مفهوم النقد عند الخطيبي
كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 24 يناير 2008 الساعة: 12:19 م
مفهوم النقد عند الخطيبي
(المغرب أفقا للنقد)
فريد لمريني
يريد الآخرون أن يؤطروني في خانة ما؛ والحال أني ممتهن لقياس المساحات"1.
هذا ما قاله عبد الكبير الخطيبي بالتحديد، حين سئل ذات يوم، عن طبيعة التزامه النظري وعلاقته ككاتب بالمجتمع. وفي معنى الالتزام بالنسبة إليه، استطرد موضحا: " (…) الالتزام بالنسبة لي (ولنحافظ لهذه الكلمة على معناها السارتري)، هو تحويل ما أحسه وما أفكر به إلى شكل أدبي وإلى شكل كتابة"2.
هل هناك فعلا كتابة عربية أو غير عربية، عصية على التصنيف والتأطير؟ ألا يمكن القول إن كل كتابة، سواء أكانت فكرية أم إبداعية، تنخرط بالضرورة في إطار عام أو مرجعية شمولية، بمعنى أنها تنتمي حتما ولزوما إلى أصل أو نموذج، أو فضاء إيستيمي ودلالي معين؟ بعبارة أخرى، هل يمكن لكاتب ما أو كتابة ما أن يكونا " امتهانا لقياس المساحات" ؟
يجيبنا الخطيبي في مكان آخر، وفي سياق مغاير وغير مباشر، حين يقول إن المثقف: " سواء أكان مناصرا للعقل المطلق أو للحكمة في خدمة الإنسان، أو كان مناصرا لقضية أو مثل أعلى، فهو مطالب بأن يتكيف باستمرار مع المبادئ والقيم التي يدافع عنها، وبالتالي فهو مرغم على سلوك موجه لذاته (…) لأن عمله هو تحريك الفكر وتحليل المجتمع لا إدارته"3.
ما معنى اليوم أن يستطيع الفكر التوجه لذاته، وما معنى أن يستطيع ممتهن التفكير أن يفلت من غواية الإدارة بمفهومها الشامل والمؤسساتي، ما هي المسافة الفاصلة بين الفكر كفعالية نقدية، وكنشاط ثقافي حر أي " موجها لذاته"، وبين الإدارة، كسلطة اجتماعية وسياسية واقتصادية، أي كنسق لعلاقات وسلوكات وأنماط من التفكير والقول غير حرة على الإطلاق؟ وبعبارة واحدة، ما معنى أن يتخلص الفكر، كنقد وحرية، كذات لذاتها، أو "كقياس للمساحات" القريبة والبعيدة، من نفوذ الرقابة، وسلطة الإدارة على الكتابة بالتحديد؟
هذه الأسئلة الكثيرة، استبدت بذهني، حين استعرضت المسار الفكري والإبداعي لعبد الكبير الخطيبي، كمثقف وكاتب؛ وبدت لي تجربته الغنية في الكتابة والحياة، شهادة أصيلة اليوم، على الوضع القلق " لمثقف في المدينة"، أراد أن يكون شاهدا على عصره، بإعلان تجاوزه، فكانت هذه التجربة علامة بارزة على مفارقة ممتعة ومؤلمة في الوقت نفسه، وهي حتمية تجاوز الفكر لعصره من جهة، وحتمية تكيفه معه، من جهة أخرى، إذ إن : " المراس والتكيف وإرغام النفس هي مهام المثقف، مهامه في المدينة، حتى لو كان متجاوزا لعصره"(4).
بين عناد الكتابة كتدخل عنيف في أحوال المجتمع، وإكراهات الحياة التي تفرض التكيف والمرونة، تسكن نصوص الخطيبي بالضبط، وتعلن عن نوع من الاستقلالية الاستثنائية، ولكنها تعلن أيضا عن نوع من غرابة الكتابة، واغترابها عن عصرها، من حيث التزامها المستميت والعنيد بقضاياه وهمومه وأسئلته! يقول الخطيبي: " إني أحافظ على التزامي باستكشاف قضايا وثقافات أخرى غير ثقافتنا، فأنا باحث يستكشف منظورات متعددة ومواقع نظر إلى موضوعات وقضايا وأشياء تضعني في موطن مخاطرة"(5).
تمنحنا تجربة الخطيبي في الكتابة والحياة مشهدا عميقا لكينونة الفكر في علاقته بالواقع، فالفكر بهذا المعنى، يرفض بعناد وصايته على المجتمع والتاريخ، على الماضي والحاضر، ومن ثمة بالذات فرادة هذه التجربة وتميزها، ولكن أيضا وضعها المأساوي كقول يعيش وينمو خارج النسق، أعني في الهامش.
إن تصور الخطيبي لمهامه ومسؤولياته كمثقف في المدينة L’intellectuel dans la cité، أي كشاهد على عصره، يطابق تصوره لمفهوم الكتابة نفسها، إذ من حيث يرفض الأنساق والإيديولوجيات الكبرى، ويمارس عليها نقدا عنيفا وجريئا، يرفض كذلك كل هوس بعرض مشروع فكري يبين فيه طريق الخلاص لهذا البلد أو لهذا المجتمع، ويقدم فيه للحاضر مفاتيح الألغاز التاريخية التي تجعله يتقدم نحو المستقبل. بعبارة واحدة، فإن الخطيبي، من حيث يستبعد من فضاء الكتابة كفعل ثقافي مهام الإدارة وطقوسها، يستبعد أيضا طقوس النبوءة ومهام النبوة. إنه يرسم فقط شهادة، بالمعنى الأنطولوجي والاستطيقي، لا الأخلاقي أو القانوني، فالشهادة ليست عنصرا من عناصر النسق إلا من حيث مطالبتها بقول الحقيقة.
إن الشهادة فعلا، أحد العناصر المكونة للنسق، لكنها في الصيغة التي تخيلها ومارسها الخطيبي، ترفض الحقيقة بالمعنى النسقي والمؤسساتي، لأن غايتها هي فقط تعقب آثار الحقيقة وبصماتها في الحاضر. إن الحقيقة بهذا المعنى، استعارة بالمدلول الذي تصوره ف.نيتشه. إنها علامة أو رمز، لا تأخذ حَيِّزها الأصيل داخل النسق إلا بالعمل على تفجيره.
الخطيبي، هذا العاشق المتيم بالعلامات والرموز، بالحروف والصور والأشكال؛ هذا الباحث المولع برصد جروح هذا المجتمع وانكسارات هذا الحاضر البئيس، قدم شهادته من حيث هي فريضة من فرائض الفكر الحر الطليق، وجعل من النقد بالذات فريضة متعلقة بمصير هذا الحاضر، لهذا تخيلها وطبقها كاستراتيجية شاملة وجذرية، لا من أجل قول الحقيقة أو البحث عنها، بل من أجل تعقب آثارها المبعثرة في الأفق؛ أعني تعقب خطوات حراسها وضحاياها في الوقت نفسه.
في هذا السياق بالتحديد، تحول النقد إلى تصور عام للعالم؛ إلى منهجية ذات عمق استراتيجي، تقطع الحدود، وتتجول في دروب الجرح والأمل، لا من أجل التوصل إلى وصفة سحرية وعجائبية للشفاء والاطمئنان على صحة الحاضر، بل من أجل بحث أركيولوجي في أعماق الجروح وخباياها، تلك التي لا تستطيع الوصفات الكبرى والفخورة بإعجازها المزعوم أن تقدم لها دواء حقيقيا، إلا من حيث تحجب مواطن المرض، وتتجاهل علاماته ورموزه، وتزج به في سراديب المطلق اللاتاريخي.
- حول فرائض النقد: النقد مأساة الفكر
النقد إذن منهجية ذات عمق استراتيجي !
ما النقد عند الخطيبي وكيف تصوره كمفهوم؟
يجيبنا كما يلي : " كلمة نقد قبل أن نذهب بعيدا، تتضمن كما نعرف، فكرة غالبا ما تكون منسية، وهي المتعلقة " بوجود أزمة". النقد كأزمة بالنسبة لنفسه، وفي الوقت ذاته للموضوع الذي يهتم به. وفي هذا المعنى، يظل النقد مزدوجا، سواء أكان مرجعا مرتبطا بالنقد بمفهومه الكانطي أو الهيجيلي أو الماركسي؛ فإن عليه أن يبني ويؤسس ركائزه فيما هو يشغلها"(6).
هذا التعريف العميق لمفهوم النقد يثير لدينا بعض الملاحظات، ويتطلب التوضيح بالصيغة الآتية:
أولا: على النقد ،لكي يؤدي مهامه ويسجل حضوره كشهادة، أن يكون اعترافا صريحا بوجود أزمة ما أو خلل ما، بمعنى إعلانا جريئا لتدخل حر ومسؤول في الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وفي هذه الصيغة بالذات، يقذف الخطيبي بكل أشكال النقد التي تختبئ إما وراء اللغة، أو وراء التاريخ، أو وراء كل مقولة لها طابع المطلق والقداسة.
ثانيا: إن النقد ليس موجها فقط للموضوع أي للواقع، بل موجه أيضا لنفسه، ومن هنا ازدواجيته. أي أن النقد مطالب بتأزيم نفسه قبل تأزيم موضوعه، وهذا يعني ضرورة تغيير النقد لمعاوله وأدواته ومناهجه. هنا يبدو الخطيبي، وبكل وضوح، باحثا عن أرض نقدية مغايرة ومختلفة؛ أي أنه يبحث للنقد عن أرض ثانية يسكنها لكي يمارس هذه المهام المطروحة عليه.
ثالثا: النقد مطالب بتأسيس أركان بيته، فيما هو يسكنه، فهل هي المهمة المستحيلة للنقد؟ أم أنها فقط لغز من ألغازه المحيرة؟ وهل يتأتى التأسيس فعلا بهذه الصيغة التي طرحها " ممتهن قياس المساحات"، أم أن النقد في جوهريته ليس سوى هذه المساحات بالذات، تلك التي لا جغرافية لها على الإطلاق؟ يقول الخطيبي: " يبدأ النقد انطلاقا من ركائزه، بيد أن هذه الركائز لا يتم عليها فقط في إطار المعرفة التي سبقته، بل في إطار الحقيقة الواقعية التي هي (…) حقيقة مستعصية على البحث"(7). في المسافة بين المعرفة الماضية والمعرفة الحاضرة، الواقعية، يسجل النقد تدخله؛ وفي هذه المسافة بالذات، تسكن ركائزه التي يؤسسها بلا هوادة وإلى ما لا نهاية.
رابعا: النقد بهذا المعنى هو مأساة الفكر، ولكنه أيضا وبشكل جوهري روحه التي تجعل منه طاقة مستديمة في التأسيس، من حيث هو نشاطية لا تتعب وقدرة خارقة على التـأزيم، أعني تأزيم ذاته وتأزيم موضوعه في آن واحد. وتلك بالذات، المهمة الاستراتيجية للنقد(8).
خامسا: إن النقد، تدخل أنطولوجي قوي في شؤون الذات وشؤون الحياة اليومية، من حيث هي تجليات ودلالات على واقع قائم، يكتسي أشكالا نهائية ومطلقة، كلما تدخلت في أحواله الميتافيزيقا المهووسة بالوحدة.
إن النقد بحث في جدلية الحياة والموت بالنسبة إلى المعرفة؛ أي بحث في أسباب سادسا: النقد هو عملية وضع الفكر فوق طاولة التشريح، تشريح ركائزه ومسلماته التي قد تدخل قارة المطلق لتستريح بعد عناء طويل. إنه مضايقة الفكر في ركائزه، وتقويض لدعائمه، وإدخال عنيف للاختلاف في قارته كلما تحولت هذه الأخيرة إلى ميتافيزيقيا مطمئنة.
- أرض النقد : النقد يرحل دائما
في هذا المنظور بالذات، وفي ضوء هذه الأبعاد المختلفة والمركبة لمفهوم النقد، عالج عبد الكبير الخطيبي مواضيعه الكثيرة؛ تحرك في مواقع متباينة، وقام بقياس مساحات ماضية وحاضرة، كما عبر مسافات طويلة، سعيا نحو الأفق!
هكذا مارس الخطيبي الفلسفة وهو ينفي صفة التفلسف على نصوصه؛ ومارس العلم، وهو يعترف بمحدودية وتواضع أبحاثه العلمية المحضة.
إنه ناقد، يحيا على هامش الفلسفة والعلم في الوقت نفسه. فهو لم يمارس الفلسفة، إلا من حيث زودته بسلاح النقد، ولم يمارس البحث العلمي الأكاديمي إلا بعد نقده لبعض المرتكزات النظرية والمفهومية للسوسيولوجيا كعلم غربي. ولكن السؤال الذي نطرحه هو كما يلي: هل يمكن ممارسة النقد بالذات من خارج الفلسفة كطاقة نقدية استثنائية أي كفضاء لإنتاج النقد وإعادة إنتاجه؟
ربما كانت تجربة الخطيبي الفكرية والإبداعية، تطرح علينا بدورها سؤالا عميقا واستراتيجيا حول قضايا العلاقات المتداخلة بين الفلسفة والأدب والعلوم الإنسانية؛ وربما كان غرضه في عدم اعتبار نفسه فيلسوفا (9)، رفضا مبدئيا لشكل معين من التفلسف، إذ : "ربما كنا بصدد مفكر من أولئك الذين يحسون نفورا من اقتحام باب الشروح والتعليقات والتأويلات التي تتطلبها كل متابعة لتاريخ الفلسفة. (و) هذا النفور يعني نفورا من الأستاذية"(10).
إن النفور من الأستاذية، يعني النفور من كل الأنساق الفكرية، أي من كل كتابة فلسفية تتحول إلى مشروع فكري يسقط في حبال الميتافيزيقا وإغراءاتها العجيبة والجميلة. إنه في نهاية الأمر، ليس موقفا من الفلسفة أو الكتابة الفلسفية بالذات، بل موقفا من مفهوم الكتابة بشكل عام. فقد كانت رغبة الخطيبي كبيرة في : " تكسير الأنماط التقليدية والكلاسيكية المتداولة في الكتابة"(11)، بحيث أصبحت هذه الأخيرة، كما مارسها هو، في شكلها المتميز والاستثنائي: " اختزالا لتدخلات وجودية وتاريخية وفنية واجتماعية متشابكة داخل النسيج النصي"(12). ومن ثمة بالضبط، أصبح: " صوته متميزا حتما"، ومنفردا حتمــا"(13).
في هذه الصيغة الأصيلة للكتابة، وفي هذا السياق النصي الملغز تحولت نصوص الخطيبي ليس فقط إلى نوع من التداخل النصي، الذي يشتغل كما نظرت له جوليا كريستيفا، كتواصل مستمر بين ملفوظات نصية مأخوذة من نصوص سابقة أو معاصرة(14)، بل إلى نوع من الهدم الإيستمولوجي لكل الحدود المنهجية والمعرفية التي تعتبر فاصلا بين الرواية والشعر، والفلسفة والعلم.
إذا كان مفهوم الكتابة عند الخطيبي تدخلا وجوديا عنيفا في شؤون الحاضر، واستفزازا عنيدا لأسئلة الفلسفة والفن والعلم على حد سواء، وتغييرا جذريا لأنماط العلاقات السائدة بين هذه القارات الثلاثة، فلن يبدو الأمر غريبا، بالنسبة إلينا، إذا عاينا عن قرب تصوره الخاص للسوسيولوجيا ومهامها في الحاضر والمستقبل، كما مارسها ودعا إليها كمفكر متخصص، وباحث أكاديمي.
الخطيبي، ذلك السوسيولوجي المغربي، ورغم قلة ومحدودية أبحاثه السوسيولوجية المحضة، أراد بإصرار أن يثبت مكانة علم الاجتماع المغربي والعربي في خريطة العلوم الإنسانية بصفة عامة، في ضوء استراتيجية معينة، قصد منها بالتحديد(15) زعزعة دعائم النظام المسيطر للمعرفة الحالية. إن هذه المعرفة، في نظره" : " تخفي الفقر النظري بواسطة عملية تكرار ما أنتج"(16)؛ لهذا، من اللازم: " التخلي عن الدراسة النمطية في السوسيولوجيا، لأنها تخفي وراءها ميتافيزيقا الكليات"(17). وغاية هذه الدعوة هي تأسيس كتابة سوسيولوجية: " لا يمكن أن تكون … إلا ممارسة عنيفة تأخذ على عاتقها التاريخ والإيديولوجيا والعلم" (18).
يعترف الخطيبي بأن هذه الكتابة: " من البديهي أنها لن تتم برمتها بين ليلة وضحاهـا "(19)، ولكنه يصر،على أنه : " في ميدان المعرفة، لا يوجد مكان للمعجزات، وإنما [فقط] انقطاعات نقدية"(20).
هل قامت هذه الكتابة وترسخت في الممارسة السوسيولوجية المغربية أو العربية؟ ذلك سؤال موجه ليس فقط للخطيبي، كسوسيولوجي، بل للعلوم الإنسانية المغربية وواقعها النظري والمنهجي الراهن.
المهم، أن الخطيبي تصور السوسيولوجيا في سياق إيستمولوجي نقدي وجذري، أي أنه دعا إلى تقويض دعائمها المنهجية السائدة، في علاقتها بذاتها وعلاقتها بالعلوم الأخرى في الوقت ذاته. وهذا الموقف، قريب في نظرنا، من موقف أحد السوسيولوجيين المعاصرين البارزين، أعنيPierre Bourdieu بييربورديو حين قال : " السوسيولوجيا كما أتصورها، تتمثل في تحويل مشكلات ميتافيزيقية إلى مشكلات قابلة لأن تعالج معالجة علمية، بمعنى سياسية"(21).
في هذا الأفق بالتحديد، انخرطت الأبحاث السوسيولوجية لعبد الكبير الخطيبي، واشتغلت ضد كل نزوع ميتافيزيقي أو وضعوي، وظيفي أو تراثوي. وفي هذا السياق بالذات، حول كثيرا من القضايا الميتافيزيقية إلى حقل المعالجة السوسيولوجية.
لم يقدم الخطيبي أعمالا سوسيولوجية أكاديمية كثيرة؛ ربما كان الأمر يعود إلى توزع اهتماماته بين العلوم والفنون، لهذا انحسر مدى تدخله في هذا المجال، وبشكل ملحوظ، في المطالبة بمراجعة جذرية سواء للسوسيولوجيا أو لكل معرفة راهنة أو سائدة.
هكذا ظل يدعو إلى عدم : " نسيان اللحمة بين الفلسفة والعلوم [لأن هذا] يعني التمسك بالعمل في العماء"(22). وراح، وهو يفتتح أعمال الجمع العام التأسيسي للجمعية الفلسفية المغربية في 10 يونيو 1995، وفي سياق حديثه عن الدور النظري والتنويري للفلسفة في الوقت الراهن، يدعو هذه الأخيرة: " أن تنفتح على العلوم الأخرى، وأن تهتم بالثالوث المعرفي الذي يتمثل في العلم التقني والعلوم الإنسانية والفنون [ لكي تتمكن ] آنذاك أن تكون بمثابة الفكر الذي يسهر على الحداثة كإبداع للمستقبل"(23).
هنا بالذات، يتموقع الخطيبي ككاتب، اختار مواضيعه بعناية شديدة، من خلال مطارحاته وتصوراته الإيستمولوجية عن طبيعة الفلسفة والعلوم والفنون بالتحديد. وهكذا اشتغل على الثقافة الشعبية، مازجا بين الإبداع والمعرفة العلمية، دون أن يكون باحثا عن آثار يصنفها ويرتبها. واشتغل على التاريخ، دون أن يكون مؤرخا محترفا يعتني بالحدث التاريخي في حد ذاته، بقدر ما اهتم بمفعولاته على صعيد الممارسة الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية، وبالتالي كسيرورة تاريخية معقدة وقابلة للتفجير والتفكيك. واشتغل في حقل الفلسفة دون أن يدخله، تاركا وراءه تاريخها الطويل دون أن تستهويه فكرة النسق والبناء الفكري المتكامل، جاعلا من الفلسفة سلاحه النقدي العنيد في مناقشة قضايا شائكة خطيرة، ومن طبيعة متباينة.
- المغرب أفقا للنقد:
كان المغرب كموضوع، إحدى الانشغالات اللافتة للانتباه في المسار الفكري والإبداعي للخطيبي.
لا تعود أهمية الموضوع، إلى كمية الأبحاث التي خصصها الخطيبي للمغرب سوسيولوجيا أو سياسيا أو ثقافيا؛ بل لها بالتحديد، بعد رمزي لا غبار عليه. كيف ذلك؟
سنوضح علاقة الخطيبي بالمغرب كموضوع رمزي، من خلال تسجيلنا للملاحظات الآتية:
أولا: يتحدث الخطيبي عن المغرب في سياق خاص جدا، أي كأفق للفكرLe Maroc comme horizon de pensée ؛ والأفق بهذا المعنى يتشكل من صور وعلامات لا تنكشف لأول وهلة.
المغرب في الأفق، يعني بالضبط، أنه ليس مجموعة من الحقائق الجاهزة. إنه ذات قائمة، منفتحة على الآفاق الأخرى، لكن عناصرها ما زال يكتنفها الغموض. لهذا من اللازم أن نقترب منها أكثر، قبل أن نقوم بتصنيفها على مستوى الانتماء والوجود والكينونة: "كثيرا ما تفلت مسألة المغرب من هؤلاء الذين يسكنون فيه، فجذور الإنسان الطوبوغرافية لا تمنح كعطية بالولادة للذين يقيمون في الأرض التي ولدوا فيها"(24).
ثانيا: المغرب أفقا للفكر، فضاء من الرموز والعلامات التي لم يتم تفكيكها بعد؛ إذ في النظر إلى الأفق، يبدو المكان جزئيا وكليا في آن واحد. لكن في الحركة تجاه الأفق، تظهر آفاق غير متوقعة، بمعنى غير معروفة سلفا، مما يستدعي المشي في اتجاه الأفق بسلاح السؤال، لا بسلاح الأجوبة الجاهزة.
المغرب كأفق، قصيدة مبعثرة لم تتجمع بعد عناصرها وأطرافها. إنه استعارة Une métaphore بالمعنى النيتشوي للكلمة، والاستعارة تدخل عنيف في قارة الحقائق والأنساق. وبعبارة واحدة، فإن المغرب هو موضوع النقد ومجاله بامتياز. يقول الخطيبي: " من اللازم على المغرب كأفق للفكر أن يتجه صوب الزمن المتعدد لمغرب لا ينسى، والذي لا يمكن أن يكون محاصرا، لا من طرف قانون البشر،La loi des hommes ، ولا من طرف السياج الميتافيزيقي"(25).
في هذا السياق بالذات، ينتقد الخطيبي ما يسميه بالخطوط الثلاثة المهيمنة على تاريخ المغرب وحاضره، ويعني: التراثوية – السلفية العقلانية(26).
ثالثا: ليست هناك أي حدود فاصلة وواضحة المعالم في نصوص الخطيبي، بين المغرب Le Maroc والمغــــرب الكبيـــرLe Maghreb فمنذ توقيعه لافتتاحية ذلك العدد الخاص الذي أصدرته المجلة الشهيرة Les Temps Modernes " الأزمنة الحديثة" حول موضوع المغرب الكبير Du Maghreb مع صديقيه المغاربيين: نورالدين العبدي وعبد الوهاب مودب، بقي الخطيبي يتحدث ويكتب، بصيغة واحدة وفي ضوء نفس الهواجس والتوترات الفكرية والإبداعية عن المغرب، والمغرب الكبير؛ أي المغرب باعتباره غير مفكر فيه، بمعنى باعتباره موضوعا مهمشا ومقصيا من انشغالات الحاضر السائد: " إن المغرب الكبير الجذري يظل لا مفكرا فيه impensé ، وكلمة جذري، لها معنى مزدوج: جذورا وقطائع" (27).
رابعا: ترتسم في السيرة الفكرية لعبد الكبير الخطيبي صورة المغرب كموضوع غير مدروس، على مستوى الدراسة العلمية الرصينة. إنه يعتبر أن هناك إقصاء مقصودا لقضايا المغرب الشائكة والخطيرة: " هذا المغرب البديع، يوجد في طور التدمير، إذ تلف اللامبالاة ذاكرته وبمعنى ما فإننا نستمر في هذا التدمير الذي أدخله الاستعمار والأثنولوجيا"(28).ويوجه كلامه إلى المثقفين المغاربة قائلا: " ليس هناك شيئا كبيرا [في الثقافة] المغربية حول الطبقات الاجتماعية والدولة وحول تحولات المجتمع المغربي (…). إن ما لم يأخذه المثقفون على عاتقهم، هو العلاقة بين المجتمع والسياسة والدين، وهو شيء مهم"(29).
خامسا: في تصوره للمغرب، يقف الخطيبي ضد كل نزوع تراثوي فخور بالإسهام العلمي للحضارة المغربية في التاريخ: إن التراثوية بهذا المعنى " ليست التراث، بل نسيانـــه(30). لأن التراث بالنسبة إليها، أصبح ينتمي إلى مجال المقدس والمطلق لا إلى مجال النقد.
بالنسبة إلى الخطيبي: فإن: " المغرب لم يفد بالمعنى الحقيقي من فكر فلسفي (عظيم) علمي أو أدبي"(31)، إذ حتى : " ابن خلدون ليس للمغاربة وحدهم، فقد كانت رسالته عربية"(32).
لم يشارك المغرب بالنسبة إلى الخطيبي، في الثقافة العالمة، أي المكتوبة، إلا بشكل هامشي، إذ إن أشكال انزياحاته الجمالية والثقافية والاجتماعية واللغوية ظل يطالها النسيان والإقصاء: " إن المسألة البعيدة ما تزال محجوبة المغرب القديم الذي لا أبجدية له، يدخل في جسم الشعب، في جوف الطغيان التاريخي"(33).
هذه بالذات هي ملامح المغرب في صيغة الأفق، أي كما تخيله الخطيبي ولفت الانتباه إليه، طيلة سيرته الذاتية من جهة وسيرته العلمية من جهة أخرى، إذ لا فرق، كما نعتقد، بين السيرتين، حين تتحول الكتابة نفسها إلى ما يمكن تسميته بـ : " كتابة قلبية"(34) تجعل من ممارسة الكتابة لعبة: " تخرج على المنطق فيما هي داخله"(35).
في سياق المنطق واللامنطق تدخل ذلك الناقد المغربي الذي اسمه الخطيبي، في موضوع اسمه المغرب، حساس، خطير واستراتيجي بالنسبة إليه.
وضع أصابعه على بعض جروحه وشروخه، وبحث عن أسباب حياته من خلال محاولة لتشخيص بعض أسباب موته. والأهم، بغض النظر عن طبيعة مواقفه ومطارحاته الفكرية مع بعض أبناء جيله من المغاربة وغير المغاربة، أنه لم يدعونا يوما إلى اعتناق مذهبه إن كان له أصلا فكرا يشبه المذهب. ولم يطلب منا حتى الاحتفال به كما يحتفل بغيره؛ بل سار وحيدا يلفت انتباهنا، يشتغل في صمت وتواضع؛ يستفز معرفتنا من حيث يقلق طمأنينتنا ويدعونا إلى المغامرة، معترفا بمحدودية مغامرته وتجربته، من حيث تحول هو ذاته إلى قصيدة؛ إلى أفق يستلزم السفر إليه، بقدر ما يستلزم تفكيكه، ونقده ومساءلته، أعني تجاوزه…!
ـــــــــ
(4)- الخطيبي: المرجع نفسه ، ص 10.
(5)- عبد الكبير الخطيبي: حوار م.س، ص 97.
(6)- عبد الكبير الخطيبي: " الباحث الناقد"، ترجمة ع الله راجع مجلة الكرمل، ملف حول الثقافة المغربية، العدد 11، 1984، ص 194.
(7)- عبد الكبير الخطيبي: نفسه، ص 194.
(8)- من حيث إن النقد : " هندسة للذهن "، يتحدث الخطيبي عن ثلاث حركات نقدية: " النقد الدائري، يقول الشيء نفسه بواسطة تطوير يعود دائما فيما هو ينكشف على أعقابه، إلى نقطة انطلاقه (…) [و] يرغب في توحيد الزمن دفعة واحدة … 2- النقد الخطي: يتأسس هذا النقد كنظام له بالتأكيد بداية. لكن النهاية ليست مجزأة في داخلها فحسب، بل إنها مفصولة عن البداية وعن كل شيء. 3- النقد المنتظم: هو بداية مطلقة، أفقه ليس مرمى نهاية أو مقصد، بل بالقياس إلى نقطة " هجومه" وقوة ضربه (…) إنه يبدأ بشكل ما دون نهاية" – ن.م، ص 195.
(9)- Cité In, Marc Gontard, violence du texte, l’harmathan, Paris, 1981, p. 81.
(10)- عبد السلام بنعبد العالي: " الخطيبي والتراث الفلسفي" في : التراث والهوية، دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب، دار توبقال، الدار البيضاء 1987، ص 45.
(11)- نور الدين أفاية: " بين الهامش والاختلاف / مقاربة لفكر عبد الكبير الخطيبي في : الهوية والاختلاف، دار إفريقيا الشرق، 1988، ص 80.
(12)- نفســــه، ص 80.
(13)- رولان بارط، " ما أدين به للخطيبي" في " عبد الكبير الخطيبي، الاسم العربي الجريح، ترجمة م. بنيس، دار العودة، بيروت، 1980، ص 13.
(14)- Julia Kristéva : Recherche pour un sémanalyse, éd. Seuil, paris 1969, pp. 52.
(15)- يتحدث الخطيبي عن نقد مزدوج، مهمته الاستراتيجية كما يلي:
" 1- تقليص المفهومية الميتافيزيقية الناتجة عن المصدرين: المصدر الغربي… ومصدر الثقافة العربية (..)
2- أن نعيد التفكير في مقومات وإيجابية العلوم الاجتماعية الرائجة على ضوء إدراك مختلف للتاريخ: (..)
نريد التاريخ بصفته ممارسة نقدية لما يحدد وجودنا هنا والآن. وإذا حررنا مشكلة التاريخ: فمعنى ذلك أننا سنزعزع دعائم النظام المسيطر للمعرفة الحالية".
- الخطيبي: " سوسيولوجيا العالم العربي ( مواقف) " في: النقد المزدوج، ترجمة) دار العودة، بيروت 1980، ص ص 163-164.
(16)- ن.م.، ص 163.
(17)- ن.م.، ص 158.
(18)- ن.م.، ص 161.
(19)- ن.م، ص 164.
(20)- ن.م، ص 164.
(21)- Pierre Bourdieu : Questions de sociologie, paris 1980, p. 49.
(22)- الخطيبي: سوسيولوجيا…، م.س، ص 162.
(23)- عبد الكبير الخطيبي: " العلم والتقنية والفلسفة " مداخلة في الجمع التأسيسي للجمعية الفلسفية المغربية 1995 في: مجلة مدارات فلسفية، العدد الأول 1998، ص 8.
(24)- الخطيبي: " المغرب أفقا للفكر في" النقد المزدوج، م.س، ص 13.
(25)- Abdelkebir Khatibi, Penser le Maghreb, SMER, Rabat 1993, p. 132.
(26)- A. Khatibi, Maghreb pluriel ed. Denvêl, paris 1983, pp. 24-25.
يقول الخطيبي: " نسمي التراثوية، الميتافيزيقا المختزلة في اللاهوت (…) كما نسمي السلفية الميتافيزيقا التي تتحول إلى مذهب (…) ذلك الذي يكون تصالحا بين العلم والدين، بين التقنية واللاهوت (…) نسمي عقلانية الميتافيزيقا التي تحولت إلى تقنية (…) ص ص 24/25.
(27)- A. Khatibi, N.Abdi, A. Meddeb : présentation, In les Temps Modernes (Du Maghreb) Octobre 1977, 33 année, n° 375 bis, p. 5.
(28) – Khatibi, penser le Maghreb, op.cit, p. 132.
(29)- Ibid, p. 106.
(30)- Ibid, .p.29.
(31)- الخطيبي: "المغرب أفقا للفكر"، م.س، ص 20.
(32)- نفسـه، ص 20.
(33)- نفسه، ص 21.
(34)- محمد بنيس ( مقدمة المترجم) في ع الكبير الخطيبي: الاسم العربي الجريح، م.س، ص 9.
(35)- ن.م، ص 9.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 3rd, 2008 at 3 يوليو 2008 7:59 ص
عبد الكبير الخطيبى اناء شاب من ليبيا مازيغى ارجو افادتى بنقوش الامزيغيه
أكتوبر 24th, 2008 at 24 أكتوبر 2008 7:23 م
اناء من ليبيا ممكن افادتى بالنقوش الامازيغيه