مرحبا بكم في فضاءات الحرف و السؤال

 


إن عالم الاجتماع، هو ، و بالضرورة ، ذلك الذي تأتي الفضيحة عن طريقة

الراحل خطأ بول باسكون

الشرجان و FM

كتبهاعبد الرحيم العطري ، في 12 فبراير 2008 الساعة: 21:05 م

الشرجان و FM

سيمعن في التأخر كما العادة ، ليست المرة الأولى التي " يفعلها " في منتظريه من المسافرين جنوبا ، و لن تكون المرة الأخيرة حتما ، هذا هو القطار FM الرابط بين فاس و مراكش ، يتأخر دوما عن موعده ، كأنه لا يريد المرور من هذي الرباط المنمسخة ، " أنا الأدرى بمواعيد القطارات في هذه الحفرة اللعينة ، أنا الذي خبرتها مذ كان " الكاطريام " و كان" الخير و الخمير " ، مذ كانت التذاكر من الورق المقوى ، و " الكانتينة " في الخلف لمن يريد أن يهزم العطش و الحرارة بماء أشقر "…

****

سيتأخر ابن الكلب لنصف ساعة و أكثر ، و كيف يتأخر كل هذا الوقت و هو يقل الفاسية بنت القاع و الباع التي سرقت القلب ذات مساء بعيد ؟ ألا يعلم السائق اللعين أن الشرجان الغازي ينتظرها على أحر من الجمر ؟ إنه ينتظر" بنت العروق لا الخروق" التي سحرته كما الجنية بابتسامة فقط ، جعلته يضرب عن حمل أمتعة الناس مساء كل أحد في رحلة إيابها نحو الجنوب ، فقط يكتفي بتأملها من وراء الزجاج ، طامعا في ابتسامة فقط ، لكن القطار ال FM  لا يريد المجيء ، عليه اللعنة…

****

أخيرا ها صوت المنادية يطلب من مسافري الدرجة الأولى قبل آل الدرجة الثانية الالتحاق بمقدمة القطار ، دوما الذين هم فوق ، لا يرضون بالخلف مطلقا ، إنها تؤكد أن " القطار الرابط بين فاس و مراكش و المتوجه إلى ………سيدخل المحطة بعد قليل " ، لكن هذا " القليل يصير عندي بالساعات ، لقد اشتقت إلى الفاسية بنت القاع الباع ، هذا ما أخبرني به مراقب التذاكر لما التقط حديثا عن الأصل و الفصل و العمل دائرا بينها و بين  نساء جلسن إلى جانبها بالمقصورة ، لقد أكد لي أنها طبيبة من عائلة فاسية تعمل بنواحي مراكش ، و تزور عائلتها يوم الجمعة  لتقفل عائدة إلى مقر العمل مساء الأحد، و الأهم من ذلك كله أنه على باب الله بلا زواج لحد الآن  "

****

الشرجان الغازي يعدل وضع قبعته ، يعدل وضع نظارته السميكة ، يعدل وضع " بادجه" الذي يحمل صورته و اسمه ، و يشير إلى أنه حمال بمحطة القطار الرباط المدينة ، يعدل كل شيء حتى ما يرقد في أعماقه من إحساس باللاجدوى ، منذ خرج من " تاشارجانيت " صفر اليدين ، يعدل و يعدل في انتظار تعديل أكبر و أشمل ، القطار إياه يطلق صافرة الوصول ، الفاسية بنت القاع و الباع ستكون حتما ، و كما العادة ، بالمقصورة رقم واحد ، من عربات الدرجة الأولى طبعا ، سيقترب من نافذتها ، ليقرئ لها السلام ، سترد عليه بابتسامة ساحرة ، سيظل الشرجان محملقا في تفاصيل وجهها الحليبي ، إلى أن يطلق السائق اللعين صافرة الذهاب .

****

" هذه المرة سأفرغ أمامها ما يجيش في الأعماق ، سأخبرها أني غارق في حبها حد الجنون ، سأطلب منها ألا تهتم لشكلي و وضعي الاجتماعي ، فأنا أحمل في أعماقي أمجاد المارشالات و أخلاق النبلاء ، إني و حق الرب نبيل معتق ، و ربما نلتقي معا في الجذر المشترك ، فجدي الثامن و الثلاثين قدم من الأندلس ، كما عائلتها الموريسكية ، عشية تفاهات ملوك الطوائف ، أي نعم أنا الحمال آنا و الشرجان قبلا ، لكني بين الأمس و اليوم أظل المارشال الغازي الذي أرهب الفرنسيس و عجل برحيلهم من هذا الوطن ، أنا من لقنهم درس الدرس ، و جعلهم يجرون ذيول الهزيمة و العار "

****

يحدث نفسه طويلا ، و هو يتأمل الدكتورة الفاسية ، و هي تسترق النظر إليه من حين لآخر ، تريد أن تفهم فقط لما يتسمر هذا الحمال مساء كل أحد قبالة نافذتها ، و يمطرها بهذه الابتسامات ، " ربما يريد المزيد من الصدقات " ، لكن ما ترسله له من دراهم معدودة  مع مراقب التذاكر الذي تنتهي مهمته بالرباط المدينة ألا يفي بالغرض ؟، إنها تشفق لحاله ، فتجاعيد وجهه تفضح بؤسه الغائر و هشاشة عيشه القصوى ، لكنها لا يمكن أن تقدم له أكثر من خمس دراهم في الأسبوع ، إنها طبيبة في مبتدأ الطريق ، و أجرتها لا تكفي حتى لتدبير مصاريف النقل و الكراء و المأكل و الملبس ……….و الحليب الاصطناعي لطفلها البهي .

****

المراقب اللعين سيغادر ال FM ، الشرجان الغازي ينتظره قريبا من عربة الدرجة الأولى ، الدقيقة المخصصة للنزول و الصعود احتضرت ، السائق اللعين يطلق عجلات القطار للريح ، الشرجان الغازي يأخذ المراقب الذي استحوذ على خمس دراهم كما كل المرات السابقة ، سيأخذه نحو المطعم العلوي ليطعمه و بعدها إلى الحانة المقابلة للمحطة كي يروي عطشه الأشقر و ربما الأحمر ، و كل ذلك أملا في أن يخبره بتفاصيل جديدة عن حياة الفاسية بنت القاع و الباع ، المراقب اللعين سيحيك له آمالا من الوهم الكاذب ، سيخبره على " دق " الكؤوس أنها تحبه ، و أنها تريده أن يتكلم ، لكن ليس الآن ، بل في الشهور القادمة أو من الأفضل في العام المقبل .

****

" سأنتظرها العام تلو الآخر ، سأنتظرها ما دامت تحبني ، و في النهاية سنتزوج و ننعم معا بالسعادة و الهناء ، إنها لا تهتم للفوارق الطبقية ، و من قال أن هناك فوارق طبقية ، فأنا الشرجان الغازي الموريسكي الذي يحمل في أعماقه نبل الملوك العظام ، و أنا الحمال الذي يحمل عن الناس حقائبهم ، و كما يقول المثل " خديم الناس سيدهم " فأنا سيدهم بلا منازع ، و هي طبعا ، و مهما راكمت من شهادات و ثروات فستظل أقل مني بكثير ، أنا الشرجان الغازي و من لا يعرفه "

****

قبل أن ينتهي المراقب اللعين من ارتشاف آخر كأس على حساب الشرجان الغازي طبعا ، أخبره بأنها تريد منه بريده الإلكتروني ، كي تتحدث معه على الماسنجر ، الشرجان بفاه فاغر و عينين ذابلتين أعياهما دخان السجائر الشقراء التي يدخنها المراقب إياه ، و على حساب الغازي طبعا ، يحاول أن يفهم ما البريد الإلكتروني ؟  و ما الماسنجر ؟

يتركه اللعين في عمق الحانة غارقا في بحث عن معنى مفترض لهذه "البوسطة ليليكترونيك" و هذا" المص جر "، لا يلوي على شيء ، فهو لا يعرف إلا البوسطة التي يتسلم منها ثلاثمائة درهم كل ثلاثة أشهر كراتب عن مجموع خدماته العسكرية ، و لا يعرف إلا " حك جر " التي تذكره بلياليه الحمراء الفائتة برفقة" الشيخات "، فأنى له و فهم ما تعنيه هذه الكلمات المفتوحة على القارة السابعة من عوالم الإنترنيت ؟

****

" ربما تريد أن أرسل إليها نقودا عن طريق" المانضا إليكترونيك " ، ربما أعجبتها كثيرا و تريد أن ترقص أمامي على إيقاعات " حك جر " ، لهذا غيرت من نطق الكلمتين حتى لا يفهم " الرقاص " اللعين مراقب التذاكر الذي يفرغ جيبي ، أي نعم إنها ترغب في الانتشاء بلقاء تاريخي مع الشرجان الغازي ، ستحظى بشرف عظيم ، لم يسبق لسيدة قبلها أن حازته ، ف "قصارة" الشرجان الغازي تسير بذكره الركبان ، و لما يرفض التصديق ، ما عليه إلا أن يسافر بين السهول و الجبال و الوديان ليسمع عن ليالي الشرجان و ما أدراك ما الشرجان "

****

تندلق الآحاد بشكل متسارع ، الشرجان الغازي يتسمر كما العادة أمام المقصورة رقم واحد من العربة الأولى ، الطبيبة الفاسية تبتسم له ، تسلم خمس دراهم، صدقة لوجه الله ،  للمراقب الذي تنتهي مهمته بالرباط المدينة، فلبرما تيسر لها هذه الصدقات الانتقال إلى مدينتها قرب زوجها و طفلها البهي ، السائق الذي يكره الرباط يطلق صافرة المغادرة في حدود الدقيقة ، الشرجان الغازي يأخذ المراقب اللعين الذي يستحوذ على الصدقة ، إلى المطعم و منه إلى بائع السجائر فالحانة ليشرب المياه و السجائر الشقراء ، يخبره مرات أخرى بحكاية البريد الإلكتروني و الماسنجر ، و يبدع أشياء أخرى من عندياته ، حتى يأتي على ما رقد في جيب الشرجان من فلوس .

****

تتكرر الحكاية بنفس تفاصيل البهاء و الألم مع قطار المساء ، يتعملق الحب في خافق الغازي ، تكبر الابتسامة في شفاه الطبيبة ، و يكبر الشره و الخبث في أعماق المراقب اللعين و يستمر قطار المساء في التأخر كما العادة ، سيمعن في التأخر كما العادة ، ليست المرة الأولى التي " يفعلها " في منتظريه من المسافرين جنوبا ، و لن تكون المرة الأخيرة حتما ، هذا هو القطار FM الرابط بين فاس و مراكش ، يتأخر دوما عن موعده ، كأنه لا يريد المرور من هذي الرباط المنمسخة ، " أنا الأدرى بمواعيد القطارات في هذه الحفرة اللعينة ، أنا الذي خبرتها مذ كان " الكاطريام " و كان" الخير و الخمير " ، مذ كانت التذاكر من الورق المقوى ، و " الكانتينة " في الخلف لمن يريد أن يهزم العطش و الحرارة بماء أشقر "… يحدث الشرجان الغازي طويلا محاولا فهم البوسطة ليليكترونيك من المص جر …..فهل يفهم اللعبة ؟ و هل تنتهي اللعبة أصلا ؟

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

إننا نموت عندما نتخلى عن أحلامنا

أمبيرتو كويهلو



وطني و إن لم يعشقني، و أنا الذميم الجلف، كعشق فتاة لفارسها الوسيم، لم يعد وطني، إنه سجن بلا قضبان

باكونين