مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

المبدع المغربي جمال الموساوي شاعر زاده "الاقتصاد في اللغة و شساعة المعنى"

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 26 يناير 2008 الساعة: 10:19 ص

بورتريه

المبدع المغربي جمال الموساوي

شاعر زاده "الاقتصاد في اللغة و شساعة المعنى"

عبد الرحيم العطري

ذات فجر سبعيني، جاءنا جمال الموساوي من جبال الريف، يبغي امتشاق مسالك المعنى، لفهم ما يعتمل في وطن بحجم غرفة انتظار، جاءنا مسكونا بأمجاد محمد بن عبد الكريم الخطابي و كل ضحايا عام إقبارن، جاءنا مثخنا بجراح الذاكرة الجمعية و لذة البحث عن السؤال، و مضى يتعلم من شموخ الجبل و قوة الشجر كيف يكون الانتماء للشعر و الانتصار له ضدا في كل فنون القول الأخرى. جاءنا جمال الموساوي مغرما بحب اللغة و منقوعا في ممكنات التأمل و الإبحار، يفكك اللحظة، يسائلها، يعنفها، يعيد بناءها و يهديها ختاما انزياحا نحو البهاء.

لهذا فقد أبان في سنوات التحصيل الأولى عن انشغال قوي و لذيذ بالحرف و السؤال، بالرغم من اختياره مسارا اقتصاديا في تدبير زمنه الدراسي، فالشعر عشقه القديم، يتوسل به لهزم اليومي و تفجير ألغامه لمحو البداهة و الاندهاش، و كأني به يستدمج قول بورخيس، و هو يذكرنا بسلالم الاختراق، و هو يقول:" يلزم سلم للصعود. الدرجات ناقصة. عم يمكن أن نبحث في قبو..سوى ما تكدسه الفوضى؟ لا أحد يجرؤ على الاختراق"، لكن جمال أصر على اختراق التفاصيل و محو دهشة البدء، لينطلق في مدارات القصيد ينكتب و يحترق بجمر أسئلته الشقية، في كتاب الظل مدينا للصدفة و قوة الأشياء.

سيحتفظ حينا بكتابات البدء في كراساته اللذيذة، لا يقرأها إلا قلة من الأحبة، لكنه سيعلن عن انتمائه لبحيرة الشعر مبكرا، و قبل أن يحتفل بربيعه العشرين، سيصير كاتبا مائزا بعدد من المنابر الأدبية من المحيط إلى الخليج، لكنه سيدمن صناعة الشعر بدون ضجيج، في الظل كما كتابه، و بدون توصية من أحد، هي الصدفة تصنع القصيدة، هي الصدفة في انفتاحها و انغلاقها تعلن ميلاد شاعر جميل، يسافر بقارئه إلى اختراقات المستحيل.

في فجر التسعينيات سيلتحق جمال بشعبة الاقتصاد ليتخرج من كلية الرباط متأبطا شهادة الإجازة في ذات التخصص، و دون أن يفرط في الشعرية و الانكتاب، فذاك قدره مذ كان بجبال الريف التي تسألها الرائعة سعيدة فكري دوما عن سر حزنها العميق. و لأنه الشاعر و الاقتصادي في آن، فإنه شعره سيكون متأسسا على اقتصاد في اللغة مقابل الشساعة في المعنى، إنه خفيض الصوت، مقل في الكلام، ينصت أكثر، و عندما يهدينا قصيدة لا يمنحنا غير ركاما من الكلمات، بل مدارات من المعاني البهية، هكذا هو جمال الموساوي يشتغل على الشعر بروح الاقتصاد.

تنتمي نصوص الشاعر و الصحفي جمال الموساوي إلى زمن إبداعي مختلف يشي بكثير من المعاني و يعد بكثير من التميز و الاختلاف، فيكفي أن نعرف أن الشاعر يكتب الشعر منذ زمن ليس بالقصير، و في صمت صوفي بعيدا عن كل ضجيج مفتعل بغاية استجداء الشهرة المزيفة، إنه يمارس الشعر بكل امتلاء و يتأمل العالم من بحيرة الشعر، ليهدينا في كل صبح و مساء مزيدا من الشعر الذي يغني للحياة و يحتفي بالإنسان في مختلف أحواله و سائر إشكالاته.

لقد هاجر إلى الشعر حبا لا امتهانا، و مضى يكتب في صمت، يشحذ مقولاته، ينقلب عليها، يراوغها و لا يقتنع بها، إنه يقطع مع كل نزوع وثوقي، فلربما الـ"كلنا" مجرد ظلال تبعا للتفسير الأفلاطوني، ظلال، كما جاء في المتن الفلسفي، تنعكس على جدران الكهف، نحسبها حقيقة لا يرقى إليها الشك، لهذا سيكتب كتاب الظل في الظل، و سيهديه للقارئ المغربي عن طريق مشروع الكتاب الأول لوزارة الثقافة، مع مطلع الألفية الثالثة، حينها سيعلن للمشهد الثقافي من أقصاه لأقصاه أنه شاعر جدير بالقراءة، لهذا لم يكن مستبعدا أن يحوز كتاب الظل مباشرة بعد صدوره جائزة بيت الشعر بالمغرب لأفضل أول مجموعة شعرية، و هو ما يؤكد الامتياز و النبوغ.

بعد الشعر و الاقتصاد و التميز سيجرب جمال الانتماء لمهنة المتاعب، سيلتحق بجريدة العلم، صحافيا مهنيا من مدرسة القلق و التحليل النقدي، لا من آل التبرير و التواطؤ الذين ضاقت بهم الجرائد، فالموساوي حسم الاختيار مبكرا، مفضلا تجذير الانتماء إلى الذين هم تحت، متحدثا باسمهم، مداعبا لآمالهم و همومهم، مستحضرا قول الراحل بول باسكون الذي يؤكد بأن عالم الاجتماع هو ذاك، و بالضرورة، الذي تأتي عن طريقه الفضيحة، فالصحفي كما عالم الاجتماع، لا معنى له بعيدا عن فضح اللعبة و تشفير الخطاب و قراءة ما يرقد خلف الظاهر، حيث تكمن المعرفة على حد قول غاستون باشلار.

" السكين دسوه في القيثارة، التلغراف تحت الوسادة، الوجوه في أقنعة عميقة، الايدي المخملية في قفازات حديدية، أوراق اللعب تحت الطاولة، الكأس في الخزانة، من وقتها كل شيء ما صار واضحا"، هكذا غرد ريتسوس يوما، لكن بالانتقال إلى المتن المغربي، فما كل شيء صار ملء الوضوح و الانكشاف، لهذا سيدمن شاعرنا و صحفينا المشاغب، صناعة التعرية لا التورية، متوجها بتحقيقاته و مقالاته و حواراته إلى المسكوت عنه، قافزا في كثير من المرات على ما ينحته حراس البوابات الإعلامية من خطوط حمراء.

و لعل انتماءه المهني لحقل شغب بامتياز، و انشغاله المعرفي بالعلوم الاقتصادية، فضلا عن مراسه في الحياة، و انحداره من شموخ جبال الريف، كل ذلك جعل سؤال الإنسان من أكثر الأسئلة حضورا في متنه الشعري، فتيمة الإنسان تظل بارزة للعيان في مختلف قصائده، و في ذلك تأكيد بالغ على الالتزام الشعري الذي بدأنا نفتقده آنا بسبب الهروب نحو الرمزية المفرطة بدعوى الانتماء القسري لكتابات ما بعد الحداثة، لكننا مع الشاعر جمال الموساوي نكتشف شعرا فائق العذوبة ينساب بنا نحو مغاليق الذات و نحو شجونها و موالها الذي نكتشف نهاية أنه موالنا جميعا .

في إبحاره الشعري الجديد يوصي الذات و الآخر بأن يكونا كما الاشتهاء، لا كما يفترض أو يتوجب بقهر الواقع، إنه الانقلاب على الجاهز و التوق للممكن، هكذا هو جمال يردد بحسه الشعري، بين الدروب الظليلة، صدفة أو خطأ أو قصدا و عفوا، لا يهم، فلا أهم من صوغ فكرة و القذف بها بعيدا في اللانهائي، " لا تكن طريقا إلى النهار..و لا بابا للشوق إلى ما لا أجد..كن هناك قرب عتمة في الروح. قرب ما يفر إلى الضوء من أحلام، ومن سلام لا يدرك.".

إنه شعر بدون ضجيج، و إنه شاعر شفاف لم  يلهث يوما وراء "الإخوانيات" التي تبصم المشهد الثقافي، إنه شعر لا يحتاج إلى تأشيرة عبور، و قد لا يحتاج حتى إلى من يقدمه أو يبرر ضرورته، لأنه يأسر قارئه منذ الوهلة الأولى، اعتبارا لتنوعه و غناه بالصور و الدلالات الشعرية العميقة، و لا أدل على ذلك غير العتبات التي يختارها الموساوي لدواوينه و قصائده، المتأسسة قبلا على حكمته الأثيرة "الاقتصاد في اللغة و شساعة المعنى".

"إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا" هكذا قال أمبريتو إيكو قبلا، فلا معنى للانوجاد بدون حلم نسعى لتحقيقه و لو في العمر من الميت من مسارنا الافتراضي، إن جمال الموساوي، و بالتوصيف الصوفي و المناقبي، أي "ما هو عليه، ما يفعله، و ما يعرفه"، لا يفرط في أحلامه مهما علا موج الرداءة، و مهما كانت مساحة الجرح أعمق، إنه يستمر في رتق الحلم الشفاف و نسجه في أحلك اللحظات، في برودة الظل، تحت الأضواء، قصدا و عفوا، مدينا في جميع الأحايين للصدفة في شموخها و براءتها، فهنيئا لنا بمبدع كتاب الظل مدينين معه، لصدفة خير من ألف ميعاد.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “المبدع المغربي جمال الموساوي شاعر زاده "الاقتصاد في اللغة و شساعة المعنى"”

  1. إنه شعر بدون ضجيج، و إنه شاعر شفاف لم يلهث يوما وراء “الإخوانيات” التي تبصم المشهد الثقافي، إنه شعر لا يحتاج إلى تأشيرة عبور، و قد لا يحتاج حتى إلى من يقدمه أو يبرر ضرورته، لأنه يأسر قارئه منذ الوهلة الأولى، ……….

    يكفيه هذا الكلام ليجعله منارة تضيء في سمائنا الملبدة بالعفونة والروائح الرخيصة…الف تحية للاديب المبدع المغربي جمال الموساوي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين