الرحمن و محمد أركون و حسونة المصباحي و عمر التير و غيرهم من المبدعين في عوالم الأدب .

لكن بالرغم من كل هذا التمايز بين الشرق و الغرب ، فالأمر في النهاية يحيل على حركية ثقافية تعتمل ما بين المحيط و الخليج ، و هذا هو الأهم في اعتقادي .

- هناك من يتهم الثقافة المغاربية في الإبداع والنقد أنها شكلانية مفرطة، وتابعة للتيارات الفرنسية وأنها لم تأت بجديد ولكن فتحت ثغرة في الثقافة الأنجلوساكسونية التي كان المشرق يحتكرها ، ما رأيك؟

التراشق بالتهم هو ما نجيده عربيا ، إننا ننفق الوقت الطويل في تبادل اتهامات رخيصة ، و نهدر بالتالي الكثير من الطاقات في نقاشات لا طائل منها ، لقد سمعت كثيرا مثل هذه الاتهامات ، فضلا عن أخرى موغلة في الصفاقة و قلة الأدب ، و لكن أعتقد جازما بأن كل إبداع هو ابن شرعي لبيئته ، بالرغم من كل عوامل التلاقح الفكري و التثاقف الطبيعي الذي يوجبه الانتماء القسري لنفس القرية الماكلوهانية .

الثقافة المغاربية لها قوتها الرمزية و المادية و لها شخصيتها المنفردة و المتفردة ، و لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نتهمها بالتبعية الفرانكوفونية ،أي نعم لقد عرفت الدول المغاربية أشكالا متعددة من الاستعمار – الإسباني ، الفرنسي ،الإيطالي- لكنها بالرغم من ذلك كله ظلت متمسكة بانتمائها العربي ، بالرغم من الاختراقات و التمزقات التي يخلفها الاستعمار .

من جهة ثانية ففي دنيا الحرف و السؤال ، تكون التفكير بمنطق الحدود الجغرافية فيه تعسف و اختزال كبيرين ، و التبادل و التلاقح الثقافي أمر عاد و طبيعي في مسلكيات أي فعل ثقافي جاد و نوعي ، و العيب كل العيب ، هو التقوقع و الشوفينية الرخيصة ، ففي المغرب لا يبدو الأمر مختزلا في التبعية و الانقياد السلس لثقافة أخرى ، بل الأمر متعلق برغبة جامحة في الارتواء المعرفي و الإفادة من تجارب الآخر .

لنكن أكثر صراحة ، كيف السبيل اليوم إلى مواكبة التطورات العلمية في العلوم الحقة و العلوم الإنسانية و الإبداعات الأخرى بدون الرجوع إلى ما انتهى إليه العقل الفرنكوفوني و الانكلوساكسوني ، لنأخذ مثالا بسيطا و هو كلمة فن و لنقم بالبحث عنها في محرك البحث غوغل ، لو بحثنا بالعربية سوف نجد 5 مليون نتيجة ، أما بالفرنسية و الإنجليزية فالبحث سيفضي بنا إلى زهاء مليار و 950 مليون نتيجة بحث .

إن التلاقح و التبادل الثقافي أمر لا مفر منه في عالم تتحطم فيه الحدود يوما بعد آخر ، و الثقافة المغاربية وفقا لهذا الطرح تبدو أكثر انفتاحا و استفادة من تجارب الآخر ، لقد استوعبت مكونات هذه الثقافة الدرس مبكرا ، لهذا نجدها اليوم تكسب قصب السبق ، في اختبار و تجريب كثير من الأفكار و الاختيارات الفكرية و الإبداعية .

- هل لا تزال السوسيولوجيا قادرة على إجابتنا على قضايا تخلفنا الديمقراطي مثلا، تبعيات أنظمتنا، إشكالاتنا الداخلية كالهوية والدين، باختصار هل يمكن أن نثق في السوسيولوجيا اليوم؟

إن النتائج العلمية التي اهتدت إليها السوسيولوجيا, والتي ساهمت في فهم وتفسير الكثير من آليات الإنتاج المجتمعي, ساعدت السوسيولوجيا على تجذير موقعها في شجرة العلوم عموما, فالاجتهادات السوسيولوجية, والتي لامست مختلف مناحي الحياة وراهنت بقوة على مقاربة شروط إنتاج "الاجتماعي", جعلت النقاش التاريخي حول "علمية" السوسيولوجيا يدخل في خانة "الترف الفكري". ذلك أن علم الاجتماع اليوم وبفضل فتوحاته وقراءاته المختلفة لتضاريس الفعل البشري في جانبه المؤسساتي أيضا, أثبت جدارته وجدواه في مشهدنا العام.

فالسوسيولوجيا كما أفهمها هي العلم الذي يتصدى للحقول الاجتماعية ويبحث في شروط إنتاج وإعادة إنتاج "الاجتماعي" في سياقات معينة. وهذا التصدي لن يكون فعالا و"علميا" إلا إذا اقترن بالالتزام وقطع مطلقا مع المداهنة والمهادنة, فالسوسيولوجيا وكما يقول آلان تورين لم تعد سجينة الحفاظ على النظام والاتزان بل تحولت إلى أداة ثورية ضد الحجز والتهميش, ولهذا يجب أن تكون أداة لتحرير الفاعل الإنساني.
لقد غدت
السوسيولوجيا حاجة معرفية ومجتمعية قصوى, تتأكد وتتقوى مع تعقد وتشعب الظواهر الاجتماعية. فما يفرزه الواقع الاجتماعي من حالات وظواهر يفترض وجود السؤال السوسيولوجي من أجل الفهم والاحتواء، إذن فالسوسيولوجيا كعلم يتحدد مسعاه المعرفي في قراءة وتحليل التضاريس المجتمعية صارت تتبوأ مكانة رفيعة وتمثل حاجة ملحة تحركها دوافع علمية وعملية، تتجلى أولاها في توسيع دوائر العلم والمعرفة حول المجتمع وظواهره, وتبرز ثانيها في نتائجها العلمية التي تفيد في تخطيط السياسات الوطنية التنموية وتجاوز حالات التخلف بإصاخة السمع لصوت السوسيولوجيا، وهذا كله يفرض الدفاع عن الحضور السوسيولوجي وبالضبط عن الموقف السوسيولوجي.فالحاجة إلى السوسيولوجيا ما زالت ملحة ، و المقاربة السوسيولوجية ما تكتنز الجواب المحتمل على كل إشكالاتنا التنموية ، فقط ينبغي أن نصيخ السمع جيدا لصوت علم الاجتماع ، و أن نعتمد عليه بقوة في التخطيط و البناء .

-              آخر سؤال ما هي مشاريعك الحالية في الإبداع والبحث؟ و ما هي الأسماء التي ترى أن لها مستقبل واعد في الأدب المغربي الراهن؟

منشغل اللحظة باستكمال فصول بعض الأبحاث و الدراسات السوسيولوجية لفائدة بعض المؤسسات و الهيئات اتصالا بالمرأة القروية و الطفولة و الشباب و الجنوح ، و هي الأبحاث التي تطلبت مني التنقل خلال الصيف إلى كثير من مدن و قرى المغرب العميق ، كما أنني بصدد وضع اللمسات الأخيرة على كتاب صدر إلكترونيا في وقت سابق و من المنتظر أن يصدر ورقيا ، و هو كتاب عن المؤسسة العقابية بالمغرب ، أما عن حديقتي الحميمية التي أواصل من خلالها القص اللذيذ ، فما زلت أسرق نفسي من نفسي لأحكي عن شخوص المجموعة القادمة ، الذين يوحدهم الانتماء إلى وادي السيليكون ، فالقصة القصيرة متنفس من صرامة البحث السوسيولوجي و شروطه الموضوعية القاسية ، الأمر أشبه ما يكون بمحاولة لأخذ نفس عميق ، بعد طول تفكير و إعمال للنقد و الملاحظة ، و التقاط تفاصيل التفاصيل ، خلال مسارات البحث و الدرس العلمي للظواهر و الأحداث التي يصفعنا بها الواقع يوميا .

أما بخصوص الأسماء التي أتوقع أن يكون لها شأن عظيم في المشهد الإبداعي المغربي ، فكثيرة و لله الحمد ، و يتعذر علي أن أسردها جميعا ، فالمشهد الإبداعي المغربي يعرف آنا حركية بهية تشي بكثير من التميز و الشموخ ، و ما عليها إلا أن تواصل الألق و تدمن الحرف و السؤال ، بعيدا عن كل أعطاب التعصب و الشللية الضيقة و الطاووسية الفارغة ، فالدرب في دنيا الحرف طويل ، و لا يصمد فيه إلا من هاجر إلى الكتابة حبا و انهجاسا ، دون أن يكون من لاعقي الأكتاف و الأحذية أو من اللاهثين وراء الشهرة المزيفة .

الأسماء كما قلت يصعب حصرها في هذا المقام ، و سيكون لها القول الفيصل في القادم من الأيام ، ليس فقط على مستوى المغرب ، بل على الصعيد العربي أيضا ، و إن الصبح لناظره لقريب.

و في الختام لا يسعني إلا أن أتوجه إليك أستاذ بشير مفتي بخالص الشكر و التقدير على هذا اللقاء المائز ، و الشكر العميق أيضا لكل صحفيي و قراء ملحق الأثر الثقافي، و دام لكم جميعا بهاء الحرف و عمق السؤال .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين