مدخل الى علم السياسة
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 19 ديسمبر 2007 الساعة: 21:01 م
مدخل الى علم السياسة
عن موقع مستقبليات
يعتبر كتاب " الامير " لماكيافيلي مدخلا الى علم السياسة الحديث . فقد طرح ماكيافيلي اشكالية السلطة باسلوب تميز بالواقعية الصارمة و بتحديد فظ و صارخ للحاجات . لكن ذلك لا ينفي تأثر هذا المؤلف بالارسطوطاليسية التي وضعت السياسة في قمة هرم العلوم التطبيقية لتدرج الاقتصاد و السلوك الشخصي ( علم النفس و التربية ) كتوابع لها ادنى منها اهمية . فقد اهتم ارسطو بالبحث عن مواصفات الحكومة الصالحة التي تؤمن الحياة الصالحة للمواطنين . في حين تمرد ماكيافيلي على هذه الاولوية و ابدلها بهدف اعتبره في قمة الاولويات و هو : " تأمين الحكم القوي و الفعال لايطاليا موحدة و غير كهنوتية " من هنا تركيزه على " الامير " فهو الشخص الذي يجب التعرف الى اغواره و العمل على تثقيفه و توسيع مداركه لتدعيم سلطته . بعد ذلك يمكن للسياسة ان تكون فن اضفاء السعادة على الاتباع اكثر مما هي مجرد الحصول على طاعتهم . لكن السلطة قد لا تجد دوما القدرة على كسب الطاعة عبر اعطاء السعادة و ذلك لتعلق الامر بالناس و باهوائهم و بالعوامل المؤثرة فيهم ايحائيا . و عندها فان الامير يلجأ للقوة . و لا يخفي المؤلف تعلق مسألة استخدام القوة بشخصية الامير … و هكذا فان ماكيافيلي يقدم لنا في هذا الكتاب تأسيسا لعلم السياسة الحديث و يضمنه جرعة كبيرة من العلوم النفسية و التربوية . بل انه يدعو لاستخدامها في دعم الامير الطاغية . الذي يستبيح طغيانه في سبيل هدف اسمى هو جمع شتات ايطاليا المنقسمة الى دول – مدن مستقلة في مواجهة موجة من الحكومات الملكية العظيمة و في مقدمتها فرنسا . من هنا رأى ماكيافيلي حاجة ايطاليا الى نبي مسلح ( الامير ) كي يوحدها في مواجهة الممالك الكبرى المحيطة بها و المهددة لها . و هو رأى ان للجمهور ( الشعب ) طبيعة متقبلة بحيث يسهل اقناعه ببعض الامور لكن استمرارية هذه القناعة صعبة بسبب عدم ثبات ميول الجمهور . و الامير الجيد عليه انيحفظ هذه القناعة خصوصا ان هو اراد الاصلاح.
وذلك لا يتأتى له اذا لم يكن مسلكا و قادرا على استخدام و قادرا على استخدام القوة عند الحاجة و هكذا كان كل من موسى و قورش و تيزيس و رومالاوس – يقول ماكيافيلي .لكن كتاب الامير كان مختصرا و يعرض لافكاره بسرعة دون ان يؤثر هذا الايجاز في العمق الفكري للكتاب . الا ان ظهور العلوم المتفرعة عن علم السياسة التقليدي من اقتصاد و اجتماع و علم نفس و تربية و احصاء و معلومات … الخ و تطور هذه العلوم كان من شأنه ان يحول هذا " الكتيب " الى كتاب وصفات سحرية للامراء المعاصرين لهذا التطور . بل ان بعض الامراء المعاصرين لا يحصرون اهتمامهم بتوحيد بلادهم تحت سلطتهم ، مستبدلين التسلط و الطغيان السياسي – الاستعماري بالتسلط الاقتصادي و الثقافي و الفكري على الصعيد العالمي . حتى بلغ طموح الامير المعاصر درجة " النظام العالمي " بما يتضمنه هذا الطموح من آحادية و من تحديات للفردية . هذه الفردية التي لم تعد متأثرة بمكبوتات السلطة الالهية للملك او لرجال الدين مما اتاح لها فرصة ادعاء الامارة الخفية . و من هؤلاء الامراء المستترين نذكر اباطرة المخدرات و مضاربي البورصات و رؤوس الجريمة المنظمة و المسيطرين على الشركات العملاقة و الرساميل الضخمة و غيرها من اشكال الفردية التي تهدد العولمة ( الامارة الماكيافيلية العالمية ) بصورة جدية ( انظر سيكولوجية البورصة ) .
و على اية حال فان مفاهيم علم السياسة لم تقف عند حدود الامير بل هي تخطته عبر وقائع تاريخية و جغرافية حيث خارطة العالم في تغيير مستمر يستتبع معه تبدلات تطال كافة الصعد الانسانية و المعيشية . فهل لنا ان نقدم بعد كل ذلك تعريفا للسياسة ؟
علم السياسة ( politologie ) يطرح اليوم على انه المعرفة الوصفية و التحليلية و التبصيرية للدولة و للظواهر المتعلقة بها . و هذه المعرفة تحتاج للدعم بكميات هائلة من المعلومات . لذلك كان التسابق العالمي في مجال المعلوماتية ( informatique )
حيث جرى التسابق , و يستمر ، على انتاج المعلومة و على تصنيعها و على سرعة نقلها و ايصالها للهدف و على توليد معلومات جديدة ( المستقبليات بشكل خاص ) .
حتى طرحت اليوم فرضيات تقول ان من يملك المعلومات سيملك السلطة في القرن المقبل .
و حاجة علم السياسة الماسة الى المعلومات هي وراء تطور الفروع التي كانت ملحقة به اساسا . فهو قد سمح لها بانتاج المعلومات و هو لا يزال يجاهد كي يحتكر تصنيع و توليد هذه المعلومات . في حين ينتج الاخرون معلومات غير مصنعة ( اي خام ) .
يصر الباحثون العاملون في اليونسكو على اعتبار علم السياسة علما قئما بذاته . رافضين اعتباره بمنزلة الفن او المهارة او الموهبة . و على هذا الاساس انطلق هؤلاء الباحثون من الوجود الموضوعي – الواقعي لهذا العلم كي يحددوا ميادينه . متجنبين بذلك الخوض في جدلية الاعتراف به و عدم استكماله لقواعد هذا الاعتراف . و لقد حدد هؤلاء ميادين علم السياسة على النحو التالي :
أ- النظريات السياسية :
1- النظرية السياسية .
2- تاريخ الافكار
ب- المؤسسات السياسية :
1- الدستور
2- الحقوق المركزية .
3- الحقوق الاقليمية و المحلية .
4- الادارة العامة .
5- الوظائف الاقتصادية و الاجتماعية للحكومة .
6- المؤسسات السياسية المقارنة .
ج- الاحزاب و الكتل و الرأي العام .
1- الاحزاب السياسية .
2- الكتل و التجمعات .
3- مساهمة المواطن في الحكم و في الادارة .
4- الرأي العام .
د- العلاقات الدولية :
1- السياسة الدولية
2- المنظمات الدولية .
3- القانون الدولي .
أما في الجامعات فان تدريس السياسة يعتمد لائحة تصنيفية قوامها :
1- تاريخ الآراء السياسية .
2- المؤسسات السياسية .
3- سوسيولوجيا السياسة .
الولادة الحديثة لعلم السياسة بدأت مطلع الخمسينيات عقب استشعار الحاجة له بعد الحرب العالمية الثانية . ما دفع المؤسسات الدولية ( الناشئة كنتيجة لهذه الحرب ) ، مثل اليونيسكو , على تشجيع نموه و تطوره . حتى ان اول تحقيق لليونسكو في ميدان العلوم الاجتماعية تناول موضوع السياسة و نجم عنه مجلد متعدد المؤلفين تحت عنوان " علم السياسة المعاصر " كما رعت اليونسكو ولادة " الجمعية الدولية لعلم السياسة " التي عقدت مؤتمرها الدولي الاول في زوريخ العام 1949 ثم توالت مؤتمرها بمعدل مؤتمر كل ثلاث سنوات . و توالت بعد ذلك الجمعيات و المجلات المحلية و العالمية المتخصصة في مجال السياسة .
و ترافقت هذه التحركات البحثية مع تطورات اكاديمية فظهرت المعاهد و المؤسسات الجامعية المعنية بتدريس العلوم السياسية لغاية درجة الدكتوراه في المجال .
وفق المفهوم التقليدي لعلم السياسة يكون علم الاجتماع تابعا للسياسة كفن من فنون تنظيم العائلات و ترتيب و تحديد اطر علاقاتها في ما بينها وفق الانظمة السياسية للحاضرة ( المدينة – الدولة ) . لكن مبادئ عالم الاجتماع اوغست كونت جاءت لتهدد هذا التفوق . بل ان السوسيولوجيا ( علم الاجتماع ) بدا و كأنه يحاول ازاحة السياسة و الحلول مكانها كعلم بنيوي قادر على تحليل الروح الحقيقية المرتبط بالشعور الاجتماعي العام . فقد دعا كون الى ازاحة بؤرة الاهتمام من الحاضرة او الدولة الى البشرية التي عرفها كونت على انها مجموعة المخلوقات البشرية الشابقة و اللاحقة و الحالية . كما يذكر كونت بالاتصال عبر الاجيال حيث يرى ان عدد الاموات ( الذين لا يزالون يمارسون تأثيرهم و كأنهم احياء ) في ازدياد مستمر و هنا يصطدم كونت بحاجز الدين فيحله مكان الدراسة العلمية للبشرية . و كأنه يتكئ على الدين ليواجه المفهوم التقليدي لعلم السياسة . اما دور كهايم و تلامذته فقد رأوا في السوسيولوجيا تجسيدا لعلوم المجتمع و منها السياسة التي يمكن الحاقها بالسوسيولوجيا .
و لقد وصل بعض السوسيولوجيين الى حدود اعتبار المجتمع كائنا له حياته و تاريخه و ضميره و مصالحه . بما يحول السوسيولوجيا باتجاه البحث في الظواهر الانسانية . و من هنا نشأة علم النفس الاجتماعي و علم نفس الجماعات ظهور مبادئ اللاوعي الجماعي و الشخصية الاممية الممهدة لظهور علم النفس السياسي .
ترتبط السياسة بالسيكولوجيا عبر علاقة عضوية تعود الى البدايات الاولى للفكر الانساني . اي الى ما قبل تشكل المفاهيم النظرية لاي منهما . و بالعودة الى ارسطو نجده يصنف السيوكولوجيا و السياسة و الاقتصاد في اطار العلوم التطبيقية . معرفا الاخلاق على انها علم دراسة السلوك الشخصي ، و الاقتصاد على أنه علم تدبير معيشة العائلة و السياسة على انها علم تدبير المدينة ( الدولة ) . لكن الطابع العضوي لهذه العلاقة يعود عمليا الى حاجة السياسة الماسة لاية وسيلة تسهل الاتصال الذي يحتاج بدوره الى اية معلومة تساهم في اكمال فعاليته و تدعيمها .
وكنا قد أشرنا إلى أن البدايات الحديثة لعلم السياسة تعود إلى مطلع الخمسينيات وهي إقترنت ببدايات علم النفس السياسي. فقد نشرت منذ مطلع هذا القرن العديد من البحوث النفسية –السياسية. التي بدأها فرويد بعودة إلى ما قبل الحضارة البشرية لينتقل بعدها إلى دراسة الأساطير وتحديدا مناقشة الأساطير اليهودية ومسألة التوحيد في كتابه "موسى والتوحيد"ليدخل بعدها مباشرة إلى السياسة في مقالته "أفكار لأزمنة الحرب والموت".ثم كانت دراسات يونغ الشهيرة حول الأساطير واللاوعي الجماعي وعلاقتهما باللاوعي الفردي. وبعدها أتت محاولة إتباع فرويد والمنشقين عنه للتوفيق بين التحليل النفسي والسياسة والنظرية الماركسية خصوصا. كما تجدر الإشارة إلى الكتاب الذي نشره غراهام والاس في العام 1921 تحت عنوان " الطبيعة الإنسانية في ميدان السياسة".
لكن البحث العلمي الحقيقي في ميدان السيكولوجيا السياسة بدأ في الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية. خين تدعمت هذه البحوث بهجرة مكثفة لعلماء االنفس الأوروبيين الهاربين إلى أميركا من الحرب. فبدأت هذه البحوث من منطلقات اتنية (عرقية) وسخرت هذه البحوث لدراسة اللاوعي الجماعي والشخصيات الأممية لأصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها. في محاولة لتسخير سيكولوجية الرأي العام في الإتجاه السياسي المناسب. وهكذا بحيث يمكن إعتبار ولادة السياسة واليكولوجيا السياسية في مطلع الخمسينيات ولادة توأمية. لكن هذه الفترة وتحديدا العام 1952 سجلت ترسيخ العلوم النفسية كعلم له منهجيته الطبية الصارمة. إذ شهد هذا العام ظهور دواء الكلوربرومازين (دواء معقل) الذي كان مقدمة لإرساء الطب النفسي كأحد فروع الإختصاصات الطبية مما أذكى الصراع بين هذا الفرع المستجد ( الذي وجد لنفسه التطبيفات في الميادين السياسية والعسكرية والحضارية….الخ) وبين بقية الفروع المعنية بهذه الميادين. بل إن الطب النفسي بدا وكأنه يحاول وضع النظم الأخلاقية لهذه الفروع وخصوصا السياسية منها. إذ يرى الطب التفسي ضرورة الإفادة من معارفه( وضرورة مساعدة بقية الفروع له) لكي يحقق الضوابط الأخلاقية التالية:
1- إن أية أبحاث تعمل على إحداث تغييرات في الإنسان (مثل التربية العبقرية وأبحاث الهندسة الوراثية والإستنساخ والجراحة الدماغية….الخ). ويجب أن تكون خاضعة لسياسة إجتماعية صارمة تهتم بتوجيه هذه الأبحاث لتحسين شروط معيشة وسعادة الإنسان.
2- أن مثل هذه الأبحاث يجب أن يمنع توجيهها بإتجاه تحقيق تفوق أفراد أو جماعات أو شعوب على حساب غيرها من البشر.
3- يجب النظر إلى جميع محاولات (تحسين) السلوك الإنساني على أنها إعتداء على حرية الشخص. بإستثناء الحالات التي تتم فيها هذه المحاولات بطلب من الشخص نفسه لإستشعاره الحاجة إليها. على أن تدعم الآراء العلمية-الموضوعية هذا الإستشعار.
4- إن "اللاانسنة" المتمثل بإستبدال أعضاء بشرية هامة بأعضاء حيوانية هي مسألة تطرح إشكاليات أخلاقية خطيرة.
5- أن الرغبة الشخصية بالإستفادة من تقنيات معينة لإستغلالها لتحقيق أهداف شخصية من شأنها أن تنسف قواعد السياسة الإجتماعية وأخلاقياتها. الأمر الذي يقتضي التريث في تشريعها لقياس مدى قدرة هذه السياسة على إستيعاب التعديلات. مثال على ذلك أن الدعوة العالمية للحد من زيادة السكان (ومعها دعوة الشعوب لا يتجاوز متوسط أعمارها الأربعين عاما للحد من التكاثر) تصطدم بالرغبات الشخصية في الإنجاب بإستخدام تقنيات طفل الأنبوب أو الإستنساخ أو غيرها.
6- إن أية محاولة لتعديل الشخصية يجب أن تخضع لتحري دوافع هذه المحاولة سواء من قبل شخص أو من قبل الإختصاصي الذي يتولى عملية التعديل.
7- إن تطور تقنية الإتصال (ومعها التجسس على الأفراد) يؤمن مراقبة دقيقة لسلوك الأشخاص مما يزيد من إحتمالات إساءة الإستغلال السياسي لهذه المراقبة ( خصوصا بعد أن نعلم أن دولا نامية عديدة تخضع بشكل جماعي لهذا النوع من المراقبةّ!).
8- أن موضوع ولادة بدون رحم ومعها موضوع الإستنساخ هي مواضيع تلامس حساسيات تحديد الإنتماء العائلي. الأمر الذي يهدد مفاهيم البنية العائلية في المجتمع البشري. وهو تهديد يستحق الدراسة والمناقشة المعمقة.
9- إن محاولات زيادة الذكاء السكاني (نسبة 20%) أو مايعرف بمحاولات إنتاج جيل من العباقرة , وأيضا محاولات زيادة متوسط أعمار البشر بحوالي عشرين بالمئة إضافية , هي محاولات محفوفة بمخاطر الإحتكار الذي يؤدي إلى التفرقة والتمييز العنصريين( العلميين) مما يجعل تكاليف هذه الأبحاث الأخلاقية خارج إطار قدرة البشرية على تحملها. فهي تشجع فرز البشر إلى أذكياء وأغبياء بكا يعني ولادة نوع جديد من الأسباب الممهدة لإنتهاك حقوق الإنسان.
10- ترتبط كرامة الإنسان بقاعدة ذهبية تقول: إن البشر يكونون أكثر فعالية وعطاء(أي أكثر إنسانية) عندما نعاملهم كأحرار مسؤولين متمتعين بإستقلاليتهم الذاتية وبفرادتهم.
11- إن مسألة الحفاظ على التنوع الإنساني ( الجيني والثقافي ) هي مسألة حيوية –محورية. ومحاولة إنتاج مخلوقات مثالية جينيا ( أو ثقافيا عن طريق العولمة) هي محاولة تحرم الإنسانية من هذا التنوع.
12- يجب أن تبقى العائلة الواحدة الرئيسة لتكاثر البشر ويجب الإصرار على عدم إستبدالها بأي من الوحدات المقترحة. وحول حبة الرمل هذ(أي العائلة) أي تطور اللؤلؤة التي تشكل التنوع الثقافي الإنساني. الذي لم تستطع الإقتراحات المطروحة لغاية اليوم أن تأي ببديل له.
وبهذا تبدو العلوم النفسية , الطب النفسي خصوصا , وكأنها خط الدفاع الضابط للأخلاقيات. لكن هذا الضابط لا يشكل سوى قمة جبل الجليد. فمن ناحية يقع الطب النفسي ومعه العلوم النفسية والإنسانية كافة تحت تأثير علوم أخرى مثل الإقتصاد والإتصال والإحصاء. وهذا الأخير بات قادرا على فبركة النتائج بأي إتجاه كان , وباتت الإحصاءات لعبة بدون قواعد( أنظر فصل العرب والعولمة في هذا الكتاب).
ومن ناحية أخرى فقط وقعت العلوم النفسية في أسر الفكر السياسي. فعلاقة هذه العلوم بالفلسفة علاقة قديمة وعضوية ومتبادلة. فلو راجعنا التصنيفات المقترحة للأمراض النفسية لوجدنا أنها متأثرة لدرجة التوحد بالفكر السياسي السائد. فالتصنيف الأمريكي يعتمد المبادئ البراغماتية والظواهرية من خلال تحديده للتشخيص من خلال العوارض. حتى إعتبر بعض المؤلفين يأن التصنيف الأمريكي هو حصان طراودة الذي يحاول الفكر الأمريكي النفاذ من خلاله إلى عقول الأطباء النفسيين حول العالم. فإذا ما أضفنا الوقائع المتوافرة حول أساءات إستخدام الطب النفسي فإنا نجد أن الفن المسمى بالسياسة قد إمتلك القدرة على السيطرة وعلى تسخير العلوم لمصلحته مع بقاء قواعده سرية وعصية على الأرصان في مناهج أكاديمية خاضعة للمنطق العلمي وقابلة للتجريب.
عن موقع مستقبليات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 19th, 2007 at 19 ديسمبر 2007 9:45 م
عيد سعيد…ومزبد من الابداع والتألق
أبريل 3rd, 2008 at 3 أبريل 2008 11:10 م
السُؤال الذي يحاول ماكيافيلي معالجته هو: كيف لحاكمٍ أو أمير أن يُحافظ على مُلكه وحكومته؟ أو بصيغةٍ أُخرى، كيفية اكتساب السُلطة والحفاظ عليها. فحسبما يُقول مكيافيلي، القيم والمبادئ الأخلاقية يجب أن تخضع، أو يُتخلى عنها، لصالح الأهداف. وعليه فهي تنص على أن العالم الذي يعايشه الأمير يجب أن يظل على ماهو عليه، ورجال هذا العالم لايحسنون ولايسؤون. ومهمةُ الأمير هي أن يحصل على أفضل النتائج مع هؤلاء الرجال، من دون أن يعمل على تثقيفهم أو تنويرهم.
وفي البِدء، يناقش مكيافيلي الأساليب الأفضل لإدارة الممالك والإمارات، وهو يُخبر القارئ، الذي يُفضل أن يكون من عائلة أُرستُقراطية، عن أفضل الأساليب للحصول على السلطة، والحفاظ عليها (غالباً ماتدور حول احتكار شرعية استخدام القوة).
ثم يناقش مكيافيلي الخصال التي يجب على الأمير أن يتصف بها، والتي لاتزال الكُتب الحديثة المناقِشَة لموضوع القيادة تقتبس منها، ومزايا القائد الفعّال تُتلخص فيه:
• الرغبة والطموح في الإقتداء بشخصية عظيمة، على سبيل المثال:
o محاولة الوصول لما وصلت له روما القديمة، كون الكتاب الذي أُلف في عصر النهضة يهدف لإيجاد حاكم يعيد أمجاد إيطاليا.
• القُدرة في إيضاح أهمية الحكومة الحالية للشعب وحياته، على سبيل المثال:
o إيضاح عواقب سماح الحكومة، بتساهلها، إلى أن يرضخ الشعب لحكم العصابات، كما حدث في العراق بعد سقوط النظام، عندما تمنى العديد من المواطنين عودة النظام بعد انتشار السرقات.
• التفاني بإقامة الحروب وخوضها لدوام الحكومة في حال تعرضت لتهديد يهدد وجودها، على سبيل المثال:
o مايُعرف الآن بالحرب الاستباقية، كهجوم الولايات المتحدة على أفغانستان.
• معرفة أن القسوة والرذيلة قد يكونا إحدى الأسباب المهمة لدوام الحكومة.
• على الأمير أن يعلم أن الكرم الغير مضبوط يؤدي لضعف مركزه، على سبيل المثال:
o إذا ماقام بصرف الأموال على الشعب سيخسر الكثير عند قيام الحروب أو إقامة المشاريع، ممايتطلب فرض الضرائب، وعندئذ سينسى الشعب مدى كرمه معهم، ولذا فالبُخل (إن صح تسميته كذلك) أفضل، كما حدث مع الملك لويس الثاني عندما لم يفرض أي ضرائب لادخاره الأموال اللازمة لشن الحروب.
• من الحكمة أن تؤخذ المشورة عندما يطلبها الأمير فقط، على سبيل المثال:
o إذا ماقام الأمير بطلب مشورة أحدهم عندما يحتاجها فقط، فإن هذا لايجعله عرضة لأن يرضخ لمستشار أو مجموعة مستشارين يتلاعبون فيه كلياً، وإن كان بفضلهم حكم حكماً صالحاً، لأنه سرعان ماسيفقد مُلكه.
ولقد تجاهل مكيافيلي أي ترابطٍ بين الأخلاق والسياسة، وهذا الذي أزعج معاصريه. كما شدّدَ على أن الأمير يجب أن يظهر بمظهر الرحيم، والمتدين، والأمين، والأخلاقي. ولكن واقعياً، فإن مركزه لايُؤهله لكي يمتاز بأي من الخصال السالفة.
بالنسبة لآخر أبواب من الكتاب فهي تتعلق بإيطاليا وحالتها إبان تأليف الكتاب، كنصائح لتحرير إيطاليا من البرابرة.
[تحرير] ردود الفعل
غالباً مااستُخدم لفظ مكيافيلي للدلالة على الخصال السيئة، وسبب ذلك عدم فهم الأغلبية لأفكار الرجل. ولا يختلف النقاد على دقة ملاحظاته وتميز أسلوبه، ويُنسب إليه فضل إنشاء مدرسة للفكر في أوروبا كانت قد امتدت في آسيا من عهد سون تزو وكنفوشيوس.
ولقد أهدى مكيافيلي كتابه الأمير للورينزو الثاني دي ميديشي (حفيد لورينزو العظيم) آملاً في استعادة مركزه الوظيفي، وهو الأمر الذي لم يتم له، حيث ضُم الكتاب إلى قائمة الكتب الممنوعة الخاصة بالكنيسة الكاثوليكية، وذلك لتحديها الأفكار الكنسية للقديس أغسطين والقديس أكواينس، والتي قامت عليها الكنيسة.
كانت أفكار مكيافيلي في الخصال المثالية للأمير محل جدال، فمكيافيلي ممن اعتبروا البخل خصلة خير، مع أن الكثير يختلفون معه في ذلك. وفي القرن العشرين اعتبر بينارد كريك الحكمة من الفضائل السياسية، بينما اعتبرت جاين جايكوبس في تحليلها لمتلازمة الأخلاق أن التباهي بمظاهر القوة تصنف ضمن ماأسماه مكيافيلي “مظاهر القسوة والرذائل”، وبالتحديد التباهي يمظاهر الثروة كدليل على القوة. استخدم نيك همفري مصطلح الذكاء المكيافيلي (أو الدهاء المكيافيلي) للإشارة إلى هذه الخصال وتطبيقها ضمن سياق مايمكن أن يُسمى “السياسات اليومية”، كالإدارة الأعمال، أو العائلة. قام رشوورث كيدر بنقد الأخلاق لكونها مقايضة لعدة حقوق لايمكن الحفاظ عليها بأكملها. ونظرية الواقعية السياسية تستنبط قواعدها من فكر مكيافيلي بشكلٍ واضح.
لقد تحدى الأمير الفلسفة الكنسية الكاثوليكية الرومانية لإنشاء فكر علماني متنور وبالتالي العصر الحديث. ولذا فهي تحتل مكانةً متميزة في تطور العقلية الأوروبية، حيث يتم الإستشهاد بمقولات من هذا الكتاب في يومنا هذا مثل:
• الغاية تُبررُ الوسيلة.
• من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يُحبوك، ولكن لا أن يكرهوك، ولا أن تتخلى عن العدل والفضائل في حالة لم يتم تهديد مُلكك.
أبريل 3rd, 2008 at 3 أبريل 2008 11:14 م
يُعتبر مكيافيلي مؤسس مدرسة التحليل والتنظير السياسي الواقعي حينما خالف أرسطو وأفلاطون بفصله السياسة عن الأخلاق.وُلِدَ في15 فبراير1469
فلورنسا، إيطالياتُوفيَ في8 يناير،1527
فلورنسا، إيطاليا
وُلِدَ مكيافيلي في فلورنسا لمحامٍ هو برناردو دي نيكولو مكيافيلي وبارتولومي دي استفانو نيلي، والذي كانا منحدرين من أسرة توسكانية عريقة.
من عام 1494 إلى 1512، تقلد مكيافيلي الشاب منصباً إدارياً في الحكومة، زار خلالها البلاط الملكي في فرنسا، وألمانيا، وعدة مقاطعات إيطالية في بعثات دبلوماسية. بعدها بقليل حُبسَ مكيافيلي في فلورنسا عام 1512، نُفي بعدها لسان كاساينو، وتوفي في فلورنسا عام 1527 ودفن في سانتا كراوس.
ويمكن تقسيم فترة حياته إلى ثلاثة أجزاء كلها تمثل حقبة مهمة من تاريخ فلورنسا، حيث عاصر في شبابه وطور نموه ازدهار فلورنسا وعظمتها كقوة إيطالية تحت حكم لورنزو دي مديتشي، وسقوط عائلة مديتشي في عام 1494، حيث دخل مكيافيلي في الخدمة العامة، حيث تحررت فلورنسا خلالها وأصبحت تحت حكم جمهورية، والتي استمرت لعام 1512، حيث استرجعت عائلة مديتشي مقاليد السلطة، وخسر ماكيافيلي منصبه. وحكمت عائلة مديتشي حتى عام 1527، حيث تم إجلاءهم عن المدينة في 22 يونيو مرة أخرى، وحينها كانت الفترة التي تمخضت عن نشاطات مكيافيلي ومؤلفاته، ولكنه توفي، عن عمرٍ يناهز الثامنة والخمسين قبل أن يسترجع منصبه في السلطة.
شبابه ونشأته
مع أن القليل دُون عن فترة شباب مكيافيلي، إلا أن فلورنسا تلك الحقبة معروف بشكل يسهل التنبأ معه بحياة أحد مواطنيها. لقد وُصفت فلورنسا على أنها مدينة ذات نمطي حياة مختلفين، واحدٌ مُسير من قبل المتشدد الراهب سافونارولا، والآخر من قبل لورنزو دي مديتشي. لابد وأن يكون تأثير سافونارولا على مكيافيلي الشاب دون أي تأثيرٍ يُذكر، إلا أنه مع تحكم سافونارولا بأموال فلورنسا، فقد أوجد لمكيافيلي مادة في كتابه الأمير عن النهاية المأسوية للنبي الغير مسلح. أما عن روعة حكم المديتشيين إبان عهد لورنزو العظيم فقد كان ذا أثرٍ ملموس على الشاب، حيث أشار عدة مرات إليهم، ويجدر الإشارة إلى أن كتابه الأمير قد أُهدي إلى حفيد لورنزو (وهذه من الطرائف عند الحديث عن هذا الشاب حيث كان والده وجده من المعارضين لحكم المديتشيين).
ويعطينا كتابه، تاريخ فلورنسا، صورة عن الشباب الذين قضى معهم فترة شبابه، حيث يقول: “لقد كانوا أحراراً أكثر من آبائهم في ملبسهم وحياتهم، وصرفوا الكثير على مظاهر البذخ، مبذرين بذلك أموالهم ووقتهم طمعاً بالكمال، واللعب، والنساء. لقد كان هدفهم الرئيس هو أن يبدو الشخص فيهم بمظهرٍ حسن وأن يتحدث بلباقة وذكاء، وقد أُعتبر من يجرح الناس بذكاء أحكمهم كما ذكر .” وفي رسالة لابنه غويدو، يظهر مكيافيلي ضرورة أن تُستغل فترة الشباب بالإنكباب على الدراسة، وهذا ما يقودونا إلى الإعتقاد بأنه قد انشغل كثيراً إبان شبابه. ويقول مكيافيلي: “لقد تلقيتُ رسالتك، والتي منحتني شعوراً عظيماً بالسعادة، خصوصاً وأنك استعدت عافيتك، ولن يكون هناك خبرٌ أجمل من هذا. فقد وهبك الرب ووهبني الحياة، وآمل أن أصنع منك رجلاً كفؤً إذا ما كنت مستعداً لتقوم دورك.” ومن ثم يُكمل: “سوف يكون هذا جيداً لك، ولكنه واجبٌ عليك أن تدرس، حيث لن يكون لك العذر في أن تتباطأ بحجة المرض، واستغل ألمك لدراسة الرسائل والموسيقى، حيث سيبدو لك الشرف الذي يكون لي بامتيازي بمثل هذه المهارة. إذن، بُني، إذا ما أردت إسعادي، وأن تجلب لنفسك الشرف والنجاح، قم بالمطلوب وادرس، لأن الجميع سيساعدونك إذا ما ساعدت نفسك.”
منصبه في الدولة
الفترة الثانية من حياته قضاها في خدمة الجمهورية الفلورنسية،الكائنة ما بين فترة طرد عائلة مديتشي في 1494 إلى عودتهم في 1512. بعدما خدم مدة أربع سنين في إحدى الدوائر الحكومية، عُين مستشاراً وسكراتيراً لإحدى مكاتب الأرشفة. وخلال هذه الفترة قام مكيافيلي بأخذ دورٍ رائد فيما يتعلق بشؤون الجمهورية، ومن هنا يُعرف من أي اكتسب الخبرة التي أهلته لتأليف كتابٍ كالأمير.
مهمته الأولى كانت في 1499 لكاثرين سافورزا، أو كما سماها في الأمير “سيدة فلوري”، والتي استشف من سلوكها أدبيات فكره والذي ينص فيها على أنه من الأفضل كسب ود الشعب عوضاً عن الاعتماد على القلاع، ويشير مكيافيلي إلى هذا في إحدى فصول كتابه (الباب العاشر) حيث أنه من الأفضل كسب ود الشعب خصوصاً في فترة الحروب عندما يقاسون فيها الأمرين من حرق لمؤنهم وتدمير لبيوتهم حتى يستجلبهم العدو لصالحه، وهو في رأي مكيافيلي سياسة ناجحة دوماً في حالة لم يعمل الأمير على رفع معنويات الشعب وأنهم سيجتازون هذه المحنة، ولولا هذا المعاملة فلن تنفع الحصون الشعب أو الأمير حينئذ للوقاية من شر الأعداء خصوصاً عند انعدام السلاح.
وفي عام 1500، أُرسل إلى لويس الثاني عشر ليحصل منه على شروط استمرار الحرب على بيزا، ومن سلوك هذا الملك استشف مكيافيلي الأخطاء الخمس القاتلة في شؤون إدارة الدول، والتي تبعاً لها أُخرج لويس من إيطاليا (كما يشير مكيافيلي في الباب الثالث من الأمير). وهو أيضاً من أُعتبر طلاقه شرطاً لتأييد البابا ألكسندر السادس.
حياة مكيافيلي العامة شُغلت بالأحداث تباعاً لطموح البابا ألكسندر السادس وابنه سيزار بورجيا، دوق فالنتينو، وهذه الشخصيات تملأ فراغاً كبيراً في الأمير. ولم يتردد مكيافيلي في الاستشهاد بأفعال الدوق لفائدة أولئك الذين يريدون الإبقاء على ممتلكاتهم عن طريق الغصب. إنه، وبكل تأكيد، لن يجد مانعاً لتقديم سلوك سيزار بورجيا كنموذج، حتى أن بعض النقاد زعموا أن سيزار بدا بمظهر البطل في كتاب الأمير. إلا أن الدوق في الأمير استشهد به كمثال للأمراء الذين يُنَصبون عن طريق مساعدة الآخرين لهم (في حالته فهو والده البابا)، ويسقطون معهم.
وعند وفاة البابا بيوس الثالث في 1503، لمراقبة الانتخابات على من يخلفه، وهناك لاحظ غش سيزار بورجيو ليتم اختيار المجمع لجوليانو ديلا روفري (البابا يوليوس الثاني)، والذي كان أحد الكاردينالات ذوي الأقوى حجة لمهابة الدوق. وعندما طُلب من مكيافيلي التعليق على هذا الاقتراع قال أن من يعتقد أن محاولات الإحسان إلى قوي لينسى جروحه القديمة يخدع نفسه، وبالفعل لم يرتح يوليوس الثاني حتى دمر الدوق.
لقد خضعت إيطاليا في 1507 لحكم فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، مع نتائج دامت إلى يومنا هذا، وما يهمنا هنا هم الثلاثة الفاعلون في تلك الممالك، حيث تعدى تأثيرهم ليصل لشخصية مكيافيلي. ولقد تمت الإشارة إلى شخصية ملك فرنسا ودراسة مكيافيلي لها. ولقد صور مكيافيلي فرديناند الثاني كشخص قام بأفعالٍ عظيمة ولكن تحت ستار الدين، ولكنه في الواقع لم يكن شخصاً ذا إيمان، أو انسانيةإنسانية، أو رحمة، أو نزاهة … وأن من يجعل مثل هذه الأمور تكون دافعاً له قد يعمل على تدمير نفسه. أما بالنسبة للإمبراطور ماكسمليان فقد كان أحد أكثر شخصيات ذلك العصر إثارةٍ، وقد تم تشخيصه من قبل العديد، إلا أن مكيافيلي، والذي عمل رسولاً للإمبرطور ما بين 1507 و1508، يكشف سراً عن سبب إخفاقات ذلك الإمبرطور، بأنه رجلٌ كتوم، لم يعمل على تحقيق أمانيه وغالباً ما يناقض نفسه، لكونه لا يعرف ما الأحق أن يُتبع، ولم يعمل مطلقاً على استشارة أحد لذلك.
الفترة الأخيرة من حياة مكيافيلي الرسمية كانت مليئة بالأحداث مُوجهة غالباً من قبل تحالف كامبري، والذي تم في 1508 بين ثلاثة قوى أوروبية جرى ذكرها بالإضافة إلى البابا لهدف سحق الجمهورية الفينيسية، والذي نتج عنها خسارة البندقية (فينيسيا) في يوم واحد لما كسبته في ثمانممائة عام. وقد واجهت فلورنسا وقتاً عصيباً في خضم هذه الأحداث المعقدة، لا سيما عندما نشب النزاع بين البابا وفرنسا. وفي 1511، قام يوليوس الثاني بالإعلان عن التحالف المقدس ضد فرنسا، وبمساعدة سويسرا تم إبعاد فرنسا عن إيطاليا، ورضخت فلورنسا لشروط البابا بعد أن كانت تخضع لفرنسا، وإحداها أن لعائلة مديتشي الرجوع للسلطة. وعندما تم ذلك في الأول من سبتمبر، من عام 1512 لحقه سقوط الجمهورية، وإقصاء مكيافيلي ومن معه عن العمل، وتوفي مكيافيلي دون أن يرجع لمنصبه.
كتاب الأمير ووفاة مكيافيلي
عند عودة المديتشيين أمل مكيافيلي عودته لمنصبه في الخدمة العامة تحت سلطة الأسياد الجدد لفلورنسا أُقصي في الثاني عشر من نوفمبر، لعام 1512. واتُهم لاحقاً بالتورط في مؤامرة ضد المديتشيين، وسُجن، وتم استجوابه تحت التعذيب. وقام البابا المديتشي الجديد، ليو العاشر، بالعفو عنه وإطلاق سراحه، وذهب مكيافيلي لسان كازينو ليقضي فترة تقاعده، بالقرب من فلورنسا، حيث قضى وقته بالكتابة. وفي رسالة لفرانسيسكو فيتوري، مؤرخة بثالث عشر من سبتمبر، من عام 1513، يذكر مكيافيلي وصفٍ مثيراً للحياة التي قضاها في تلك الفترة، والتي بين فيها الدوافع لكتابة الأمير. فبعد أن وصف حياته اليومية مع عائلته والجيران، يكتب مكيافيلي: “عندما يحل المساء أعود إلى البيت، وأدخل إلى المكتبة، بعد أن أنزع عني ملابسي الريفية التي غطتها الوحول والأوساخ، ثم أرتدي ملابس البلاط والتشريعات، وأبدو في صورة أنيقة، أدخل إلى المكتبة لأكون في صحبة هؤلاء الرجال الذين يملأون كتبها، فيقابلونني بالترحاب وأتغذى بذلك الطعام الذي هو لي وحدي، حيث لا أتردد بمخاطبتهم وتوجيه الأسئلة لهم عن دوافع أعمالهم، فيتلطفون علي الإجابة، ولأربع ساعات لا أشعر بالقلق، وأنسى همومي، فالعوز لا يخيفني والموت لا يرهبني … لقد تملكني الإعجاب بأولئك العظام، ولأن دانتي قال:
يُحفظ العلم الذي يأتي بالتعلم ولقد دونتُ ملحوظاتٍ من محاوراتهم، وألفت كتاباً عن ‘الإمارات’، حيث أنكبُ جاهدا في التأمل والتفكر بما يتعلق بهذا الموضوع، مناقشة ماهية الإمارات، وأنواعها، وكيفية امتلاكها، ولماذا تٌفقد، وعليه فهذا على الأرجح سيعجبك، إلا أنه لأميرٍ جديد سيكون محل ترحابه، ولذا فقد أهديتُ الكتاب لجلالته جوليانو . وقام فيليبو كازافتشيو بإرساله، وسيخبرك عن محتواها وعن حواري معه، ومع ذلك فما زالت تحت التنقيح.”
ولقد تعرض الكتيب للعديد من التغيرات قبل أن يستقر على الشكل الذي هو عليه الآن. ولسببٍ ما تم إهداء الكتاب للورنزو إل دي مديتشي. مع أن مكيافيلي ناقش كازافتشيو إذا ما كان من الأفضل إرساله أو عرضه شخصياً، إلا أنه لم يثبت أن لورنزو قد استلم الكتاب أو حتى قرأه، وبطبيعة الحال لم يقم بتوظيف مكيافيلي. ولم يقم مكيافيلي بنشر الكتاب بنفسه، وقد اختلف فيما إذا كان النص الأصلي للكتاب لم يتعرض للتحريف، إلا أنه قطعاً تعرض للسرقة الأدبية.
وختم مكيافيلي رسالته إلى فتوري قائلاً: “وبالنسبة لهذا الكتاب الصغير، عندما يُقرأ، فسيترائ لقارئه أني لم أنم أو أتكاسل في دراسة فن السياسة وإدارة الدولة طوال الخمسة عشر عاماً التي قضيتها متنقلاً بين الملوك، وعليه الرغبة في أن ينهل من خبرة هؤلاء.”
وقبل أن يُنهي مكيافيلي كتاب الأمير بدأ مطارحاته بالكتابة عن العقد الأول لتايتوس ليفيوس، والذي يجب أن يُقرأ تزامناً مع الأمير. هذه الأعمال وأخرى أصغر أبقته منشغلاً حتى 1518، حتى وُكل بمهمة المراقبة على أعمال بعض التجار في في جينوا. وفي عام 1519، منح حكام فلورنسا المديتشيون صلاحيات سياسية للمواطنين، وأصبح مكيافيلي وآخرون مستشارين حسبما ينص الدستور الجديد حالما يتم إرجاع المجلس العظيم.
وأصبح عام 1520 مُذهلاً لكي يعاود مكيافيلي الانخراط في مجتمع فلورنسا الأدبي، كما كان هذا العام هو بداية إنتاج كتاب فن الحرب. وقد طلب الكاردينال دي مديتشي من مكيافيلي تأليف كتاب تاريخ فلورنسا، مهمةٌ أشغلت مكيافيلي حتى 1525.
وعندما انتهى من كتاب تاريخ فلورنسا، ذهب به لروما ليعرضه على البابا جوليو دي مديتشي، المعروف بالبابا كليمنت السابع، ولقد أهدى هذا الكتاب إلى رأس أسرة مديتشي. ومن ذلك العام قامت معركة بافيا ودمرت أملاك فرنسا في إيطاليا تاركةً فرانسيس الأول أسيراً تحت رحمة تشارلز الخامس وطُرد المديتشيون من فلورنسا مجدداً.
كان مكيافيلي حيئذ غائباً عن فلورنسا، ولكنه أسرع في العودة لكي يؤمن مركزه كمستشار. ولكنه مرض فور وصوله حيث تُوفي في الثاني والعشرين من يونيو، من عام 1527.
ما بعد مكيافيلي
يُعتبر مكيافيلي بلا شك مؤسس مدرسة التنظير السياسي الواقعي حينما فصل بين السياسة والأخلاق مخالفاً بذلك أرسطو القائل في كتاب “السياسة”: “لما كانت الدولة، كل دولة، نوعاً من المشاركة، وكانت كل مشاركة تتم للوصول إلى النفع والخير - إذ أن المفروض من كل عمل أن ينتهي إلى خير - فإن من الواضح أن بالنظر لكونه الخير هدف جميع المشاركات فإن الخير الأسمى، في أرفع رتبه، هو هدف تلك المشاركة السامية، التي تضم كل ما عداها، أو بكلمة أصح، الدولة أو المشاركة السياسية.” ويلخص أرسطو الشروط التي يجب أن تتوفر في من يملك السيادة المطلقة:
• الإخلاص لنظام الدولة
• الكفاءة لأاء مهام وظائفهم
• الفضيلة والعدالة، في المعنى الذي يتفق مع نظام الدولة
وعن أفضل السبل للمحافظة على الدولة يشدد أرسطو على أن الواجب هو تعليم المواطنين على روحية الدولة إذ بدونها لا يكون لهذه القوانين المفروضة لحماية الدولة والمجتمع أي قيمة (وهي ما يُعتبر صورة مبكرة لأفكار جان جاك روسو في العقد الاجتماعي).
أما مكيافيلي فيختلف مع أرسطو في أن كيف أن البشر والحاكم لا يُهدفون إلى النفع والخير، فيقول في الباب السابع عشر من الأمير: “من الواجب أن يخشاك الناس وأن يحبوك، ولما كان من العسير الجمع بين الأمرين فالأفضل أن يخشوك على أن يحبوك، هذا إذا ما توجب عليك الاختيار بينهما، وقد يقال عن الناس بصورة عامة، أنهم ناكرون للجميل، متقلبون، مراؤون ميالون إلى تجنب الأخطار وشديدو الطمع. وهم إلى جانبك طالما أنك تفيدهم، فيبذلون لك دماءهم وحياتهم وأطفالهم وكل ما يملكون كما سبق لي أن قلت، طالما أن الحاجة بعيدة نائية، ولكنها عندما تدنو يثورون، ومصير الأمير الذي يركن إلى وعودوهم دون اتخاذ أي استعداد هو الدمار والخراب. إذ أن الصداقة التي تقوم على أساس الشراء، لا على أساس نبل الروح وعظمتها هي صداقة زائفة تُشترى بالمال ولا تكون أمينة موثوقة، وهي عرضة لأن لا تجدها في خدمتك في أول مناسبة. ولا يتردد الناس في الإساءة إلى ذلك الذي يجعل من نفسه محبوباً بقدر ترددهم الإساءة إلى من يخافونه، إذ أن الحب يرتبط بسلسلة من الإلتزام التي قد تتحطم، بالنظر إلى أنانية الناس، عندما يخدم تحطيمها مصالحهم، بينما يرتكز الخوف على الخشية من العقاب وهي خشية قلما تُمنى بالفشل.”
وفي دراسة لأرنستو لاندي عن مكيافيلي نراه يقول: “كان مكيافيلي واقعياً بمعنى أنه شدد دوماً على ما اعتبره حقائق عن الطبيعة الإنسانية والمجتمعات السياسية مهما ابتعدت هذه الحقائق عن الخلق. وأن ميوله الجمهورية لم تكن محاكاة لذلك المجتمع السياسي المركانتلي الذي كان يراه في فينيسيا، على النقيضذلك كانت ميوله تنبع من رعبة في إحياء نمط جمهوري استهواه عند قراءته كتب التاريخ لا سيما تاريخ روما القديم. وكان مكيافيليمفكراً سياسياً مبكراً، وقد قام اعتقاده على أن قواعد السلوك الإنساني يمكن استنباطها من الاختبار، آملاً استخدام هذه العبر لأغراض نبيلة مثل خلق جمهورية في إيطاليا المعاصرة تحاكي روما القديمة في مجدها.” إلا أن مكيافيلي على ما أراد إعادة خلق هذا النظام في إيطاليا فقد تراءا له استحالة ذلك لا سيما في عصره.
اعتبر مكيافيلي أن هدف السياسة هو المحافظة على قوة الدولة والعمل توسيع نفوذها، وهذا لا يتم بوجود وازع ديني أو أخلاقي، حيث الغاية تُبرر الوسيلة. ولهذا فقد أُعجب مكيافيلي بالحكام الذين توسع سلطانهم غير آبهين بأي رادعٍ كان، ولذا قال دوفرجيه عندما قارن بينا أرسطو ومكيافيلي: “لقد أوجد أرسطو الركن الأول ف علم السياسة وهو اعتماد منهج الاستقراء والملاحظة، وأوجد مكيافيلي الركن الثاني، وهو المنهج الموضوعي المُجرد من الاهتمامات الأخلاقية.” ولكن شدد مكيافيلي مع هذا أن الدولة القوية تقوم على وازعٍ أخلاقي، وإن استخدم الحاكم الوسائل المنافية للأخلاق للوصول لأهدافه. حيث أكد مكيافيلي أن ولاء المواطن مُرتبط بمقدار خدمته للمجتمع.
ومع هذا فلا يزال مكيافيلي معتقداً بسوء نوايا البشر، وأنهم غالباً ما يركنون إلى الراحة والدعة والتملك بأقل قدر من الخسائر، سواء كانوا مواطنين وحكام، ولذا أوجدت الدولة والحكومات والقوانين، وهي للحد من نفوذهم. ولذا يقول فرانسيس بيكون: “لقد تناول مكيافيلي الناس كما هم، لا كما يجب أن يكونوا