الأطفـــال ومتطلبات التحصـين ضد التصرفات الإنحرافيــة
ـ ملاحظات أوليــة ـ
ـ
|
إعـــداد الأستـــاذ :
عبد الله أبو أيــاد العلــوي
أستاذ بالمعهد الملكي لتكوين الأطر
الربـــــاط
الهاتف النقال:073.97.82.09
الهاتف الثابت : 037.39.11.02
الأطفـــال ومتطلبات التحصـين ضد التصرفات الإنحرافيــة
ـ ملاحظات أوليــة ـ
بقلم: عبد الله أبو أيــاد العلــوي
أستاذ باحث في سيكولوجية الانحراف
في ظل مناخ نفسي اجتماعي يعاني فيه الإنسان من هيمنة ثقافة السمع بلا فهم. أي السمع الذي يقابله الكلام الموجود بالخوالج، والذي يعتبر لدى صاحبه؛ هو الصواب وان ما نسمعه من الآخرين، مجرد هراء. وأنهم لا يأبهون بالصواب ولا يبحثون عنه. في أوضاع تتشكل فيها شخصية الإنسان وقناعاته من النزعات والرغبات الفردية والانتماءات العصبية. المعطلة للقدرات العقلية والمعيقة للفهم. والمحاصرة في البحث عن براءة الذات وإدانة الآخرين…
حيث يحتدم الجدل وتستتب مضاعفات العجز عن الاستماع، فتتحول إلى ثقافة سائدة. فتنتج الحاكم المستبد، الذي لا يسمع إلا لنفسه. والمربي الانتهازي الذي يوظف هذه الثقافة في تحقيق أغراضه الخاصة، وتخريب كل جهد إيجابي، والبيروقراطي الذي لا يصرف سوى لجة التعليمات.
أو الأبويين السلطويين والمربي والمدرس الذين ينشئان الأحبال على ثقافة الصمت والغش … في ظل هذا المناخ الذي تحطمت داخله كل سبل وجسور التواصل وفشل المشروع التربوي وهيمنة الإجتماعات الاستعراضية العقيمة واللقاءات والندوات الفاشلة. وتحول القنوات والمنابر الإعلامية، إلى مجرد أبواق للدعاية وتسويق ثقافة الفقر وتنمية التخلف. فلا تجد المشاعر والانفعالات المحاصرة سوى آليات الأذى والكيد. وحياة الهامش كآليات دفاعية لحماية الذات دون التفكير في ترقيتها نحو ما هو مثالي… ولعل التصرف الإجرامي عامة والتصرف المنحرف لدى الأطفال والناشئين بالخصوص ما هو إلا إفراز طبيعي لهيمنة هذا المناخ النفسي الاجتماعي الذي لا يأبه بما يقدمه البحث العلمي في هذا الصدد من نتائج –على قلتها وضيق نطاقها- لأن المستبد لا يأبه بالعلم إلا عندما يستثمره في تسويق منتوجه الاستبدادي، فلا ريب بأن العدو رقم واحد لدى الحاكم المستبد هو المواطن الذي يرى في تعليمه وتربيته على التفكير والإبداع والاختراع والتنظيم على قواعد العدالة والمساواة وتجدد الفاعلية… خطر على هذا الحاكم الذي يحمي نفسه باحتكار العلم والدين والثقافة وخوصصة الاقتصاد. ليحوله إلى ملكيات خاصة بيد أعوانه – وإن تم ذلك نحت مسميات مختلفة- وعليه يرى في انتشار التصرف الانحرافي والإجرامي لدى الأطفال والناشئين، هو أداة توازن تحفظ للحكم استمراريته بهيمنة متجددة تكرس الفقر والتخلف في أوساطهم وتقوي ثقافة الفقر في البرامج والمناهج السائدة داخل كل المجالات المتحكمة في عملية التنشئة الاجتماعية..
دون الانطلاق من هذا المناخ ومحاولة فهمه بشكل جيد يصعب على الباحث الحديث عن ملامح السياسة الوقائية الواجب اعتمادها لتحصين الأطفال والناشئين ضد التصرفات الانحرافية عامة والإجرامية بالخصوص.
فالتصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين قد أضحى ظاهرة إنسانية ليس من اليسير التصدي لها نظرا لسيادة المناخ الذي تعيش فيه.. نهيك عن العديد من العوامل والمتغيرات منها الظاهر، عادة ما تحدث نتيجة لأسباب كثيرة. ثم أن مسألة التحكم في هذه الأسباب ليست بالأمر السهل والهين، لكن التصدي للتصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين كظاهرة إنسانية هو أكثر صعوبة لعدة أسباب يمكن إيجازها كما يلي :
1-إن مصطلح التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين مصطلح يعاني الكثير من الغموض بدليل تعدد المرادفات التي تستعمل غالبا بمعنى واحد: –انحراف- جنوح- إجرام –إثم-
2-إن تحديد فترة الطفولة والمراهقة وإن حسمت على مستوى السن. فهي غير مدركة لدى من يتحكمون في مصير هذه الفئة من الناس على المستوى النفسي والبيولوجي والعقلي والاجتماعي.
3-الأمر الثالث في هذه المسالة يتعلق عموما بالمقاربات المعتمدة على المستوى العلمي. فلكل تيار من تيارات علم الإجرام تصوراته في تفسير التصرفات الانحرافية. والأسباب المؤدية لها. وقد ظهرت هذه التيارات ولها مبرراتها وأدواتها وأساليبها العلمية، وفي نفس الوقت انتقدت بذات الأسلوب أو بأسلوب أكثر حدة ، وسبب ذلك أن الظاهرة المرصودة مرتبطة بالإنسان بغض النظر عن شريحته العمرية التي ينتمي إليها. وهو سريع التأثر بمعطياتالبيئة المحيطة . وبكل مكوناتها الجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية وبالتالي أصبح من الصعب التنبؤ بتصرفاته بعيدا عن بنيته النفسية والثقافية والبيولوجية.
4-إن السبب المشار إليه أدى إلى عدم وجود مقاربة واحدة يمكن الركون إليها بثقة مطلقة في تفسير التصرف المنحرف عامة ولدى الأطفال والناشئين خاصة والتعامل معه في ضوء هذه المقاربة.
5-إن اعتماد المنهج الواحد لرصد حقيقة هذه التصرفات يكفل أكبر قدر من الصلاحية العلمية وليس الثبات العلمي – أمر غير كاف خاصة إزاء ظاهرة إنسانية لا يمكن حصرها في أساليب التكميم أو إلى مقولات العوامل السائدة التي تحول صاحب التصرف إلى مجرد رقم يمكن احتسابه دون اكتراث بقيمته الكيفية. وهي عراقيل تعوق الوصول إلى خلاصات علمية تحدد آليات المعرفة العلمية المساعدة على معرفة التصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين عند الرشداء على حد سواء.
ولربما بسبب هذه الصعوبة وجدت مقاربة تعدد العوامل صدى لها أو حظيت على الأقل- باهتمام أكبر من غيرها.
وهي المقارنة التي يمكن استخدامها لحد الآن في تحديد أهم ما يمكن اقتراحه. من أجل صياغة سياسة وقائية للتحصين ضد التصرفات الانحرافية.
وفي هذا الصدد يصعب الحديث عن سياسة وقائية أو علاجية لهذه الظاهرة الإنسانية. في غياب الإقدام على إصلاحات دستورية وقانونية قادرة على إحداث القطيعة مع كل صنوف الاستبداد وصياغة مؤسسات قادرة على حفز الهمم وتوحيد الجهود واستثمار الطاقات والقدرات وتمكينها من إيجاز قراءة جديدة لرسالة المجتمع وتوظيفها في تنشئة وصيانة الأفراد وتأهيلهم لبذل جهودهم بأكثر فاعلية في الإيمان بالله والتفكير بالواجب أمامه وفي حق مخلوقاته على قواعد حرية التفكير والاختيار، والوعي بقيمة الاختلافات والفروق العقلية والنفسية والجسمية والعاطفية بين الأفراد والجماعات، وهذا من مسؤوليات مكونات التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام وفضاءات الوقت الحرة والإدارة والأمن والقضاء. وإذا كان المجال لا يتسع لتناول شرط الإصلاح الدستوري والقانوني وأهميته في النهوض بالمجتمع وفتح الطريق أمام الناس ليمارسوا مسؤوليتهم في الاستخلاف بقدرات أعلى كفاءة وأكثر مردودية، لأداء حقوق الله وحقوق عباده عليهم. فإن الإسهام في وضع صياغة للسياسة وقائية ضد التصرفات المنحرفة لدى الأطفال والناشئين تحتاج إلى التوقف بنوع من التريث عند المحطات التالية:
-الأسرة
-المدرسة
-الحي السكني
-الإعلام
-الشرطة
-فضاءات الوقت الحر.
أولا : الأسرة والتصرف الانحرافي لدى الأطفال والناشئين
إنها من أهم اللبنات الإنسانية وأقدمها، ففيها يولد المرأ وينمو، وهي أكثر النظم الاجتماعية التي تقع على كاهلها عملية التربية والتنشئة الاجتماعية. بالإضافة إلى كونها الجسر الذي يعبر الفرد من خلاله إلى مجالات الحياة. فهي مركبة الوعي الاجتماعي والتراث الحضاري التي تزوده بأنماط السلوك المختلفة في طفولته المبكرة. وهي الإطار المرجعي لكل تصرفاته إزاء ما يعترضه من مواقف.
ولا ريب في أن للأبوين مواقف وسلوكات متباينة، وأن هذه المواقف قد تكون مرغوبة وقد لا تكون كذلك. فاتجاهات الوالدين والإخوة الكبار وتصرفاتهم قد يتقفاها صغار السن بصرف النظر عن توعيتها ومدى طابعها الإيجابي أو السلبي.
والأطفال في البلدان الثالثية غالبا ما يمرون بتنشئة تقليدية ترتكز على جملة من القيم، والعادات والتقاليد تتوارث من السلف إلى الخلف، لكنها ليست كلها صالحة للإسهام في تربية الأطفال والناشئين وتنشئتهم بشكل صحيح ذلك لأن التراث الاجتماعي والثقافي لأي مجتمع هو كله تعقيدات مليء بالتناقضات.
فالاعتقاد الراسخ بالنسبة للتصرف الانحرافي بالمعنى الاجتماعي هو كل فعل أو امتناع يخالف العادات والقيم والأعراف حتى وإن كانت غير سليمة؛ مفهوم مهزوز والعمل بأحكامه غالبا ما ينتج مردودا عكسيا سلبيا، فكيف يمكن تفسير الخروج عن عادات تقليدية متخلفة وسيئة ولا تتفق مع أحكام الشرع ولا مع منطق العقل بأنها تصرفات انحرافية ؟
إن هذه التفسيرات والمعتقدات لا يمكن إلا أن تساهم في خلق نوع من عدم التوافق في السلوك ينعكس بشكل سلبي في اتجاهات الطفل وتصرفاته فيتم وصمه بالانحراف أو الجنوح أو الإجرام وعندها تكون البداية.
فالمشكلة إذن تتجلى في آن لكل أسرة أسلوب تميز بمقتضاه في التعامل مع هذه القيم والعادات، وهذه بدورها تعكس نماذج الاتجاهات التي تسودها. وأصناف السلوكات التي يستطيع بها الطفل من خلال أسرته والتي يعتمدها في مواجهة كل الصعوبات التي تعترض حياته. فالطفل يقتدي بأنماط سلوك الأبوين وهذه الأنماط تتأصل فيه بإيجابياتها وسلبياتها في الغالب الأعم إلا إذا تدخلت عوامل أخرى… من هنا كان على ألا ننقل القيم المقبولة اجتماعيا إلى الجيل الجديد فحسب. بل عليها أن تحاول حماية الطفل أيضا من التأثر بأنماط التصرف المنحرف وكذا القيم الجامدة والعادات السيئة.
وقد أكد الباحثون في علوم التربية وعلم النفس على الأهمية البالغة للتربية المنزلية في عمليات التنشئة والتأهيل الاجتماعي في صياغة ونمو شخصية الفرد. كما أكدت العديد من الدراسات المتخصصة فإن الإهمال الأبوي للأبناء وبالخصوص من الناحية النفسية والتربوية يعد عاملا حيويا خطيرا في ترسيخ مشاعر الدونية والازدراء بالذات بالإضافة إلى التربية الخاطئة المعتمدة على القمع والضغط والتشدد أو التراخي والدلال. لا يستطيع الطفل أو الناشئ التحرر منها إلا بالالتحاق بجماعات خارج البيت بحثا عن الاعتراف وطلبا للانتماء الاجتماعي الذي عجزت الأسرة تمكينه منه. وقد نصت النتائج التي توصل إليها الأستاذ حبيبي عبد الإله في دراسته بعنوان "مفهوم الذات لدى الحدث الجانح" : بأن الجماعة الجانحة لا تظهر إلا عندما تعجز أو تفشل المؤسسة الأسرية في القيام بأدوارها النفسية والتربوية… فاندفاع الحدث يقول الباحث – نحو امتصاص قيم وسلوكات الجماعة الجانحة بمثابة إعلان عن إفلاس أسرته وتلاشي تأثيرها ودورها الفعال - لكن هل هناك أسرة في المغرب واعية بأدوارها النفسية والتربوية قديما أو حديثا ؟ إن الصحيح مع الأسف هو انعدام هذا الوعي وغياب هذه المهمة نظرا لهيمنة الأمية في غالبية الأوساط. وحتى إذا كان الأبوين متعلمين فإن تعليمهما لا يؤهلهما للقيام بأي دور نفسي بل إن المجتمع بأكمله يعاني من أزمة ثقافية نفسية غير قادرة على حماية الصحة النفسية للأطفال والناشئين وكل المجتمع مما يجعل الأمراض النفسية كثيرة الانتشار في أوساط الأطفال والناشئين متغذية باستمرار بالأوبئة السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية المتنوعة والشديدة الفتك.
وقد بينت العديد من الدراسات المتخصصة بأن غياب الرعاية النفسية وهيمنة التربية الخاطئة داخل أسر الأطفال والناشئين، أصحاب التصرفات المنحرفة مقارنة مع أسر الأطفال والناشئين، أصحاب التصرفات غير المنحرفة في بريطانيا عاملين موجودين بنسبة خمسة إلى واحد أي وجود هذين العاملين في خمس أسر من أسر أصحاب التصرفات المنحرفة يقابله وجود نفس العاملين في أسرة واحدة لأصحاب التصرفات غير المنحرفة .
كما وحد وليام هيلي وبرونو أن 4% من بين 4000 حالة من أصحاب التصرفات المنحرفة في ولايتي شيكاغو وواشنطن نشأوا في أسر تفتقر للرعاية النفسية والتربية الأسرية السليمة.
وتوصل جيلدوف والتيور حلوك إلى مجموعة من النتائج في دراسة احتوت عينتين الأولى ضابطة والثانية تجريبية اشتملت كل منهما على 500 طفل. فتبين أن 95.8% من الأمهات و93.45% من الآباء الذين ينتسب إليهم الأطفال أصحاب التصرفات المنحرفة كان أسلوب التربية لديهم يتراوح بين منتهى الدلال أو القسوة البالغة.
و65.6% من الأمهات و55.5% من الآباء الذين تنتسب إليهم العينة الضابطة. يتسم أسلوب التربية لديهم بالحزم المفعم بالحنان وهذا يؤدي إلى إحساس الأطفال والناشئين بالدفئ والطمأنينة والعدالة. ويستخلص هذان الباحثان أن أسلوب التربية المعتمدة من لدن أمهات وآباء أصحاب التصرفات المنحرفة كان أقل فاعلية من ذلك المتبع من قبل أسر أصحاب التصرفات غير المنحرفة. وذلك راجع إلى الإفراط في استعمال العقوبة البدنية والحرمان من المزايا والتهديد والتحقير أكثر من اللجوء إلى التفاهم والتواصل مع الأطفال والناشئين داخل العينة التجريبية.
وفي دراسة "لناي" حول آثار العلاقات الأسرية بالتصرفات المنحرفة بالولايات المتحدة الأمريكية. أوضح هذا الباحث بأن التربية في الأسرة قد ترتبط بالتصرف المنحرف من خلال تأثيرها على عناصر الضبط بطرق ثلاثة :
1-قد تمنع القسوة؛ الأطفال والناشئين من تحقيق حاجاتهم إلى التجمع والترويح خاصة في جماعات الأنداد.
2-الافتقار إلى التربية أو قصورها أو كليهما معا يمنع الأطفال والناشئين من الضوابط المباشرة أو غير المباشرة على تصرفاتهم داخل الأسرة أو خارجها.
3-إذا لم تكن التربية عادلة قد تؤدي بالطفل أو الناشئ إلى تكوين اتجاهات سلبية أو متقلبة نحو الوالدين وهذا يؤدي بدورها إلى الإقلال من فعالية الضوابط الاجتماعية.
ويشير هذا الباحث أن المعاقبة غير العادلة من جانب الأب ترتبط ارتباطا له دلالته بالصاحب التصرف المنحرف أكثر من ارتباط هذا الطابع بصاحب التصرف المنحرف إذا ظهر من جانب الأم.
واتضح أيضا أن هناك ارتباط له دلالته بين تميز الوالدين في العقوبة والتصرف المنحرف لدى الأطفال والناشئين وإن كان ارتباط هذا الطابع من المعاملة أعمق في دلالته بالنسبة للتصرف المنحرف إذا اتخذ من جانب الأب.
والمثير للانتباه في هذه الدراسة، أن هناك علاقة بين قسوة الأمهات والتصرفات المنحرفة لدى البنات، بينما لم ترتبط القسوة من جانب الأبوين بالتصرف المنحرف لدى الذكور ارتباطا ذو دلالة إحصائية.
وقد سجلت هذه الدراسة أيضا الآثار السلبية للدلال والتراخي والإرضاء المفرط من قبل أبوي الأطفال والناشئين أصحاب التصرفات المنحرفة. وذلك بدلالة إحصائية ذات تكرارات كبيرة.
وفي دراسات أخرى طالت أصحاب التصرفات الإجرامية من الرشداء. وخاصة أولئك الذين ينعتون من لدن القانونيين والقضاة ورجال الأمن بالعتاة والطغاة والجبابرة. يتبين أن أغلبية هؤلاء كانوا غير ناضجين من الناحية العاطفية وغير مطمئنين في طفولتهم. ذلك لأن علاقة الطفل بأبويه تلعب دورا متميزا في تنشئة الطفل وحمايته من عوامل السقوط في التصرف المنحرف وهي كثيرة ومتعددة وهذا يرتبط بتفكك وبتصدع الأسرة فالتفكك قد يكون ماديا ويقصد به غياب أحد الوالدين أو كلاهما لأي سبب من الأسباب. والأسرة المتفككة غالبا ما تعجز عن تربية أطفالها بشكل جيد لأن غياب الوالدين أو إحداهما يترك فراغا في الدور الوظيفي للأسرة. يحدث أن تعجز مثل هذه الأسرة عن إشباع حاجات أطفالها وتلبية رغباتهم مما يدفع بهم إلى محاولة إشباع هذه الرغبات بطرق عديدة تجر إحداها إلى الانحراف بتأثير الحاجة الملحة.
أما الأسرة المتصدعة فهي التي تسودها الاضطرابات أو الخلل في العلاقات الذي برغم الأطفال والناشئين على الخروج بحثا عن بدائل خارج الأسرة قد تكون ذات طابع انحرافي أو معرضة على السقوط في التصرف الانحرافي.
وقد أجريت في هذا الصدد عدة دراسات في عدة بلدان حول علاقة تصرف المنحرف بالتفكك أو التصدع الأسري، دلت نتائجها على وجود صلات قوية ووثيقة بين المتغيرين.
ففي دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر حول : (السرقة عند الأحداث) تبين ارتفاع نسبة حالات الطلاق بين والدي الأطفال والناشئين أصحاب هذا التصرف المنحرف. وذلك بنسبة تتراوح بين 10.7% و 11% في حين أن النسبة العامة للطلاق في مصر في ذات العام قد بلغت 2.3% في الألف من السكان.
وتوصلت دراسة دولية طالت 18375 فتاة ذات تصرف منحرف تنحدر من 25 دولة اتضح أن 15104 منهن ينتمين إلى عائلات مضطربة غير مستقرة أي بنسبة 81.78%.
أما دراسات "جلوك" حول أصحاب التصرفات المنحرفة من الأطفال والناشئين بالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا فقد أظهرت أن 60% من الأطفال والناشئين الذين طالتهم الدراسة من أصحاب التصرفات الانحرافية كانوا محرومين من رعاية الأب منذ الطفولة. أما المبتدئين من الأطفال والناشئين من أصحاب هذه التصرفات في فرنسا. فإن 40% منهم كانت تعوزهم منذ طفولتهم الأولى رعاية الأم .
من خلال ما تقدم يتبين مدى أهمية الأسرة في حياة المرء والمجتمع. ولعل صيانتها ضد الفقر وثقافة البؤس وهيمنة الأمية وتحصينها ضد التصدع والتفكك بتوفير الرعاية الصحية النفسية والجسمية والعقلية والاجتماعية والتعامل معها كمقاولة متخصصة في الاستثمار في التنمية الإنسانية على قيم التواصل والتفاعل والتعاون والتضامن وتعبئة كل المكونات المجتمعية في خدمتها من أجل الانتعاش وتخطي الصعوبات من خلال الإسهام في صياغة الأب الأفضل والأم الأنسب على الانخراط في حركة تربوية تجديدية تعي التحولات التي تطال الإنسانية، والإسهام بقدرات تكاملية مع باقي مكونات التنشئة والقيادة، الاجتماعية والسياسية بغاية تمكين الناشئين والأطفال من إنسانيتهم عبر إنماء الفاعلية لديهم، وهذا يتطلب مراجعة جريئة واعية لرسالة الأسرة في أفق القرن الجديد الذي يصعب على البنية الأسرية الحالية الانخراط فيه أو تعويل على منتوجاتها لل
المزيد